إنّها الحرب العالمية الخامسة إنْ حدثت!

إنّها الحرب العالمية الخامسة إنْ حدثت!

الجمعة - 14 جمادى الأولى 1441 هـ - 10 يناير 2020 مـ رقم العدد [15018]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

تداول بشكل مكثف في الأيام الأخيرة الحديث عن إمكانية نشوب حرب عالمية ثالثة. طبعاً مبررات تداول هذا الحديث في ارتباط وثيق بما يحدث في ليبيا وحصول الرئيس التركي على قرار مصادَق عليه من البرلمان للتحرك عسكرياً نحو ليبيا، وأيضاً بمقتل القائد العسكري الإيراني البارز قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري»، وذلك في غارة أميركية، ورد الطرف الإيراني بالإعلان أن قاعدة «عين الأسد» التي تضم قوات أميركية في غرب العراق «دُمّرت تماماً» بعد قصف صاروخي إيراني. كذلك الحركات الحثيثة لروسيا والتحرك السريع لعقد مؤتمر برلين... كل هذه الأحداث مجتمعة التي تجمع بين قادتها تقاطعات وتصادمات، أنتجت خطاباً حول الحرب العالمية الثالثة، خصوصاً أن أطراف التوترات الحاصلة حالياً هي في معظمها دول إقليمية وأخرى من نادي الدول القوية في العالم.
لا شك في أن الحديث عن حرب عالمية له ما يبرره وما يدعمه وما يجعله حديثاً في محله سواء حصلت الحرب أم لم تحدث. ولكنّ هذا الحديث أثارني من زاوية أخرى؛ زاوية العد والحساب: هل فعلاً نحن مقبلون -لا سمح الله- على حرب عالمية ثالثة أم أن هناك خطأً فادحاً في الرياضيات؟
إن القول بالحرب العالمية الثالثة في صورة اندلاعها يعني أننا نعتمد تصوراً وتمثلاً تقليدياً لمفهوم الحرب وشكلها، ومن ثم فنحن لا نعترف إلا بالحربين العالميتين الأولى والثانية لا غير. ما يخفى عنا أن مفهوم الحرب يظل هو نفسه ولكنه يغيّر أقنعته وأشكاله ووجوهه. فكما شهدت مفاهيم الدولة والسيادة والقوة والتواصل تغيرات عميقة في العقود الثلاثة الأخيرة فإن شكل الحرب طالته تغييرات كبيرة إلى درجة أننا لا نخالها حرباً. كأننا أمام شخص قام بعملية تجميل شملت ملامحه الرئيسية فأصبح كأنه شخص آخر والحال أنه نفس الشخص.
لذلك فإن الرأي عندنا أن العالم شهد حرباً ثالثة وحرباً رابعة وقد تحدث الخامسة. فأما الحرب الثالثة فهي الحرب الباردة، ولن تشفع لها برودتها في أن تمنع عنها صفة الحرب العالمية، حيث الحرب بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وبين البيت الأبيض والدب الأبيض، أي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق. وهي حرب بين دولتين عظميين، وكل واحدة كان لها أتباعها من الدول والشعوب والنخب. ونهاية الحرب الباردة كما نعلم كانت بسقوط الاتحاد السوفياتي وانهياره، أي إنها كانت حرباً بأتمّ معنى الكلمة، ونهايتها كانت أشد وضوحاً من الحربين الأولى والثانية، حيث كانت الحرب حول من يقود العالم ومن ينتصر فكره وتصوره القيمي على تصور الآخر. لقد كانت باردة وطويلة جداً ولاسعة أكثر من النيران ومكلفة جداً على الأصعدة كافة.
بل إن نتائج الحرب العالمية الثالثة الباردة هي التي قادت العالم بعد سنوات قليلة جداً من استفراد الولايات المتحدة بالعالم ومحاولات فرض العولمة وحشاً لا يعترف بالتنوع والتعدد والخصوصيات والاستثناءات... قادته إلى حرب عالمية رابعة برفع شعار غامض جامع وغير مانع: الحرب العالمية على الإرهاب. هذه الحرب التي ما زلنا نعيش على وقعها، وهي أغرب أشكال الحروب، بدأت فعلياً وانطلقت شرارتها عندما أعطى جورج بوش الابن إشارة الانطلاق مباشرةً بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي زعزعت العالم وأربكته وبسببها انطلق سؤال: لماذا يكرهوننا؟ وعلى أثرها أشاد الكثير بصدق توقعات صمويل هنتنغتون الذي حذر من خطر الحضارة الإسلامية. ويمكن القول إن هذه الحرب التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي الواقع بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) والتي ذهب ضحيتها 2973 قتيلاً و24 مفقوداً، إضافة لآلاف الجرحى، هي أكثر الحروب تكلفة للعالم العربي والإسلامي، وهي على علاقة وطيدة بحرب الخليج الأولى وبغزو الكويت من قِبل العراق، ذلك الخطأ الجسيم الذي أدخل العالم العربي والإسلامي في دوامة التراجع والإرهاب وتراجع الثروة، وجعل منا هدفاً استراتيجياً للقوى التي ترى في الإسلام وأتباعه خطراً على العالم المعاصر. بل إن غزو العراق فيما بعد وتناسُل الشبكات الإرهابية التي تزعم الانتقام للحضارة الإسلامية هما اللذان زادا تأكيد الحرب العالمية على الإرهاب، وهي حرب خطيرة جداً لأنها استدعت انقلابات على مفاهيم وقيم بدأ العالم يناضل من أجلها مثل حقوق الإنسان وحرية السفر والأنسنة. كما أنها حرب استحسنها المستفيدون الكبار منها ورأوا ضرورة استمرارها فأصبحوا يخلقون تنظيمات دورها ممارسة الإرهاب وتأمين كل أسباب الغزو والتدخل، وهنا نذكر ما يسمى تنظيم دولة الخلافة الذي تدور حوله الروايات الغامضة، وهو التنظيم الذي كان ممكناً القضاء عليه في يوم لو لم يكن تنظيماً مخترَعاً وله مهمة.
اليوم نحن نعيش على وقع حروب عالمية متداخلة، وهي حروب يسجِّل فيها الاقتصاد والثقافة كل الحضور وهما الهدف الأول والأخير. وأخطر ما في هذه الحروب العالمية الجديدة أنها مخاتلة مقارنةً بالتصور الكلاسيكي للحرب العالمية كما عرفناه في الحربين العالميتين الأولى والثانية. كما أنها حروب ذات استراتيجيات بطيئة الحركة وطويلة الأمد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة