(1) رفض الملك حسين تعهد اشكول عدم مهاجمة الأردن ودخل حرب 1967

مذكرات الشريف زيد بن شاكر كما ترويها أرملته

الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
TT

(1) رفض الملك حسين تعهد اشكول عدم مهاجمة الأردن ودخل حرب 1967

الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر

تكشف السيدة نوزاد الساطي، أرملة الأمير الأردني الشريف زيد بن شاكر، في كتاب تروي فيه مذكرات زوجها، معلومات بالغة الأهمية عن مراحل مفصلية من الحياة السياسية في الأردن والعالم العربي في فترة تاريخية تمتد من حرب 1967 وصولاً إلى غزو الكويت وحرب الخليج، والاتصالات التي قامت في تلك الفترة بين العاهل الأردني الراحل الملك حسين والرئيس العراقي آنذاك صدام حسين. ويتضمن الكتاب الذي وضعت له عنوان: «زيد بن شاكر... من السلاح إلى الانفتاح» مواقف تروى للمرة الأولى عن تفاصيل اجتماعات أركان القرار الأردني في مفاصل مهمة عاشتها البلاد خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي. روايات السيدة نوزاد الساطي جاءت في سياق معلومات وذكريات زوجها لمعلومات تركها عندها في محاولة منه لكتابة مذكراته، قبل وفاته عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من أن زيد بن شاكر كان من أكثر المقربين من الملك حسين ورافقه على مدى عقود، وتدرج في الرتب العسكرية من قائد لواء للدروع، إلى قائد للجيش، ووزير للدفاع ورئيس للديوان الملكي ورئيس للوزراء، في ظروف دقيقة. كما منحه الملك حسين رتبة مشير التي لم يحظَ بها حتى ذلك العهد سوى الملك الأردني الراحل وأيضاً القائد العام للقوات المسلحة حابس المجالي، فكان هو ثالثهم. وفي سنة 1996 منحه الملك حسين لقب أمير. واعتباراً من اليوم تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر حلقات من الكتاب، وذلك قبل الرابع من سبتمبر (أيلول) موعد صدوره، في حفل جرى التحضير له منذ الأشهر الماضية. وستنشر «الشرق الأوسط» أبرز المعلومات التي تناولت أحداثاً كبرى كحرب عام 1967. ومعركة الكرامة عام 1968. و«أحداث أيلول» وما شهدته الأعوام من 1970 - 1973 من اضطرابات شهدتها المملكة الأردنية، وسط أحداث دراماتيكية في العلاقة بين الراحل الملك الحسين والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وفي الكتاب أيضاً تفاصيل عن موقف الأردن خلال حرب الخليج الثانية، وتطورات العلاقة بين الراحل الملك الحسين والرئيس الراحل صدام حسين، وصولاً إلى أزمة استضافة عمّان لمسؤول التصنيع العسكري في الجيش العراقي صهر صدام حسين، حسين كامل، قبل عودته إلى العراق وقتله. ويتوقع أن تثير هذه المذكرات جدلاً واسعاً بشأن محطات تاريخية تتعلق بمفاصل مهمة من تاريخ الأردن والمنطقة على مدى أربعة عقود. وفيما يلي نص الحلقة الأولى:

كانت أحداث السموع «نقطة تحول» في مسار المناوشات العسكرية بين إسرائيل والعرب. وشعر الحسين بأنها «إنذار مباشر» بنوايا إسرائيل لاحتلال الضفة الغربية. ورغم التطمينات الأميركية المباشرة التي صدرت عن الرئيس ليندون جونسون للحسين، فإن «الشكوك العميقة» سكنت في عقله بأن عين إسرائيل على الضفة الغربية، وبأن أجواء الحرب بدأت تهيمن على المنطقة، عبر الرسائل العسكرية المتبادلة.
بالفعل، أخذت الأمور منحى تصاعدياً منذ مايو (أيار) 1967، وذلك باندلاع مواجهات عسكرية على الجبهة السورية - الإسرائيلية، وصولاً إلى تصريح إسحق رابين (وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك) بأنه سيحتل دمشق‪.‬‬
ورغم أن عبد الناصر كان متورطاً في الصراع العسكري باليمن، وكان لا يريد الحرب مع إسرائيل، ومتردداً بشأن قدرة العرب على كسب المواجهة العسكرية، فإنه اتخذ على إثر هذه التطورات على الجبهة السورية قرارات حاسمة دفعت بالمشهد الإقليمي إلى حافة الهاوية؛ إذ طلب من قوات الطوارئ الدولية الموجودة في سيناء على الحدود مع إسرائيل المغادرة، وقام بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وحشد قوات كبيرة من الجيش المصري في سيناء على الحدود مع إسرائيل.
لم يكن عبد الناصر متحمساً للحرب، لكنه قام بهذه الخطوات - التي اعتبرتها إسرائيل بمثابة «إعلان حرب» - تحت ضغط الخطاب الشعبي الذي كان يهيمن على مواقفه السياسية وتصرفاته، فهو من خلق مناخ «حانحارب» (سنحارب). كما فعل ذلك لمواجهة الدعاية السياسية الأخرى التي كانت تروّج بأن وجود قوات الطوارئ بمثابة عازل دولي بين مصر وإسرائيل، ما يلقي بثقل الحرب على الجانب السوري‪.‬‬
في ذروة هذا التوتر الذي سبق الحرب، وصلت معلومات استخبارية من موسكو تفيد بنية إسرائيل الهجوم على الجبهة السورية. وهي المعلومات التي أثارت لاحقاً أسئلة وشكوكاً كبيرة، بعدما ظهر تالياً ما ينفيها، لكنها كانت في حينه مؤثرة تماماً على موقف عبد الناصر وقراراته بوضع قواته في حالة تأهب، لتوجيه رسالة واضحة لإسرائيل بأن موقف مصر حاسم إلى جانب سوريا.
هكذا وصل الحسين إلى قناعة بأن مناخ الحرب يهيمن على المنطقة. ورغم أنه كان متقدماً من الناحية الاستخباراتية على العرب الآخرين، ولديه مصادر معلومات أكثر دقة وعمقاً، فإن رسائله المتعددة لم تكن موضع ثقة لدى عبد الناصر للأسف الشديد‪.‬‬
ولعل الرسالة المهمة الأولى التي بعث بها الحسين لعبد الناصر، كما يعترف مؤرخ عبد الناصر والكاتب المقرب جداً منه، محمد حسنين هيكل، هي تحذيره عبد الناصر مبكراً، في بداية مايو (أيار)؛ إذ طلب اللقاء مع القائد العسكري المصري عبد المنعم رياض، والذي أخبره (الحسين) بالمعلومات المهمة التي بحوزته عن «الفخ» الذي يأتي عبر التصعيد على الجبهة السورية، لجر مصر إلى حرب خاسرة. لكن المصريين لم يفهموا تلك الرسالة ولم يقدروها، فكانوا متأثرين بالمعلومات السوفياتية وبالأخبار الواردة من الجبهة السورية.
في 30 مايو (أيار)، أي قبل الحرب بأيام قليلة، اتخذ الحسين قراره الحاسم بالسفر إلى مصر للقاء عبد الناصر، مع وفد رسمي رفيع المستوى يتشكل من رئيس الوزراء سعد جمعة، ووزير الخارجية أحمد طوقان، ورئيس هيئة الأركان عامر خماش، وقائد سلاح الجو الملكي صالح الكردي. فالتقوا بعبد الناصر، حيث مازح الحسين بقوله: «بما أن الزيارة سرية يمكنني أن أعتقلك؟ فأجاب الحسين: لم أفكر في هذا الأمر».
خلال اللقاء سأل الحسين عبد الناصر إن كان مستعداً للمواجهة وجاداً في قرار الحرب إذا وقعت، وأعرب الحسين عن خشيته على مصير القدس، فكان جواب عبد الناصر، كما نقله عامر خماش لاحقاً لزيد: «ح ادكاها لك» (سوف أدك القدس) من القاهرة. ولإظهار وقوفه المفصلي إلى جانب العرب في المواجهة، فاجأ الحسين عبد الناصر بطلبه توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين، شبيهة بالمعاهدة المصرية - السورية، والتي تم فعلاً استبدال كلمة الأردن بدلًا من سوريا، ووقع عليها الحسين وعبد الناصر.
كذلك، طلب الحسين من عبد الناصر إرسال عبد المنعم رياض معه إلى الأردن ليقود الجبهة الأردنية، وليكون مسؤولاً عن القوات الأردنية والقوات العربية المتوقع قدومها من العراق والسعودية، ولأن العلاقات كانت متوترة بين الأردن ومصر على خلفية طرد الأردن لأحمد الشقيري (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية) بعد شعور الحكومة بالضيق من تصرفات قادة المنظمة خلال وجودهم في الأردن، فقد طلب عبد الناصر من الشقيري القدوم إلى الاجتماع ولقاء الحسين لإزالة الاحتقان بينهما، بل وتوسط لدى الحسين لاصطحاب الشقيري معه بالطائرة في رحلة العودة إلى عمّان، بالإضافة إلى عبد المنعم رياض‪.‬‬
بقي سؤال المليون الذي ما زال جدلياً في الأوساط الأكاديمية، والسياسية والعسكرية، يتمثل بالأسباب التي دفعت الحسين إلى الدخول بالحرب، والإقدام على تلك الخطوة الحاسمة؛ زيارة عبد الناصر وتوقيع المعاهدة، ثم دخوله الحرب لاحقاً إلى جانب القوات العربية الأخرى، رغم خشيته من غلبة الجانب العسكري الإسرائيلي، ومن عدم جدية استعداد العرب وغياب التخطيط الاستراتيجي عنهم‪.‬‬
يعزز هذا السؤال المهم أن هناك فريقاً معتبراً من السياسيين الأردنيين، حينها، في مقدمهم وصفي التل، وقفوا بآرائهم ضد هذه الخطوات، لإدراكهم أن الهدف الإسرائيلي أو الهدية التي تنتظرها إسرائيل من الحرب هي الضفة الغربية، واستكمال «حلم صهيون»، على حد تعبير حسنين هيكل نفسه.
لكن من الصعوبة بمكان الاقتراب من الجواب عن هذا السؤال بمعزل عن سياق الظروف الإقليمية والداخلية التي أثرت على قرار الحسين ومواقفه، وهي ظروف مستمرة غير منقطعة منذ انقلاب عام 1958 في العراق، وقتل العائلة المالكة هناك. فقد شاعت حالة من «الارتياب» (بارانويا) بين الشعب الأردني؛ اجتماعياً وسياسياً، فمسلسل الأحداث التي وقعت منذ عام 1958 وحتى عام 1967، دفع الحسين إلى المبالغة في إظهار وقوفه إلى جانب عبد الناصر عندما بدأت إرهاصات حرب 1967 بالظهور. كان الحسين يتخوف من نتائج مثل هذه الحرب في حال وقوعها، ولا سيما إن لم يشارك فيها، فبادر إلى زيارة عبد الناصر وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك معه، رغم ظنه أنها ستكون حرباً خاسرة. كما أن الاتهامات للأردن وإفقاد الثقة به عربياً (من قبل أحمد سعيد في «صوت العرب» وغيرها من وسائل الإعلام المصرية)، هي ما دفعت الحسين إلى الطلب من عبد الناصر إرسال قائد عسكري مصري (عبد المنعم رياض) ليتولى قيادة العمليات من الأردن. وقد عبّر الحسين عن ذلك صراحة في لقائه مع عبد الناصر، بقوله له إن القيادة المصرية تتهم الأردن وقيادته، وهو لذلك يريد قائداً مصرياً ليرى كيف نخوض المعركة.
ورغم أن الوقت أظهر نجاح سياسات الحسين في مقابل فشل سياسات عبد الناصر، والزمن هو أكبر حكم، فإنه يظل أكثر ما يحز في النفس - لدى زيد وأنا - ما واجهه الحسين من صعوبات ومعاناة لإثبات مصداقيته. فعقب الانقلاب في العراق، بلغ الحد بعبد الناصر أن يشتم والدة الحسين، جلالة الملكة زين الشرف، في أحد خطاباته، بالتزامن مع الحملات الإعلامية غير المنقطعة، التي كانت تصف الحسين بأنه «من أذناب الاستعمار».
أمام ذلك، لم يكن أمام الحسين إلا الوقوف مع العرب في تلك الحرب، لأن الظروف الداخلية والحالة الشعبية أيضاً كانت في حالة غليان، وجاء الاعتداء الإسرائيلي على قرية «السموع» ليصب الزيت على النار، مع توتر العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية والدعاية التي تملأ الأجواء العربية ضد الأردن، وعدم تمييز العرب والفلسطينيين تحديداً بين الشعارات الشعبوية التعبوية من جهة، ومتطلبات الحرب الحقيقية من جهة أخرى‪.‬‬
ومع خشية القيادة الأردنية من أننا مقبلون على حرب خاسرة قد نفقد فيها الضفة الغربية، فإن قرار الحسين بالوقوف مع العرب جاء أيضاً لعدم ثقته بالضمانات الأميركية وبالنوايا الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، عاجلاً أم آجلاً. وهو الأمر الذي كان يدركه زيد بعمق.
قبل يومين من الحرب، زار الحسين قوات أردنية في الضفة الغربية، وبدأ باللواء 60 الذي يقوده زيد، وقال للضباط والجنود: «إن وقعت الحرب، الله لا يمتحننا، لأننا غير قادرين وغير مستعدين لمواجهة إسرائيل في الظرف الذي نحن فيه الآن (نحن ليس الأردن فقط، وإنما الدول العربية كلها). ولأن النتائج ستكون عكس ما نأمل وعكس ما يتطلع إليه المواطن العربي في كل مكان. لكن إذا حدثت الحرب أنتم أمام طريق واحدة، هي أن ترفعوا رأس بلدكم وتحافظوا على تقاليد جيشكم وتحاربوا بقدر ما تستطيعون. وإن شاء الله سيأخذ بيدنا».
قدّم الملك الحسين تحذيره الأخير لعبد الناصر - عقب تحذيرين مماثلين سابقين في 30 مايو (أيار) و3 يونيو (حزيران) - كان يوم الرابع من يونيو (أي قبل اندلاع الحرب بساعات)، بناء على معلومات من السفير التركي في عمّان، تم تأكيدها أيضاً بشكل منفصل من السفير العراقي، بأن «إسرائيل ستبدأ هجومها يوم الخامس أو السادس من يونيو -حزيران بغارات جوية تستهدف المطارات المصرية»، وهو التحذير الذي رد عليه المصريون بأنهم «يتوقعون مثل هذا الهجوم وهم مستعدون له».

ساعة الصفر

في صباح اليوم التالي 6 يونيو (حزيران) كانت ساعة الصفر، وانجلى الغبار سريعاً عن حقائق مروعة مبكرة لنتيجة المعركة التي كان الكل ينتظرها ويترقبها ويستعد لها منذ أشهر. فقد قامت الطائرات الإسرائيلية بالإغارة على المطارات المصرية ودمّرت الطائرات الحربية في مرابضها، عبر موجات خاطفة. وعملياً، كانت هذه الغارات بمثابة الضربة القاضية للقوات العربية كلها، إذ كانت تعوّل على الغطاء الجوي المصري في مواجهة إسرائيل‪!‬‬
ساد ارتباك شديد القيادة العسكرية المصرية، نتيجة هذه الضربة الجوية الحاسمة. لكن لم يرِد قائد الجيش المصري عبد الحكيم عامر الاعتراف بهذه الهزيمة، وروّج رواية - أتت بنتائج كارثية - نقلها الإعلام المصري بأن المضادات الجوية المصرية تصدت للطائرات الإسرائيلية وقضت على 75 في المائة منها. وهي الكذبة التي أرسل بها عامر إلى عبد المنعم رياض والجبهة الأردنية، طالباً من الجيش العربي بدء القتال والالتحام بالقوات الإسرائيلية‪.‬‬
بالفعل، بدأت القوات المسلحة الأردنية بقصف المواقع الإسرائيلية المجاورة في القدس، وتقدمت للأمام وسيطرت على بعض المواقع المتقدمة في القدس، في حين أغارت الطائرات الأردنية في الساعة 11 صباحاً على مطارات إسرائيلية. لكنها لم تجد طائرات حربية إسرائيلية، إذ كانت في عمليات جوية ضد الطيران المصري‪.‬‬
تالياً، أغارت الطائرات الإسرائيلية مباشرة على الطائرات الأردنية وهي تستعد لغارة ثانية وتتزود بالوقود، فقامت بتدميرها. واستشهد الضابط الطيار الأردني فراس العجلوني، وهو يستعد للإقلاع بطائرته. وكذلك كان مصير الطائرات السورية والعراقية. هكذا، ومع ساعات الظهيرة، كانت إسرائيل قد قضت على سلاح الجو العربي كاملاً، وانفردت بقصف الجيوش العربية في الجبهتين المصرية والأردنية، حيث واجه الطرف العربي القوات الإسرائيلية من دون أي غطاء جوي يذكر!


(الحلقة الثانية)
التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


تلقى الحسين رسالة مهمة في بداية الحرب، بعد القضاء على القوات الجوية المصرية، من رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول، عبر وسطاء أوروبيين (وآخرين أميركيين)، يتعهد فيها أشكول بأن إسرائيل لن تهاجم الأردن إذا لم يبدأ جيشنا بالقتال. لكن الحسين رفض ذلك قائلاً: «أنا عربي ومن واجبي المشاركة في القتال».
لم يكن الحسين يعرف أن القوات الجوية المصرية قد تم تدميرها بالكامل، وذلك بناء على الرواية المصرية الزائفة. وقد اعترف لاحقاً أنه لو كان يعلم بالأمر لما دخل حرباً خاسرة حكماً.
أتاح تدمير القوات الجوية العربية خلال الساعات الأولى امتلاك إسرائيل الجو كاملاً؛ فكان الجيش المصري يتلقى الضربات في صحراء سيناء المكشوفة، مما دفع بالقيادة العسكرية إلى اتخاذ قرار الانسحاب في صباح اليوم التالي من سيناء. لكن بسبب حالة الفوضى وغياب التخطيط الاستراتيجي والارتجال في إدارة المعركة العسكرية، جاءت تكلفة الانسحاب باهظة جداً على الجيش المصري، كما يعترف هيكل؛ إذ كان عدد الشهداء من الجيش المصري في اليوم الأول 642 جندياً، لكن في مساء 8 يونيو (إلى حين التوقف الرسمي للقتال) بلغ العدد 6811 شهيداً، مما يعني أن الجيش لم يكن ينسحب، بل كان في حالة فوضى أدت إلى تلك الكارثة.

الأردنيون يقاتلون ببسالة

على الجبهة الأردنية، وخلال الساعات الأولى لليوم الأول، قاتل الجنود الأردنيون ببسالة، وسيطروا على مواقع إسرائيلية في القدس. لكن الأمور اختلفت بالكلية في مساء اليوم نفسه، عندما بدأت تتضح نتائج مغالطات وأخطاء وادعاءات القيادة العسكرية المصرية؛ إذ بدأت الضربات الجوية الإسرائيلية تغيّر ميزان القوة على الأرض بالكامل. وذاق الجنود الأردنيون الأمرّين من هذا الاختلال الكبير، فكانوا يهربون من قصف جوي إلى آخر، بلا أي سند جوي.
قبل 48 ساعة من الحرب صدرت الأوامر من القيادة للواء زيد بالتحرك نحو الخليل من منطقة خان الأحمر غرب أريحا حيث كان يوجد. وكان زيد يشرف بنفسه على الخطط وسير الأمور في أرض الميدان‪.‬‬
مع إخفاء حقيقة تدمير سلاح الجو المصري تماماً، قضت الأوامر بأن يلتقي لواء زيد مع الجيش المصري الذي كان يفترض أن يكون قادماً من جهة النقب باتجاه مدينة الخليل. من أجل ذلك، أمر زيد بفتح طريق صحراوية ترابية نحو الخليل، بعيداً عن الطريق التقليدية، لاختصار الوقت والمسافات لتحقيق تلك المهمة، كما يذكر مساعد قائد سلاح الهندسة حينها عبد الهادي المجالي، الذي كان ينسّق مع زيد.
ويروي لنا عيد الروضان، الذي كان بجوار زيد خلال فترة الحرب، تفاصيل مهمة عن تلك اللحظات التراجيدية الحزينة، فيقول: «في بداية الحرب كنت مع زيد في السيارة، وبقيت معه خلال مرحلة الحرب كاملة. وصلنا إلى منطقة الظاهرية بعد الخليل، حيث كان هناك مخفر للشرطة الأردنية. فصعدنا إلى أعلى المبنى لنستكشف الطريق التي من المفترض أن نسير عليها من أجل الوصول إلى نقطة الالتقاء مع الجيش المصري. لكن في الأثناء تسلم مأمور المخفر برقية جاء فيها أن مقرات اللواء قُصفت من قبل الطيران الإسرائيلي، فعدنا إلى هناك ووجدناها محترقة بالكامل. ووجدنا أنفسنا بعد ساعات قليلة من بدء الحرب أمام واقع مؤلم؛ فكل ما كانت تتحدث عنه إذاعة «صوت العرب» من القاهرة لم يكن صحيحاً؛ أي البطولات الوهمية وتدمير 75 في المائة من الطائرات الإسرائيلية! العكس هو الصحيح؛ إذ تم تدمير طائرات المصريين بالكامل، ولم يكن الجيش المصري يتقدم، بل ينسحب من سيناء تحت القصف الإسرائيلي، فتغيرت الأمور وتحولت مهمة اللواء 60 إلى وحدات احتياط للوحدات التي تدافع عن القدس بعد أن انتقل الضغط الإسرائيلي بالتدريج إلى الجبهة الأردنية.‬
خلال تلك الفترة ونتيجة القصف الجوي الإسرائيلي المكثف وغياب الغطاء الجوي لجيشنا، صدرت أوامر لقادة الجبهة الغربية بالانسحاب. كان المحور الوحيد لذلك هو أريحا - القدس، فذهبنا إلى هناك مع زيد. في اليوم الثاني للحرب، جاءت أوامر الانسحاب للجيش العربي من الضفة الغربية، من قبل قائد القوات العربية على هذه الجبهة، عبد المنعم رياض. وقد طلب منه الأردن أن يوقع رسمياً على هذا القرار، كي لا يقال في التاريخ إن الجيش العربي انسحب وترك سكان الضفة (نصف مواطني المملكة) وتخلى عنهم، فالكل كان يعلم تماماً أن الخيار الآخر البديل للانسحاب من الضفة الغربية، بعد انسحاب الجيش المصري في صباح اليوم نفسه، هو إبادة القوات الأردنية بالكامل بسبب الطيران الإسرائيلي والتفاوت الكبير بينهما في التسليح، بعد أن بدأت قطاعات الجيش الإسرائيلي تركز خلال تلك الفترة على الجبهة الأردنية تحديداً.‬‬
ويذكر زيد عبد المنعم رياض بالخير. ويرى أنه ظُلم بقرار تسلمه للقوات الأردنية في الجبهة؛ إذ لم تكن لديه معرفة بطبيعة المنطقة ولا بالقوات الأردنية وبالجبهة التي يقاتل فيها، فقد جاء قبل أيام معدودة من بدء القتال. رغم ذلك، كان قراره بالانسحاب من الناحية العسكرية والمنطقية حكيماً وصائباً، ووصفه زيد بالشهم والشجاع‪.‬‬
في تلك الأثناء، دعا عبد الناصر نفسه (يؤكد ذلك ما ورد في رواية هيكل عن الحرب) الحسين إلى طلب وقف إطلاق النار وعودة إسرائيل إلى حدود الهدنة، وإنقاذ الضفة من الاحتلال. لكن الإسرائيليين الذين جاءتهم هذه الفرصة على طبق من ذهب رفضوا. وفي النهاية، وافق الأردن على طلب وقف إطلاق النار مجرداً من أي شروط، بعدما أصبحت الخشية كبيرة من فقدان الجيش العربي بكامله، وبما كان سيؤدي إلى مشكلات سياسية وأمنية، وربما حالة فوضى في الضفة الشرقية أيضاً، وليس في الضفة الغربية فقط. يضيف عيد الروضان في روايته لتلك الأحداث: «خلال الأيام الثلاثة الأولى بدأت تسقط مدن وقرى الضفة الغربية الواحدة تلو الأخرى بيد جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها القدس».
بعد قرار الانسحاب بدأت تصل القوات العراقية إلى المنطقة المطلوبة لبدء العمليات العسكرية. لكن كان ذلك بعد فوات الأوان، فضلاً عن أن القوات العراقية وصلت منهكة تماماً؛ إذ تعرضت خلال مسيرها من القاعدة العسكرية ‪ إلى الكرامة، لقصف إسرائيلي جوي شديد. وعقد معهم أبو شاكر وقادة الجيش العربي اجتماعاً مشتركاً بعد وصولهم مباشرة‪.
في تلك الأيام جاءنا قائد الجبهة الشرقية اللواء مشهور حديثة بعد انهيار الجبهة الغربية، ونقل قيادته من الزرقاء إلى السلط. وكان الأمر الأساسي الذي يشكو منه أبو شاكر مع مشهور (وكنت أستمع إليه وأنا في معيته) هو تضارب الأوامر الصادرة لوحدات الجيش وغياب الوعي الحقيقي بالميدان من قبل القيادة العربية المشتركة برئاسة عبد المنعم رياض‪.‬‬ الشخصية القيادية لزيد ظهرت أيضاً عبر إمساكه بزمام المبادرة العسكرية في القوات المسلحة، والحفاظ على أدائها العسكري والاحترافي والفني خلال أيام الحرب. وقد برز ذلك بوضوح عندما تراجعنا من الضفة الغربية إلى الشرقية بعد أوامر الانسحاب؛ فقد قام بسرعة شديدة بتنظيم بقايا الجيش لإغلاق المحاور الثلاثة التي يمكن أن تعبر منها القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية: محور القدس، ومحور وادي شعيب، والمحور الشمالي، من خلال ما تبقى من جنود ومعدات، ضمن خطة سريعة. ثم جاءت معلومات لاحقة تؤكد قصف إسرائيل للجسور، مما خلق قناعة راسخة لديه بأنهم لا ينوون التقدم شرق النهر‪.
ويقول فاضل فهيد وكان قائد سرّية دبابات في اللواء الذي يقوده زيد: «أُصبنا بإحباط شديد. وكان أبو شاكر يصل إلى الوحدات يتجول ويمر على الدبابات لرفع معنويات الأفراد، ولم يشعرنا بانهيار مصر. الساعة 9 مساء من اليوم الثامن من يونيو، تم إبلاغنا من قبل قائد كتيبتنا أن القدس سقطت، وطلب إخفاء الأمر عن الأفراد حماية للمعنويات. وعندما تجمعنا شرق النهر، كانت هناك كتيبة مدفعية يقودها أحد الضباط، سأله الشريف: هل سحبت مدافعك؟ فقال له: بقيت هناك غرب النهر، فقال له الشريف: الآن تذهب لإحضارها. وفعلاً هذا ما حصل».



السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

طالبت المملكة العربية السعودية ومصر بمنح مزيد من الوقت للمسارات السياسية والدبلوماسية لتجنب تجدد المواجهات العسكرية وخفض التصعيد بالمنطقة، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الخميس، بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية فإن الاتصال «يأتي في مواصلة التنسيق القائم بين البلدين الشقيقين بشأن التطورات المتلاحقة بالمنطقة».

وصرح السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن الوزيرين «تناولا خلال الاتصال الجهود المشتركة المبذولة لاستعادة التهدئة ومنع التصعيد بالمنطقة بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومن بينهم الولايات المتحدة الأميركية ودولة قطر الشقيقة».

وأكد الوزيران على ضرورة «إعلاء الحكمة ولغة الحوار وإتاحة مزيد من الوقت للدبلوماسية والمسارات السياسية، وتشجيع مختلف الأطراف المعنية على التفاوض وإبداء المرونة اللازمة لتجنيب المنطقة تداعيات ومخاطر تجدد المواجهات العسكرية، التي لا تزال المنطقة تعاني من انعكاساتها السلبية»، بحسب بيان الخارجية المصرية.

اتفق الوزيران على استمرار التنسيق والتشاور وتكثيف التحركات والاتصالات خلال الفترة الراهنة مع مختلف الأطراف المعنية، لمحاولة التوصل إلى توافق حول تغليب مسار المفاوضات والتعهد بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية للحيلولة دون تدهور الأوضاع الأمنية أو زيادة التوترات في المنطقة.

ويوم الثلاثاء الماضي، أكدت السعودية وقطر ومصر، دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لحلول شاملة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، مشددة على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك.

جاء الموقف المشترك في محادثات هاتفية جمعت الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي بنظيرَيه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، والمصري الدكتور بدر عبد العاطي؛

وتناول البحث المستجدات الإقليمية، والجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد، واحتواء التوترات، والحد من اتساع النزاعات في المنطقة.

وفي اليوم نفسه وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».


إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام «الروبوتات» والوسائل غير المأهولة في عملياته البرية بجنوب لبنان، في موازاة شهادات للأهالي عن دخول مسيّرات صغيرة إلى منازلهم وانفجار بعضها في محيطهم.

وبينما ترى قراءات عسكرية أن هذه التقنيات تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على الاستطلاع والتقدم وتقليل الخسائر البشرية، تبرز مخاوف من تأثيرها على السكان ومن قدرة الأنظمة الذاتية على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

زامير: تسريع الدمج

وخلال جولة في منطقة الخيام، الأربعاء، اطّلع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على نموذج «فريق القتال الروبوتي» الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.

وقال زامير إن «الوسائل الروبوتية والتكنولوجية تعمل أمام القوات وإلى جانبها لتعزيز فاعليتها وحمايتها»، وأمر بتسريع دمج هذه القدرات في الوحدات المقاتلة.

طائرة مسيّرة إسرائيلية تحلّق في أجواء زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

تطور تكنولوجي

وفي تحليل لبناني لما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الحلو إن «توسّع الجيش الإسرائيلي في استخدام الأنظمة غير المأهولة والتقنيات الروبوتية في عملياته البرية بجنوب لبنان يعكس تطوراً في طبيعة الوسائل العسكرية المعتمدة، سواء على مستوى الاستطلاع والمراقبة أو تنفيذ العمليات الميدانية».

وأشار إلى أن «الإعلان الإسرائيلي عن هذه القدرات لا يقتصر على البعد العسكري والتقني، بل يحمل أيضاً رسائل نفسية ومعنوية موجّهة إلى (حزب الله) والدولة اللبنانية، فضلاً عن الداخل الإسرائيلي».

حرب روبوتية

وأوضح الحلو، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن حرب روبوتية يعني الانتقال إلى استخدام أنظمة وتقنيات تتمتع بقدرة على العمل واتخاذ القرارات بصورة ذاتية، سواء كانت مسيّرات جوية أو منصات وآليات أرضية تعمل بواسطة تقنيات الروبوتيك».

وأضاف أن «هذه الأنظمة تتلقى المعلومات والمعطيات من محيطها، وتحللها، ثم تتخذ القرارات المتعلقة بحركتها وطريقة تنفيذ مهامها بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر من المشغّلين البشريين في كل مرحلة من مراحل عملها»، لافتاً إلى أن «هذا التطور يرفع مستوى الفاعلية العملياتية، ويحدّ من تأثير عامل التعب والإرهاق البشري على الأداء العسكري».

وأشار إلى أن «أحد أبرز الفوارق بين الأنظمة الروبوتية والعنصر البشري يتمثل في القدرة على العمل لفترات طويلة ومتواصلة؛ إذ إن الإنسان يحتاج إلى الراحة والطعام وتلبية احتياجاته الجسدية، في حين تستطيع الأنظمة غير المأهولة مواصلة تنفيذ مهامها لفترات أطول، وفق قدراتها التقنية والتشغيلية».

وضرب مثالاً على ذلك بأن «طائرة غير مأهولة قد تتمكن من البقاء في الجو لمدة تصل إلى ثلاثين ساعة، في حين أن الطيار البشري لا يستطيع مواصلة التحليق طوال هذه المدة من دون راحة»، عادَّاً أن «هذا الفارق يمنح الأنظمة الروبوتية ميزة عملياتية مهمة، خصوصاً في المهام التي تتطلب مراقبة واستطلاعاً مستمرين».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

مسيَّرات داخل البيوت

ونُقل، الخميس، عن سكان في ميفدون بقضاء النبطية روايات عن مسيّرات صغيرة دخلت منازلهم. وتحدثت طفلة من عائلة ملي عن مسيّرة انفجرت بعدما اقتربت منها ومن شقيقها، في حين روى أحد أفراد العائلة دخول مسيّرة أخرى منزلَه وتحليقها بين الغرف والنوافذ.

وفي هذا السياق، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن «إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير دمج أنظمة غير مأهولة في العمليات البرية بجنوب لبنان يؤكد التفوق التكنولوجي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، ويعكس التحول المتسارع نحو استخدام الروبوتات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية؛ بهدف تقليل المخاطر على الجنود والحد من الخسائر البشرية»، محذراً في المقابل من أن «الاعتماد على الأنظمة القتالية المبرمجة مسبقاً يطرح مخاطر جدية على حياة المدنيين، ويثير إشكاليات مرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني».

وأوضح قزح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه التطورات تؤكد حجم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والأميركي، لكنها ليست مفاجئة؛ إذ سبق أن استُخدمت المسيّرات للدخول إلى المنازل، وهناك روايات عديدة عن تجهيز بعضها بميكروفونات تتيح التواصل مع الموجودين في الداخل».

مسيّرة إسرائيلية تحلّق فوق العاصمة اللبنانية بيروت صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن «إسرائيل تمتلك أنواعاً متعددة من الروبوتات والآليات العسكرية غير المأهولة، التي يمكن تشغيلها والتحكم بها عن بُعد، وبعضها مزود بمدافع صغيرة أو رشاشات، وتستطيع تنفيذ مهمات الاستطلاع والمراقبة والاشتباك والقتال، فضلاً عن التعامل مع الألغام والعبوات المفخخة»، موضحاً أن «الهدف الأساسي من استخدام هذه الوسائل هو الحد من تعريض العسكريين للخطر؛ إذ بات بإمكان الجيوش إرسال آليات غير مأهولة إلى مناطق خطرة، بدلاً من الدفع بالجنود مباشرة إلى داخلها».

مخاطر كبيرة

ورأى أنّ «ما يحصل اليوم ليس مستغرباً، بل يشكل امتداداً لتطورات تكنولوجية كان متوقعاً أن تدخل إلى الميدان العسكري». لكنه حذَّر من أن «هذا التطور ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً عندما تكون الروبوتات أو المسيّرات مبرمجة مسبقاً للتعامل مع أهداف محددة، بحيث تطلق النار تلقائياً بمجرد رصد هدف يتطابق مع المعايير الموضوعة لها، من دون العودة إلى قرار بشري مباشر».

وأوضح أن «المشكلة تكمن في احتمال إصابة أشخاص أبرياء أو مدنيين غير مشاركين في القتال، أو سقوط ضحايا آخرين موجودين بالقرب من الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن «هناك نقاشاً واسعاً بين المختصين في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بشأن استخدام هذه الأنظمة، ولا سيما عندما تكون مبرمجة مسبقاً لاتخاذ قرار إطلاق النار، بدلاً من أن تكون خاضعة لمشغّل في غرفة عمليات يستطيع مشاهدة الهدف وتقييمه قبل اتخاذ القرار».

وفيما يتعلق بإمكان توظيف هذه التقنيات في أي عملية تقدم بري إسرائيلية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، أكد قزح أن «الجيش الإسرائيلي يستطيع استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة عن بُعد في مراحل التقدم المختلفة، خصوصاً للتعامل مع الألغام والعبوات المفخخة وتفجيرها، وفتح مسارات آمنة نسبياً أمام القوات البرية، بما يسمح بتقليل المخاطر على الوحدات العسكرية المتقدمة».


فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
TT

فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

جدل تشكَّل سريعاً عقب فوز الديمقراطي الأميركي من أصل مصري، عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خصوصاً وسط اتهامات ينفيها بانتمائه إلى تنظيم «الإخوان» الذي حظرته السلطات المصرية منذ 2013، وأحاديثه الأخيرة التي تطالب بتقليل المساعدات الأميركية العسكرية للقاهرة.

فوز مثير للجدل

وفاز السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الأربعاء، ليصبح بذلك أول مسلم ينتخب في ذلك المجلس، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز (63 عاماً).

وسبق أن أثار السيد جدلاً في مصر خلال خطاب في مدينة ديترويت الأميركية بعد فوزه في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بميشيغان في أغسطس (آب) الماضي، عقب قوله: «لولا هجرة والدي لجامعة وين ستيت لكنت سائق تاكسي في مصر كأبناء عمومتي»، وهو ما أثار عاصفة انتقادات ضده.

وتجدد الجدل في مصر عقب فوز السيد، بعد أيام من حديثه عن ركيزة أساسية في علاقة واشنطن بالقاهرة، ألا وهي المساعدات العسكرية الأميركية، إذ دعا إلى خفض هذا التمويل، إلى جانب المساعدات المقدمة لإسرائيل، حسبما ذكرت شبكة «سي إن إن» الأميركية، الأربعاء.

يُذكر أن السيد وُلد عام 1984 في ولاية ميشيغان لعائلة مصرية مهاجرة من مدينة الإسكندرية الساحلية، ودرس الطب في جامعتَي ميشيغان وكولومبيا، وتخصص في علم الأوبئة. وفي عام 2015، عاد السيد إلى ميشيغان لتولي إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت.

عبد الرحمن السيد السيد خلال حفل أُقيم ليلة الانتخابات في «ذا ديبارتمنت آت هادسونز» بمدينة ديترويت بميشيغان خلال وقت مبكر من يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

تباينات

وتعليقاً على فوز السيد، كتب الصحافي المصري أحمد الطاهري، الرئيس السابق لقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للدولة: «عبدول في خطاب عام 2012 ضمن مجموعة من الجالية وعدد من أعضاء التجمعات المرتبطة بتنظيم الإخوان أعلن دعمه (للرئيس المصري الراحل المنتمي للإخوان محمد مرسي) في الإعلان الدستوري وحصار المحكمة الدستورية». وأضاف: «هذه مرجعيته بغض النظر عن الأداء الملحمي في الانتخابات الذي يُحسب له، ولا نتجنى عليه، لكن إخوانيته جزء من تكوينه وصناعته».

في المقابل، احتفى مدونون مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي بفوز السيد، معتبرين أن وصول شخصية من أصول مصرية إلى موقع سياسي أميركي يستحق الاهتمام، فيما ركز آخرون على حضور ملامح من الشخصية المصرية في طريقة حديثه ومواجهاته السياسية.

وعبَّر عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ، عبر «فيسبوك» عن أنه «سعيد جداً بفوز عبدول»، وعدّه «هزيمة لترمب ولكل ما يمثله، وهزيمة لإسرائيل»، مضيفاً: «من يقول لي أصل عبدول إخوان، ووقَّع على مذكرة لمرسي، سأقول: إعلاميون وصحافيون كبار من المتصدرين للشاشات والمشهد العام حالياً غازلوا الإخوان ي أثناء حكمهم، ثم أصبحوا اليوم يهاجمونهم ويهاجمون كل من يعارض النظام الحالي أو يختلف معه».

وعلى شاكلة هذه التباينات جاءت آراء نائب مصري وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إذ يرى أحمد علاء فايد، عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب المصري، أن فوز السيد «شأن أميركي بحت».

وشبَّه فايد الاهتمام الجماهيري العابر بالدعم التشجيعي للأندية الرياضية العالمية الذي لا يغير من الواقع المعيشي للمشجع شيئاً، مشدداً على ضرورة قراءة المشهد السياسي الخارجي بموضوعية بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو ردود الفعل.

وأوضح فايد أن أي مواطن يتم انتخابه في الكونغرس، بغض النظر عن خلفيته أو أصوله، يعبِّر في المقام الأول والأخير عن اهتمامات ورغبات وأولويات الناخب الأميركي الذي قام بانتخابه لضمان استمراريته السياسية.

ويرى الخبير السياسي المصري عمرو الشوبكي أن حسابات مثل هذه الشخصيات وتوجهاتها تلتزم في المقام الأول بالبيئة السياسية والاجتماعية لدولها، وليست بالضرورة انعكاساً للواقع المحلي المصري.

وعن جدل الانتماء السياسي للسيد، أضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً كبيراً من هذه النقاشات يُعد محط تجاذبات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية، مبيناً أهمية تفكيك هذه القضايا بعيداً عن المزايدات، والنظر بموضوعية إلى طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشخصيات ضمن سياقها الحزبي.

وعن تقديره للموقف المحتمل من عبد السيد تجاه مصر، نبّه الشوبكي إلى أن الأجندة السياسية للديمقراطيين لا سيما في ملفات بينها حقوق الإنسان ستكون بوصلته.

موقفه من القاهرة

بدوره، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عاطف سعداواي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التقييم يجب أن يخضع لمعايير النظام السياسي الأميركي الذي يعمل السيد في إطاره، بعيداً عن الانتماءات، مشيراً إلى أن حديثه خلال حملته الانتخابية عن مصر ومستقبله فيها حال لم يهاجر، «لا يشي بأي تفاؤل أو دعم للقاهرة، وسيكون مرتبطاً بسياسات الحزب الديمقراطي المعروفة بتشددها ضد مصر».

وأشار إلى أن التاريخ يثبت عدم صواب الرهانات على جذور المسؤولين الأميركيين، مستشهداً بحالة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي حظي باحتفاء عربي غير مسبوق عند وصوله للسلطة، بينما جاءت سياساته العملية خلال فترتي حكمه متناقضة مع تلك التوقعات ومسَّت القاهرة مراراً عبر ضغوط.

ويعتقد منير أديب، الباحث المصري المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، أن فوز السيد «يمثل تطوراً يستحق المتابعة المصرية، ليس بسبب أصوله المصرية أو خلفيته الدينية، وإنما بالنظر إلى مواقفه السياسية السابقة، ورؤيته لقضايا الشرق الأوسط، وطبيعة علاقاته بالتيارات السياسية والدينية والمنظمات ذات الحضور في الولايات المتحدة».

وأضاف أديب أن تقييم تأثير أي عضو في الكونغرس على العلاقات المصرية - الأميركية يجب ألا ينطلق من جنسيته الأصلية أو ديانته، وإنما من مواقفه المعلنة، وسجله التشريعي، وتحركاته داخل المؤسسات الأميركية، وقدرته على التأثير في دوائر صنع القرار، فعضوية مجلس الشيوخ تمنح صاحبها أدوات مهمة، تشمل المشاركة في مناقشة المساعدات الخارجية، والرقابة على السياسة الخارجية، والتصويت على التعيينات والاتفاقيات ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي.

وأكد أن «عبدول سبق أن واجه اتهامات سياسية بوجود صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، استند بعضها إلى مواقف وتصريحات سابقة، من بينها توقيعه على رسالة عام 2012 مؤيدة لقرارات الرئيس الأسبق محمد مرسي»، مشدداً على أنه «رغم نفيه مراراً وجود أي صلة له بالجماعة، فإنه يتبنى رؤية الإخوان وتصوراتهم بواقع انتمائه إلى جناح في الحزب الديمقراطي يتقاطع مع قراءات الإخوان لبعض أبرز ملفات المنطقة».