الناس يعلمون

الناس يعلمون

السبت - 5 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 02 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14949]
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة
عندما تعرف الكثير عما يجري من الأمور، قد تلقي على نفسك حملاً ثقيلاً، ويكون التجاهل المتعمد رافعة تقيك مسؤولية اتخاذ قرار أنت غير قادر عليه. الهروب إلى داخلك يكون الحصن عند العجز عن القرار. ذلك ما فعله جوزيف ستالين الزعيم السوفياتي عندما اقتحمت القوات النازية أراضي إمبراطوريته وصارت على بعد كيلومترات معدودة من موسكو. طاغية لا يُناقش ولا يتجرأ أحد من أعوانه السياسيين والعسكريين على فتح فمه برأي يخالف رأيه، فماذا سيقول الملهم الذي لا يقهر وقوات العدو تدك باب الكرملين المهاب حيث كان ستالين يصدر أوامر الموت ضد الآلاف يوميا؟ هرب إلى كهف الهزيمة وخارت قوته وانعقد لسانه. لم يقدر أن يتابع أخبار المعركة التي تنذر بنهاية شاملة مذلة. لقد وصلته تقارير من أجهزة استخباراته منذ شهور تؤكد له قرار هتلر غزو الاتحاد السوفياتي، لكنه ركن إلى ما وقر في عقله بأن اتفاقية عدم الاعتداء الموقعة مع ألمانيا النازية هي الدرع الذي سيحميه ويحمي إمبراطوريته الشاسعة القوية. بعد أن استفاق تحت ضربات المدافع والطائرات والاجتياح المندفع، بدأ يحاول توجيه قوته العسكرية المنكسرة المشتتة لمواجهة الاكتساح النازي. لكنه ساهم في زيادة الارتباك العسكري والسياسي. كان ستالين قد أصدر الأوامر إلى كل الأجهزة الاستخبارية أن تقدم معلوماتها له وحده ولا يطلع عليها غيره. تجرأ عدد من كبار القادة العسكريين على مواجهته بالحقائق التي تندفع بقوة على الأرض. تحدث إليه الجنرال جوكوف مغامراً أمام ما يهدد الكيان السوفياتي وطلب منه أن يترك له وزملائه قيادة المعركة، وقبل ستالين على مضض، وتولى جوكوف القيادة متسلحاً بإرادة الناس والجيوش وقوة المعلومات التي ترد من الأجهزة الاستخباراتية وشن الهجومات على الجيوش النازية وتقدم مع قواته من موسكو إلى برلين. كان تجاهل ستالين للمعلومات ضرباً من الترفع والغرور الزعامي، فالزعيم يمتلك في أحشاء رأسه كامل أركان الحكمة وقوة الإلهام التي تكفيه الحاجة إلى أخذ معلومات من الآخرين، فهو يعلم ما لا يعلمون.
صدام حسين عندما اجتاحت القوات الأميركية أرض العراق، انفرد أياماً وليالي في أحد قصوره وتفرغ لكتابة الروايات والشعر. حجم الأحداث أكبر من قدراته العقلية والعسكرية، والوضع السياسي الدولي أثقل من أن يستطيع زحزحته، إذن فخلوة الهروب إلى الوهم هي الخندق المنيع الذي يتوحد فيه مع هالة الزعامة ولا يطيق أن يقابل من يقول له إن القوات الغازية تندفع بقوة نحو كيانه. كان قادة جيشه يعلمون حقائق ما يندفع فوق الأرض، لكن لم يكن بينهم من يماثل الجنرال السوفياتي جوكوف الذي اقتحم كهف الوهم الستاليني وألقى أمام جبروته جيش الحقائق والمعلومات الذي يشكل القوة الضاربة الأساسية في مواجهة العدو. أما هتلر فكان كبيرهم الذي هزأ بالمعلومات والحقائق التي يقدمها له أركان حربه حول مجريات المعارك. اعتقد أنه يعلم بعبقريته غير المسبوقة ما لا يعلمه الجميع من قادة سياسيين وجنرالات وأجهزة المخابرات. أيقن العديد من القادة العسكريين أن الحقائق على الأرض تنذر بالهزيمة، لكن لم يتجرأ أحد منهم أن يقصف أوهامه بقوة الحقائق. قرر بعضهم أن السبيل الوحيد لإنقاذ ألمانيا من الهزيمة والدمار، هو الخلاص من هتلر وتصفيته جسديا ورتبوا خطة لقتله ولكن المحاولة فشلت وكان ثمن الفشل آلاف القتلى من الضباط المتهمين بالمشاركة في المؤامرة ضد هتلر، ولم يسلم الجنرال رومل ثعلب الصحراء من القتل بالسم الذي تجرعه مكرهاً.
في الحالات الثلاث التي شكلت منعطفات كبيرة في صراع القرن العشرين، كانت المعلومات وتقدير المواقف في خضم المعارك الكبيرة هما حزم الضوء التي تعمّد الطغاة تجاهلها، وتحصنوا في كهوف أوهام العظمة والإلهام والتفوق على كل البشر وقادوا شعوبهم وأنفسهم إلى نهايات بائسة مدمرة. اليوم صارت المعلومات بما فيها التي كانت توصف يوما بالسرية أو الخاصة، صارت متاحة للجميع بحكم انتشار التعليم وتقنية الإعلام التي تقتحم الرؤوس. أصبحت العقول تصنع وتنتج ويعاد إنتاجها عبر الوصول إلى المعلومة والطواف في أبعادها وتفاصيلها وبناء على ذلك تتوالد الأفكار بلا حدود وتتسع دوائر الرؤية، وبالفعل أصبح هناك (رأي عام) إنساني عابر للحدود والعقول. الهبات الشعبية التي تعصف بالعديد من البلدان، لم تعد دوافعها أسراراً أو طلاسم، بل هي معروفة عند الغالبية الساحقة من الناس. التشوهات الاقتصادية التي يعاني من ويلها الكثير من الشعوب، لم تعد ضرباً من القوة القاهرة التي لا قبل لبني البشر بمواجهتها، فقد عانت الكثير من الشعوب التخلف والمعاناة الاقتصادية، لكنها بقوة العلم والمعلومة والتخطيط الراشد استطاعت أن تتحول إلى نمور اقتصادية ضاربة تزرع وتصنع وتبدع وتستهلك ما تنتجه بوعي وتصدر إلى الخارج.
الآيديولوجيا التي تخلق زعيماً ملهماً يحتكر التفكير والقرار ويعتبر كل رأي مخالف خائناً أو كافراً هي السم القاتل للعلم وضوء العقل الذي يتغذى على المعلومات التي صارت اليوم تملأ الأرض والفضاء ويتقاسمها البشر بسلاسة دون فرض من طرف على آخر. الكون صار مدينة العلم التي يساهم فيها الجميع بالعطاء والأخذ ولم يعد هناك مجال لاحتكار المعلومات السحرية من قبل زعيم ملهم أو آيديولوجيا جامعة مانعة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة