(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - قوات سعودية واجهت الإسرائيليين جنوب البحر الميت وقدّمت شهداء

الملك حسين والأمير زيد بن شاكر (إلى اليمين) وسط مجموعة من العسكريين
الملك حسين والأمير زيد بن شاكر (إلى اليمين) وسط مجموعة من العسكريين
TT

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة

الملك حسين والأمير زيد بن شاكر (إلى اليمين) وسط مجموعة من العسكريين
الملك حسين والأمير زيد بن شاكر (إلى اليمين) وسط مجموعة من العسكريين

بعد عقود هيمنت فيها رواية محددة عن مجريات معركة الكرامة ضد الإسرائيليين عام 1968، يكشف الأمير زيد بن شاكر، في مذكراته التي ترويها أرملته السيدة نوزاد الساطي والتي تصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان، أن التحام المدرعات الأردنية بالمدرعات الإسرائيلية في المعركة حال دون مشاركة سلاح الطيران الإسرائيلي في القصف، وساعد في تحقيق الانتصار بعد سنة واحدة من نكسة حرب عام 1967. وتكشف المذكرات التي تصدر تحت عنوان «زيد بن شاكر... من السلاح إلى الانفتاح»، عن أن قوات سعودية (جزء من قوات عربية كانت في الأردن آنذاك) واجهت الإسرائيليين جنوب البحر الميت وقدّمت شهداء؛ الأمر الذي أتاح للأردنيين خوض المواجهة ضد القوات الاسرائيلية في قرية «الكرامة» التي كانت فصائل فدائية فلسطينية تتحصن فيها.
وفيما يأتي نص الحلقة الثانية من مذكرات زيد بن شاكر الذي كان واحداً من أشد المقربين من العاهل الأردني الراحل الملك حسين:

كان على زيد ورفاق السلاح، عقب هزيمة 1967، مهمة متعددة الأبعاد، تتصل بدرجة أولى بإعادة بناء الروح المعنوية وصناعة الإرادة والإيمان بالذات، بعد الشعور بمرارة الهزيمة، والفجوة الكبيرة مع العدو في أرض المعركة. في حين تولى الحسين بدرجة كبيرة مهمة البحث، مرة أخرى، عن إعادة تسليح القوات المسلحة، في ظل تنامي الفجوة بين الأردن والولايات المتحدة، بسبب موقف الحسين في الحرب. أما الجانب الثالث، فتمثل بعملية إعادة توزيع القوات المسلحة للقيام بواجباتها بحماية الحدود والأمن الداخلي. وهي مهمات ثقيلة على الجميع.
‪‪في تلك المرحلة، وغداة الهزيمة مباشرة، برز مفهوم «حرب الاستنزاف» عربياً. وقد ألقى الحسين خطاباً مهماً في تلك الأيام، قال فيه إن أي عربي، وفلسطيني بشكل خاص، يريد أن يقاوم الاحتلال، فأبواب الأردن مفتوحة له ليكون قاعدة للعمل ضد الاحتلال. يقول زيد عن تلك المرحلة: «فتحنا أبواب البلد، فجاءتنا أعداد كبيرة. الفكرة كانت، في نظرنا، أن تبدأ عملية مقاومة للاحتلال داخل الأرض المحتلة. وكنا نأمل أن يستخدموا (الفصائل وقادتها) الأردن مكاناً لعبور المقاومين من حركة المقاومة الفلسطينية، إلى داخل الأرض المحتلة، لإقلاق الإسرائيليين وهزهم، على أساس أنه ليس بعد احتلال الأرض ينتهي كل شيء». وجاءت فعلاً أعداد كبيرة من الناس، كانوا في معظمهم فعلاً أناساً وطنيين يريدون محاربة الإسرائيليين وتحرير بلدهم. وكانت هناك أحزاب سياسية ممنوعة في الأردن، عندما فتحت الأبواب دخل قسم من هؤلاء الناس (من أعضاء تلك الأحزاب) واستغلوا القرار الذي اتخذه الأردن بالسماح لكل فلسطيني بشكل خاص بأن يتقدم ويشارك في مقاومة الاحتلال. تمكّن الفدائيون في البداية، بالتنسيق مع الجيش العربي، من إزعاج إسرائيل، كما يروي زيد: «فصارت قرية الكرامة قاعدة رئيسية من القواعد المنتشرة في كل المملكة لإخواننا الفلسطينيين الذين يريدون مقاومة الاحتلال. فكان لهم نشاط، وكنا في القوات المسلحة ندعمهم بمدفعية أو رشاشات إلى أن يعبروا النهر، وذلك على الرغم من دفع الأردن ثمن هذا الدعم والمساندة نتيجة الغارات الإسرائيلية المتواصلة على عمّان
ويضيف عن علاقة الجيش بالفدائيين، في المراحل الأولى بعد الهزيمة: «عندما كان الفدائيون ينهون مهمتهم ويعودون، كنا أيضاً نساعدهم عبر تغطيتهم بالنار حتى يستطيعوا العبور. فاتخذ الإسرائيليون قراراً بأن يقوموا بعملية كبيرة لتدمير هذه القاعدة الكبيرة».
بين يونيو (حزيران) 1967 ومارس (آذار) 1968، وقعت اشتباكات كثيرة، كان أعنفها في 15 فبراير (شباط) 1968؛ حين زادت وتيرة المواجهات بين الفدائيين والجيش العربي من جهة، والإسرائيليين من جهة أخرى. فقصفت إسرائيل قرابة 15 قرية في إربد والغور الشمالي، واستشهد جنود أردنيون - منهم الرائد منصور كريشان، قائد كتيبة الحسين الثانية الآلية - وهم يمنعون الجيش الإسرائيلي من التقدم، في مواجهة دامت ساعات عدة.
في مساء يوم الثلاثاء 19 مارس 1968، قدّم مدير الاستخبارات العسكرية غازي عربيات، تقريراً مهماً لقيادات الجيش، يقول فيه إن الهجوم الإسرائيلي سيكون صباح يوم الخميس 12 مارس، أي خلال 48 ساعة فقط. ومن ثم، أصبحت متواصلة الجهود المبذولة للاستعداد لهذه المعركة الحاسمة؛ لأن المدة قصيرة.
أدى زيد دوراً كبيراً خلال تلك الفترة في تجهيز الجيش للمعركة، وكان يجول على الجنود عشية «الكرامة»، ويقول: «نحن الآن أمام أنفسنا وأمام إرادتنا وإيماننا بالله عز وجل، فلن ننتظر طيراناً من سوريا ومصر، ولا مساعدة من أحد. وأعتقد أن الوقت حان لنبرهن نحن الجنود كيف ندافع عن وطننا».
يوم الأربعاء، زار زيد (بصفته قائد اللواء 60 المدرع) مع قائد الفرقة الوحيدة في الجيش العربي اللواء مشهور حديثة، خطوط التماس مع الإسرائيليين، فتأكد أن المعركة باتت وشيكة.
ويتذكر زيد لاحقاً لحظات الترقب في اليوم الذي سبق المعركة بالقول: «قمنا بجولة في الوادي (يقصد وادي الأردن) كلّه، ومررنا على الكرامة، حيث شاهدنا بعض إخواننا الفدائيين الفلسطينيين يحفرون الخنادق. وفي الوقت نفسه نظرنا إلى الغرب فوجدنا حركة للقوات الإسرائيلية غرب النهر؛ إذ كانوا يحشدون دبابات ومدافع وآليات كبيرة، وكان واضحاً لنا من هذه الرؤية والمشاهدات أن الإسرائيليين قد عزموا على إجراء عملية عسكرية ضد الأردن. وكانوا لا يحاولون أن يتخذوا أي تمويه لخداع عدوهم (نحن)، ولا أي نوع من التستر؛ لم ينتظروا غياب الشمس والتحرك في الظلام».
بماذا نفسّر تلك الاستعدادات العلنية للجيش الإسرائيلي وعدم إخفاء خططهم وتحركاتهم؟ يجيب زيد: «كان واضحاً أنهم يتعاملون بشيء من العنجهية، نتيجة الانتصار الساحق قبلها بأشهر في عام 1967، كنا نحن الضباط الذين نشاهدهم بالمناظير نقول إنهم إما مجانين أو إنهم لا يعرفون مقدرة الجيش الأردني».
يضيف زيد في ملاحظاته واستنتاجاته من زيارته مع اللواء مشهور حديثة لوادي الأردن: «نظرنا وقدّرنا أن الهجوم الإسرائيلي وشيك، وهي مسألة ساعات فقط تفصلنا عنه. فقابلت قيادات الكتائب التابعة لي، وأعددنا التنسيق الأخير، وعدت إلى قيادة اللواء».
بالفعل، كما أكد تقرير الاستخبارات واستنتاجات زيد واللواء مشهور حديثة من زيارتهما يوم الأربعاء لخطوط التماس، بدأ الجيش الإسرائيلي الهجوم في تمام الساعة الخامسة فجراً من يوم الخميس.
يومها، رن جرس الهاتف في منزلنا، وكان على الطرف الآخر عامر خماش، رئيس هيئة الأركان، يخبر زيداً ببدء المعركة.
غادر زيد بسيارته، برفقة عيد الروضان، إلى مقر القيادة في النبي يوشع، على جبال السلط، حيث كانت قيادة القوات الأردنية. ويتحدث الروضان عن ذلك: «رأينا على الطريق سيارات (لوري) تحمل الذخيرة وتتعرض لقصف جوي إسرائيلي، قادمة من الزرقاء. فطلب مني أبو شاكر أن أنزل من السيارة إلى السيارة الأخرى التي كانت ترافقنا، وأوجههم إلى الطريق الصحيحة للوصول إلى القوات المسلحة، في حين توجه هو إلى مقر القيادة حيث كان هو واللواء مشهور حديثة يديران المعركة».


 (الحلقة الأولى)
زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967


كانت القوات الأردنية عبارة عن فرقة مشاة تسيطر على المعابر المؤدية إلى عمّان ومدينة السلط، مؤلفة من ثلاثة ألوية موزعة على هذه الخوانق المؤدية إلى الجبل، تسليحها هو تسليح مشاة عادي مع إسناد مدفعي وهندسي. وكان هناك أيضاً اللواء 60 المدرّع الذي يقوده زيد، وبعض التواجد للقوات الخاصة بأسلحة قنص الدروع. أما الفدائيون، فكانوا متواجدين في منطقة الكرامة نفسها، وقد نسّق معهم زيد وقادة الجيش العربي في الليلة السابقة؛ لأنه كان من الواضح أن العملية بالنسبة لنا دفاعية.
يتحدث زيد عن المسار العام للمعركة بالقول: «كانت كل القوة الإسرائيلية التي أتت عبارة عن فرقة من مدرعات وآليات مشاة، حاولوا العبور من ثلاثة محاور: طريق القدس - عمان الرئيسية، طريق القدس - عمان عن طريق الشونة الجنوبية، وطريق نابلس - عمان عن طريق داميا، وهي قرية صغيرة. ‪في المحور الأول فشلوا؛ إذ كانت هناك دبابات قاومتهم ولم يستطيعوا العبور. لكنهم نجحوا في العبور من منطقة جسر الملك حسين الذي يؤدي من أريحا إلى الشونة الجنوبية، ومعظم قواتهم عبرت من هناك. كما أن هناك قوة عبرت نهر الأردن على جسر الأمير محمد في قرية داميا، وهي طريق نابلس - عمان. في المقابل، كانت قواتنا المدرعة والمدفعية موزعة، ولدينا توقعات دقيقة حول خطتهم؛ فلم يكن هناك عنصر مفاجأة. أيضاً، قاموا بهجوم تمويه في منطقة غور الصافي جنوب البحر الميت، وكانت تتواجد هناك قوات من الجيش السعودي واجهت العدو في تلك المنطقة، وسمحت لنا بمواجهة العدو في المنطقة الرئيسية الكرامة. وقد قدم السعوديون شهداء في هذه المعركة».
الهجوم كان بداية بالدبابات بإسناد مدفعي. ثم دخلت قوات المشاة الآلية بآليات مدرعة. واستمرت المعركة من الخامسة والنصف فجراً عندما عبروا، حتى الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة ظهراً، حين طلبوا - من خلال الأمم المتحدة - وقف إطلاق النار للسماح لهم بالانسحاب. وقد رفض الملك ذلك، إلا أن ينسحبوا من أرض المعركة ويعودوا خلف النهر. فاستمرت المعركة وبدأوا الانسحاب نحو الساعة الثانية عشرة والنصف. وتابعناهم إلى أن عبروا النهر. في الثامنة مساءً، انتهى الاشتباك. وكان علينا التأكد من أنه لم يبق أحد في أرض المعركة أو كمائن. واستمر عملنا هذا حتى الساعة الحادية عشرة مساء (وهو ما يسمى «تطهير الأرض»)، ولم نجد أحداً. لكنها كانت عملية دقيقة وضرورية للتأكد من أنه لم يبق أحد من أفراد العدو أو مجموعة داخل الأراضي الأردنية.
يروي الروضان، وكان رفيقاً لزيد في هذه المعركة أيضاً، مشهد المعالم الأولى للنصر: «بعد ساعات من بدء القتال، بدأت معالم الانتصار واضحة. ولم يكن أبو شاكر يطيق الانتظار أكثر في مقر القيادة، فتوجهنا بالسيارة إلى وادي شعيب، حيث كان يقود القوات الزعيم كاسب صفوق قائد قوات محور وادي شعيب في الكرامة».
على الرغم من الدور المحدود الذي قامت به المنظمات الفلسطينية في معركة الكرامة، فإن زيد لم يكن متحاملاً عليهم في تقييم ذلك (حتى بعد 23 عاماً، أي خلال مقابلته مع عماد الدين أديب)؛ إذ يقول: «كي أكون منصفاً، لم يكن لهم - أي الفدائيين - مجال للحركة، إلا أنهم عبارة عن أفراد مشاة بأسلحة خفيفة ولم يكونوا متخندقين... فكان من الصعب على الفدائيين أن يقاوموا هذه القوة إلا بأسلحة الدروع مثل (آر بي جيه) التي لا بد أنهم كانوا يمتلكون شيئاً منها».
أما نتائج المعركة فكانت، كما يلخصها زيد: «خسائرهم (أي الإسرائيليين) كانت كبيرة. تركوا لأول مرة في تاريخهم آليات وجثثا لجنودهم في أرض المعركة (دبابات وآليات ثقيلة وسيارات جيب).
أما عن خسائر الجانب الأردني فهي 85 شهيداً من القوات المسلحة الأردنية. كان قتالاً شرساً جداً، والمعركة استمرت 15 ساعة».
ما هو أهم من الخسائر المادية والبشرية في الجيش الإسرائيلي، كانت النتائج المعنوية للنصر. فكما يقول زيد: أسطورة الجيش الذي لا يقهر تحطمت في الكرامة وفي رأس العش، وكذلك استعادت قواتنا المسلحة ثقتها بنفسها وأصبحت معنوياتها عالية بعد المعركة، ونزعت عن نفسها ثوب الهزيمة المذلة في عام 1967، وأصبحت لدينا قناعة بعد «الكرامة»، بل هي أشبه باليقين، بأن علينا الاعتماد على أنفسنا بدرجة رئيسية؛ فالحروب لا تقاس بالكلام والخطابات العاطفية، بل بالخطط والاستعداد والعزيمة الصادقة.
ومن القصص المؤثرة التي تعكس حجم الفرق بين معنويات جنودنا في حرب 1967 ومعركة الكرامة، تلك التي يرويها فاضل فهيد، وكان قائداً لسرية مدرعات في الكرامة، عن بعض الأفراد والضباط «ممن شعروا بأنهم في موقع الشبهات في حرب 1967، فوجدوا في معركة الكرامة فرصة لرد الاعتبار، وأنه قد جاء اليوم ليغسلوا العار. وكان نقل إلى سريتي 24 فرداً بعد تلك الحرب، بأمر من زيد. فدخلوا معي المعركة واستشهد منم 18 فرداً». ويضيف: «مما أثر فيّ كثيراً أن زيد كان قد اصطحبني في يوم الجمعة الذي سبق معركة الكرامة (15 مارس) لزيارة جنوده في الغور؛ إذ كان يحب قيادة السيارة كنوع من الاسترخاء والراحة بعد العمل المجهد. وهناك تناولنا معهم (شاي عسكر)، كما يسميه الجنود، ويمتاز بكثرة السكّر. كما تعرفت على راتب محمد السعد البطاينة ومرشح ضابط عارف محمود الشخشير من نابلس، واللذين استشهدا في المعركة. وتعرفي بهؤلاء الشباب جعل تأثري باستشهاد عدد منهم كبيراً. وفقدانهم هو ما عكر فرحة النصر أيضاً».
عاد زيد ومعه اللواء مشهور حديثة من أرض المعركة إلى منزلنا في الساعة الواحدة والنصف فجر الجمعة 22 مارس. وطلب مني تجهيز العشاء، فأخبرته بأن ليس هناك أي وجبة جاهزة، فقال لي: «إقلي لنا بيضاً». فصنعت لهما «مفرّكة بطاطا مع بيض»، وجلست معهما بينما كانا يتحدثان عن المعركة، ويستعيدان تفاصيل ما حدث فيها بروح منتشية، ويحللان أسباب انتصارنا. وكنت لا أتوقف عن مقاطعتهما بأسئلة من لا يصدق نفسه لفرح ما يسمع؛ هل فعلاً انتصرنا على إسرائيل؟ هل فعلاً طلبوا وقف إطلاق النار؟ وهما يؤكدان ذلك لي معيدين تفاصيل ما حدث. في تلك اللحظة بدأت أبكي من شدة الفرح. لم أصدق نفسي وأنا أسمع خبر الانتصار؛ من كان يصدق ذلك؟‪!‬‬‬
أخيراً صار هناك جيش عربي يستطيع أن ينتصر على الإسرائيليين. وقفزت على الفور أمامي صور الهزيمة المذلة في 1967، وتعامل الإعلام الغربي معنا، نحن العرب، بعدها. وخرجت أمامي المرارة التي كنا نذوقها دوماً في الأردن، عبر الاتهامات الإعلامية والسياسية بالعمالة، ثم بعد ذلك يصمد الجيش الأردني وهو لم يتعافَ بعد من آثار هزيمة 1967.
وعلى الرغم من فرحة النصر، فإن زيد ومشهور كانا حزينين - في الوقت نفسه - على سقوط شهداء وجرحى من الجيش العربي. وكانت أول مرة أرى فيها دمعة زيد بعد «الكرامة»، وهو يتذكر الشهداء من رفاق السلاح! ففي اليوم التالي للمعركة لعودته، وكان يوم سبت، نظر إليّ بينما كان يرتدي زيه العسكري وقال: اليوم تنتظرني مهمة أصعب من مهمة أمس، وهي كيف سأخبر، شخصياً، أهل الشهداء بخبر استشهادهم! ثم ذرفت الدموع من عينيه‪.‬‬‬
أحد أهم أسباب الانتصار العسكري في «الكرامة»، برأي زيد، هو عجز سلاح الجو الإسرائيلي عن دخول المعركة. لكن على عكس التفكير الشائع حينها بأن الجو الغائم هو ما منع الطائرات الإسرائيلية من المشاركة بكفاءة، فإن لزيد رأياً آخر؛ إذ يقول إن الغيوم لم تمنع استخدام سلاح الجو، بل السبب الجوهري برأيه هو الالتحام السريع بين الدروع الأردنية والإسرائيلية، ما كان يعني إصابة الدروع الإسرائيلية بنيران إسرائيلية في حال استخدام سلاح الجو. وقد ظن الإسرائيليون أنهم باستخدام الدروع سيصلون إلى قاعدة للفدائيين في مزرعة الملك عبد الله المؤسس في الشونة؛ إذ تبين - خلال فترة المعركة - أنها هي هدفهم الرئيس. ولم يتوقع الإسرائيليون أن تنجح المدرعات الأردنية في صدهم بعد الدمار الذي لحق بالعتاد الأردني في حرب 1967.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended