تونس وتسلق القمة

تونس وتسلق القمة

الأحد - 21 صفر 1441 هـ - 20 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14936]
قبل مغادرته إلى بروكسل لحضور قمة الاتحاد الأوروبي بهدف الحصول على موافقة القادة الأوروبيين على اتفاق يضمن لبريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، التقى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بلجنة 1922 التي تضم النواب المحافظين، لإطلاعهم على آخر المستجدات في عملية المفاوضات الجارية بين لندن وبروكسل. السيد جونسون ابتدأ حديثه بتشبيه الوصول إلى اتفاق مع بروكسل بتسلق جبل إيفرست، قائلاً: «وصلنا لمدرج هيلري حيث بإمكانك رؤية القمة إلا أنها مغطاة بالغيوم». وبالمقارنة، مع أخذ الفروق في الاعتبار، يمكن القول إن الانتخابات النيابية والرئاسية التونسية مؤخراً، كانت بمثابة تسلق جبل إيفرست بغرض الوصول إلى القمة؛ حيث تمكن التونسيون، حتى الآن، من الوصول إلى مدرج هيلري، وصار بإمكانهم رؤية قمة الجبل محوطة بالغيوم.
النجاح في إجراء انتخابات سلمية، تتصف بالنزاهة، ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة إلى تحقيق أهداف تونس كبلد، والتونسيين كشعب، في العيش في مجتمع يتساوى فيه الجميع أمام القانون، وتتاح فيه الفرص لكل أبنائه، باختلاف توجهاتهم السياسية، لعيش كريم، في وطن كريم. حقّق التونسيون الجزء الأول من الحلم؛ الانتخابات. وعلى النخب الحاكمة باختلافها، الآن، تحقيق الجزء الآخر؛ تكملة المشوار للوصول إلى قمة إيفرست.
النتائج النهائية للانتخابات النيابية والرئاسية لم تخلُ من مفاجآت. حزب «نداء تونس»، كما توقع كثيرون، انتهى، رسمياً، بنفس السرعة التي ظهر بها. وحافظ السيد راشد الغنوشي على مواصلة الإمساك بمفاتيح اللعب في البرلمان، وسيواصل حضوره في الساحة، طالما واصل نواب حزب «النهضة» حيازة مقاعد برلمانية أكثر من منافسيهم. والمفاجأة الأخرى المثيرة للاهتمام، في هذه الانتخابات، هو دخول حزب «قلب تونس» الذي أسسه، حديثاً، السيد نبيل القروي، المرشح الرئاسي ورجل الأعمال، إلى البرلمان كثاني أكبر كتلة برلمانية. وللحزب الجديد خطوطه الحمراء، التي منها الالتزام بعدم الدخول مع حزب «النهضة» في أي حكومة ائتلافية. ما يعني أن الشهور المقبلة قد تشهد إعادة كتابة لوائح اللعبة البرلمانية.
والمفاجأة الحقيقية هي وصول السيد قيس بن سعيّد إلى قصر قرطاج سالماً غانماً. وهذا بدوره لا يعني أن قواعد اللعبة السياسية في تونس تغيرت. فالرئيس الجديد القادم محمولاً على أكتاف الطلاب والمتعلمين من البر الأكاديمي، شاهراً استقلاليته، ومفتخراً بعروبته وفصاحته العربية، ليس في مقدوره، واقعياً، فعل الكثير، لأن لوائح وبنود دستور عام 2014 قيّدت أيادي الرؤساء، وحرمتهم من كثير من الصلاحيات، وسلمتها للبرلمان، وللحكومة.
الخلطة الرئاسية والبرلمانية الجديدة ربما تعيد رسم خريطة الطريق الواصل بين البرلمان وساكن قصر قرطاج الجديد. المؤشرات الأولية تشير إلى أن الطرق قد لا تؤدي إلى روما، كما يُتوقع ويؤمل، ما لم يتم الاتفاق، عاجلاً أو آجلاً، على إحداث تعديلات دستورية، حسب ما يردد الخبراء والمعلقون.
على عكس جارتيها ليبيا والجزائر، تمكنت تونس من المروق من سَمِ الخيّاط، بتجنبها الدخول في مستنقعات حرب أهلية، وتمكنها من تجاوز كثير من حقول الألغام الخطرة، منذ الإطاحة بنظام الرئيس بن علي. ويبدو أن النخب السياسية والشعب معاً، اختاروا، قصداً وبوعي، سكة السلامة، بعد أن شاهدوا ما يحدث في البلدين الجارين من اضطراب.
وحتى لا نقع في شرك التفاؤل الساذج، فإن تحسن الأوضاع في تونس، رهين بخروجها معافاة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، التي يمر بها الاقتصاد التونسي منذ سنوات، نتيجة عوامل كثيرة، أجدرها بالذكر الدمار الذي سببه الإرهاب للقطاع السياحي المهم، وكذلك تردي الإنتاج في كثير من القطاعات، وارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة بين الشباب، والمتخرجين، الأمر الذي يضع النخبة السياسية الحاكمة أمام مسؤولياتها في تجنب الخوض في الجدل السياسي العقيم، والبحث عن حلول سريعة لإيجاد فرص عمل تمتص من نسبة البطالة المرتفعة، لقطع دابر الإرهاب وتجفيف منابعه، ولتوفير الأمن والأمان، بما يساعد على ضخّ دم الحياة في عجلة الاقتصاد لتواصل إيقاع دورانها.
ما تجدر ملاحظته هو أن الانتخابات التونسية تمكنت، أيضاً، من تغيير المزاج في مواقع التواصل الاجتماعي الليبية. وبدلاً من الانقسام الحاد الذي تشهده منذ اندلاع الحرب، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، في ضواحي العاصمة طرابلس بين الجماعات المسلحة المؤيدة للمجلس الرئاسي وقوات المشير حفتر، توحدت المواقع في متابعة الشأن التونسي، واختفت من منشوراتها لغة الشتائم والسباب، والعداء، وحلت مكانها لغة أخرى مختلفة، ومتميزة، وناضجة، مقارنة بما كان ينشر. وبدا كأن الانتخابات التونسية قد نجحت في تذكير الليبيين بحقيقة الواقع الذي يعيشونه، والمآسي التي يعانون منها، والهاوية التي من الممكن أن تقع البلاد فيها، ما لم تتوحد الجهود، في صف عقد مصالحة وطنية بين كل الأطراف المتحاربة، ووقف نزيف الدم الذي طال كل المناطق، والقبائل.
ما تمكن التونسيون من تحقيقه، مؤخراً، هو تذكير، جديد، للأطراف المتنازعة في ليبيا بأن طريق السلام، يظل الخيار الأكثر واقعية، لأنه أقصر الطرق إلى تحقيق الاستقرار، وأقلها تكلفة، وأكثرها ثماراً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة