الفصول العربية المتداخلة

الفصول العربية المتداخلة

السبت - 12 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 09 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14956]
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة
ماذا يحدث في عدد من البلدان العربية اليوم؟! هبات شعبية هنا وهناك، أُطلقت عليها أسماء مختلفة، لكن مجمل ما يجمعها هو الغضب من واقع أثقل كاهل عامة الناس أمام متطلبات الحياة. الغالبية العظمى من البشر لا تطلب أكثر من ضروريات الحياة في المأكل والملبس والسكن. ويرضى الجميع بما يسد الرمق ويستر الجسد ويقيه الحر والبرد، بل يخضع الجميع لبذل الجهد والكد من أجل الحصول على الحد الأدنى من المال. أما القشة التي أشعلت النار فهي الفساد، الذي لم يعد قادراً على تغطية نفسه، وكلما زاد الفساد ارتفعت درجة الغضب الذي يصير تمرداً يتسع وينفجر عبر شارع جديد في حجمه وقوة اندفاعه واستمراره على امتداد البلاد.
مسح عاجل لبساط الريح الذي طار به بيرم التونسي خيالاً يوماً ما عابراً بلداناً عربية من المشرق إلى المغرب، بوقفة خاصة بين تونس ولبنان. البداية بتونس التي انطلقت منها الشرارة، وسقط قتلى بعد وصول لهب الغضب إلى العاصمة. غادر الرئيس زين العابدين البلاد مرغماً وتوجه الجميع إلى خريطة الدستور التي شكلت ممراً حقق مساراً آمناً سلمياً لإقامة سلطة جديدة تجاوزت العنف والإقصاء. لتونس تاريخها منذ مطلع القرن الثامن عشر، وتكوينها الاجتماعي من حسين بن علي إلى الحبيب أبورقيبة؛ حيث كانت أول من أصدر دستوراً في المنطقة باسم عهد الأمان، ولم يتدخل الجيش في الشأن السياسي ورغم تغير السياسات والرؤساء بقي الدستور مرجعاً يستنار به. فضل الرئيس الراحل زين العابدين بن علي بعد تصاعد حركة الثورة أن يغادر البلاد، ولم يطمح رئيس أركان الجيش الجنرال رشيد بن عمار إلى الصعود إلى هرم السلطة. تولى رئيس الوزراء الأسبق محمد الغنوشي رئاسة الدولة لساعات وفقاً لنص الدستور ولما تأكدت عدم عودة رئيس الدولة إلى البلاد تنازل الغنوشي إلى فؤاد المبضع رئيس مجلس النواب وشرعت تونس في المضي في طريق بناء نظام جديد بترتيبات مرحلية وفقاً للدستور القائم.
لقد كانت ثورة تونس التي سميت ثورة الياسمين ذات خصوصية سلمية واقعية، حكمها التكوين التاريخي والاجتماعي الحضاري للبلاد؛ حيث انتشر التعليم في عهد الوصاية الفرنسية، وقاد البلاد رجل لم يصل إلى السلطة بالقوة بعد الاستقلال، واتسم بالنزاهة والسهر على تطوير البلاد وفتح أبواب التعليم أمام المرأة وصاغ قانوناً متقدماً للأحوال الشخصية. تمت مأسسة الدولة، وتكونت كوادر سياسية وإدارية وأمنية ومالية عالية الكفاءة وانفتحت البلاد على رحاب الدنيا، لكل ما سبق فقد كان لثورة الياسمين التونسية خصوصيتها الذاتية التي ميزتها عن غيرها في البلدان العربية. مرحلة انتقالية في حلقات لم تخلُ من حساسية وأحياناً تعقيدات، اختتمت بلقاء الشيخين راشد الغنوشي زعيم حزب «النهضة» الإسلامي والسياسي المخضرم الباجي قايد السبسي مؤسس «نداء تونس»، نقلت البلاد إلى حالة سياسية جديدة انتهت بانتخابات برلمانية ورئاسية بتكوين سياسي جديد، وأوصلت إلى قصر قرطاج شخصية جديدة من خارج الدائرة القديمة أستاذ القانون قيس سعيد. نتائج الانتخابات البرلمانية عقّدت المشهد، إذ لم يفز حزب بأغلبية كاسحة في البرلمان ولا مناص من تشكيل ائتلاف حكومي موسع غير منسجم من الصعب أن يواجه بسهولة الأزمات التي تعيشها البلاد وبالذات الأزمة الاقتصادية. رغم كل ذلك فقد عبرت تونس الحلقات الساخنة الضيقة التي تهدد بتوترات اجتماعية واسعة أو صدامات عنيفة.
عبر بساط الريح الشعبي مصر بتكوينها السياسي والاجتماعي والثقافي الخاص. لقد لعب الجيش في مصر على مدى عقود دوراً أساسياً في الحياة، ثم طار البساط فوق ليبيا بتاريخها الخاص أيضاً وحلقاتها السياسية منذ العهد القرمانلي إلى عهد الراحل معمر القذافي مروراً بالحقبة الملكية.
ما حدث مؤخراً في لبنان من مظاهرات متواصلة، قدم تجلياً جديداً للحراك الشعبي في وجه واقع سياسي موروث منذ حصول لبنان على الاستقلال. لقد كان للجيولوجيا الاجتماعية في البلاد خصوصية شكلت الأهرام السياسية في البلاد، وبعد حرب أهلية دامت نحو 15 سنة، أعيدت صياغة المسارات السياسية التي تحكم القرار، وإن أبقت على تراتبية موروثة في تقاسم السلطة بين المكونات الطائفية. الجديد في الحراك اللبناني أنه عابر للتضاريس الطائفية، التي بُنيت عليها المكونات الحزبية السياسية، تجاوزت الاصطفافات الداخلية والولاءات العابرة للحدود. ورغم كل الأزمات الاقتصادية والتدخلات الخارجية، فإن درجة الوعي والقدرة على اجتراح الحلول ومساحة التفاهم بين الزعامات السياسية تجعل من السهل الوصول إلى حلول واقعية حاضرة في المشهد اللبناني المعقد. لقد كان لبنان أحد المعامل الأساسية لصناعة الرأي العام العربي، وعلى أرضه تحتدم المعارك، وعليها يتواصل المختصمون مباشرة أو عبر وكلاء لهم. المشهد في غاية التعقيد، لكن لبنان الذي دفع ثمناً غالياً وعالياً في حرب أهلية طويلة، لم تغب عنها إسرائيل وسوريا والمنظمات الفلسطينية وأطراف أخرى، يتقن عبر قواه السياسية متعددة القدرات تخليق الحلول المبنية على التوازنات الواقعية.
الحالتان التونسية واللبنانية شكلتا لوناً خاصاً من التعبير والفعل، فيما عرف بالربيع العربي، يختلف إلى حد كبير عما شهدته بلدان عربية أخرى، ويستحق الوقوف عنده برؤية موضوعية تلقي الضوء على دوافع الحراك ومخرجاتها، رغم أن الحالة اللبنانية لم تصل إلى محطتها الأخيرة.
بعيداً عن الاصطفاف الداعم والمعارض لظاهرة الهبات الشعبية، فإن ما حدث في بعض الأقطار العربية يتطلب دراسة علمية موضوعية معمقة، يقودها أكاديميون وسياسيون وخبراء لتشخيص الدوافع المحركة لما حدث، وتقديم رؤية واسعة تشكل طريقاً إلى ترتيبات مستقبلية تحقق طموحات الناس في حياة كريمة تترسخ عبرها أسس العدالة القائمة على المواطنة، وتتجاوز خيارات العنف من الشارع والسلطة. لكل بلد عربي خصوصيته وظروفه، وإن طاف بساط الغضب في عدد منها. كثير من بلدان العالم شهد هبات شعبية اختلفت مقاييسها، لكن الإنسان قادر دائماً على كتابة الوصفات التي تنقله إلى رحاب تقيه هدر قدراته وسفح دمه. العقل هو طوق النجاة للحاكم والمحكوم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة