مياه الصرف الصحي في إب تنذر بكارثة بيئية

اتهامات للحوثيين بالتواطؤ مع مزارعي الريّ الملوث

مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
TT

مياه الصرف الصحي في إب تنذر بكارثة بيئية

مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)

كشفت سلسلة من الشكاوى والإجراءات والتحذيرات الصحية عن أزمة بيئية متفاقمة في محافظة إب تتورط الجماعة الحوثية فيها، وباعتراف أحد القيادات فيها، حيث يؤدي طفح مياه الصرف الصحي واستخدامها في الري إلى تهديد البيئة والصحة العامة، ويمتدّ التلوث إلى محافظتي الضالع ولحج، مع تصاعد المخاوف من تفاقم الأمراض والأوبئة.

وبينما أصدرت محكمة حوثية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حكماً بإدانة أحد المزارعين، يواجه السكان هناك أزمة بيئية وصحية متفاقمة منذ سنوات، تتمثل بطفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية واستخدامها في ري بعض المحاصيل الزراعية، قبل أن تشق هذه المياه طريقها عبر وادي تُبَن إلى مناطق في محافظتي الضالع ولحج.

وتزايدت شكاوى سكان مركز المحافظة، خصوصاً حي الصلبة الذي يقع بالقرب من جامعة إب، من طفح مياه المجاري، حيث باتت المياه الملوثة والمستنقعات تحاصر المنازل وتمر أمام المدارس والتجمعات السكنية، ناشرة روائح خانقة ومخاوف من تكاثر الحشرات وانتشار الأوبئة، وبالذات مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.

وفي مديرية السياني ومدينة القاعدة (جنوب المحافظة) يتهم السكان قيادياً حوثياً يُدعى مفيد إسحاق بجباية ما يقارب 17 ألف دولار، (9 ملايين ريال يمني وفق سعر الصرف الذي تفرضه الجماعة في مناطق سيطرتها)، مقابل مشاريع للصرف الصحي وإصلاحات الشبكات، في حين تتسع رقعة تلوث شوارع المدينة بالمياه الملوثة.

مياه الصرف الصحي ومخلفات القمامة تملأ شوارع ومسارات السيول وسط مدينة إب (فيسبوك)

وفي سياق متصل، أصدرت محكمة غرب إب حكماً بإدانة أحد المتهمين بري محاصيل زراعية بمياه الصرف الصحي، مكتفية بفرض غرامة قدرها 300 ألف ريال يمني (ما يعادل نحو 560 دولاراً)، وهو ما عدّه السكان عقوبة محدودة، مقابل احتفال مؤيدي الجماعة به، وعدّه خطوة مهمة لحماية المستهلكين.

ووصف عدد من أهالي المحافظة الحكم بالمتهاون وغير المجدي؛ لكونه لا يوقّع عقوبة رادعة بحق المتورطين بتلويث الغذاء، وجاء بعد أشهر طويلة من الإجراءات البطيئة في ظل تزايد الشكاوى والبلاغات، واتهموا الجماعة بالمشاركة بتلويث الطعام بالتساهل والتواطؤ.

ويرى الأهالي الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الغرامة المذكورة لا تعدّ عقوبة في حد ذاتها إزاء حجم التهم التي كان يفترض أن تواجه عشرات، وربما مئات، المزارعين الذين يغرقون، منذ سنوات، الأسواق بالمحاصيل التي تنتجها مزارعهم المروية بمياه الصرف الصحي، دون أن تُتخذ ضدهم أي إجراءات، ولم يتم إخضاعهم للرقابة أو المساءلة.

تواطؤ وتربح

يتساءل الأهالي في إب عن سبب تجاهل سلطات الجماعة لكل النداءات والبلاغات المقدمة لها حول المَزارع التي تغرق بمياه الصرف الصحي أمام الأنظار، في حين يجري نقل صور ومشاهد وشهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

مضخة مياه تُستخدم للسحب من شبكة الصرف الصحي وري المزروعات في إب (إكس)

وتكتفي الجماعة، طبقاً لمصادر مطلعة، بإصدار تعميمات بعدم السماح لمنتجات المزارع الملوثة بمياه الصرف الصحي من دخول الأسواق، دون أن يتم الالتزام بها.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة الحوثية تفرض جبايات مضاعفة على مُلاك تلك المزارع الذين يدفعونها من دون اعتراض مقابل السماح لهم بتسويق منتجاتهم وعدم احتجازها.

وتضيف أن الدوريات الأمنية التابعة للجماعة، ومنذ سنوات، تزور تلك المزارع باستمرار حسب البلاغات التي ترد إليها، إلا أنها لم تتخذ إجراءات بحق ملاك المزارع سوى في حالات نادرة، مرجحة أن يكون ذلك بسبب رفض أولئك الملاك دفع الإتاوات التي فُرضت عليهم.

ويرى كثير من السكان أن العقوبة محدودة ولا تشكل رادعاً كافياً في مواجهة ممارسات يقولون إنها استمرت لسنوات وأسهمت في وصول منتجات مروية بمياه ملوثة إلى الأسواق.

وكان القيادي الحوثي عبد الحميد الشاهري، المعيَّن من قِبل الحوثيين وكيلاً لمحافظة إب، اعترف، قبل نحو 5 أشهر بأن سلطات الجماعة سبق أن أفرجت عن متورطين في استخدام مياه الصرف الصحي في الري، بعد اعتقالهم لأيام، ليعودوا إلى ممارسة النشاط ذاته.

كما وصف الشاهري الصمت تجاه هذه القضية بـ«المخزي والمهين»، متعهداً بالشروع في حلها.

اختراق المحافظات المجاورة

يمتد أثر هذه الكارثة إلى خارج المحافظة عبر وادي تُبَن، الذي ينقل مياه الصرف الصحي من إب إلى مناطق في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع (جنوب) ومديرية المسيمير بمحافظة لحج (جنوب غرب) اللتين تقعان تحت إدارة الحكومة الشرعية.

تسرب مياه الصرف الصحي وسط أحد شوارع مدينة إب (فيسبوك)

ومنذ أيام حذَّر مسؤول صحي في مديرية الأزارق من أن تدفق هذه المياه بات يشكل تهديداً خطيراً بسبب تلوث المياه الجوفية واتساع نطاق انتشار أمراض مثل الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا والتيفوئيد وأمراض الكبد.

وقال محمد صالح المقرعي، مدير مكتب الصحة في المديرية، إنه تم تسجيل أكثر من 900 إصابة بالملاريا وحالة وفاة واحدة منذ مطلع العام، في مؤشر يعكس، حسب تقديره، تصاعد المخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث البيئي.

ونبَّه إلى أن تدفق مياه الصرف الصحي عبر مجرى الوادي، لم يعد ظاهرة موسمية كما في السابق، بل أصبح يتكرر بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة مع كل موجة سيول قادمة من محافظة إب؛ ما يوسّع من الضرر وارتفاع معدلات انتشار أمراض الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا والحميات وتلوث مياه الشرب وتزايد حالات الإصابة بأمراض الكبد.

طفل يعبر بدراجته وسط شارع يغرق بمياه الصرف الصحي في مديرية السياني (إكس)

ومنذ سنوات يناشد أهالي الوادي الجهات المعنية للتدخل العاجل لوقف ما وصفوه بالخطر المحدق بصحة السكان والزراعة، مشيرين إلى أن الوادي الذي يمثل شريان حياة لعدد من المحافظات بات مهدداً بتلوث يطال المياه والأراضي الزراعية، وتحدثوا عن زيادة لافتة في حالات السرطان، مرجحين أن يكون هذا التلوث سبباً فيها.

من جهتهم، وجَّه أهالي مديريتي الأزارق والمسيمير الاتهامات للجماعة الحوثية بفتح قنوات تصريف مياه الصرف الصحي باتجاه مناطقهم بشكل متعمد، كعقاب جماعي لهم بسبب الوقوف في صف الحكومة الشرعية.


مقالات ذات صلة

اليمن يشهر أوراقه لمواجهة الابتزاز الحوثي

العالم العربي جنود يمنيون خلال تجمع لهم في مدينة الخوخة الساحلية جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

اليمن يشهر أوراقه لمواجهة الابتزاز الحوثي

حشدت الشرعية اليمنية أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية للرد على تهديدات الحوثيين للملاحة، مؤكدة أن استعادة الدولة واستئناف تصدير النفط هما الرد العملي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: لن نسمح باستمرار نهج الحوثيين في الابتزاز والتهديد

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن الدولة لن تقبل مجدداً بفرض الحوثيين قرار الحرب والسلم مجدداً التمسك بسلام يعيد مؤسسات الدولة وينهي الانقلاب

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حوثيون في صنعاء يجلسون حول العلم الإيراني (رويترز)

معهد دولي: الحوثيون يرسخون اندماجهم ضمن الأجندة الإيرانية

خلصت دراسة لمعهد إيطالي إلى أن الحوثيين دخلوا مرحلة اندماج سياسي وعسكري أعمق مع إيران؛ ما يجعل قراراتهم أشد ارتباطاً بأجندة طهران ويهدد الهدنة وأمن البحر الأحمر

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي لوحة إعلان حوثية تظهر أسلحة صاروخية (إ.ب.أ)

الحوثيون يوسّعون الجبايات لتمويل ترسانتهم العسكرية

تفرض الجماعة الحوثية حملات تبرعات جديدة على سكان صنعاء والتجار لتمويل أنشطتها العسكرية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بمناطق سيطرتها

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي الحوثيون رفضوا جميع مبادرات الحكومة اليمنية لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة (إ.ب.أ - أرشيفية)

كيف كشف موقف الدولة اليمنية تضليل الحوثيين بشأن الحصار؟

قبل أسبوع من اليوم، استهدفت القوات المسلحة اليمنية مَدرَج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة لشركة «ماهان» الإيرانية قادمة من طهران لإصرارها على انتهاك أجواء الدولة.

جبير الأنصاري (الرياض)