من لغة إلى أخرى بكلمات واحدة

من لغة إلى أخرى بكلمات واحدة

الجمعة - 8 ذو الحجة 1440 هـ - 09 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14864]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
تتغير اللغة من دون أن تغير في نفسها حرفاً واحداً. تزول وتغيب كلمات، وتحل محلها كلمات مشابهة، أسهل على النطق، أقرب إلى المنطق. ومن تلقائها تصبح لكل حقبة تعابيرها وتقاسيمها وإيقاعاتها. وإذا قرأنا خبراً من القرن الثامن عشر، في أي لغة من اللغات، سوف تكتشف أن ثمانين في المائة من صياغته قد تغيرت، وخمسين في المائة من مصطلحاته قد تبدلت، وتسعين في المائة من سكبه لم يعد في الاستخدام. وهي كلمة حلت في القرن العشرين محل الاستعمال، التي أصبحت شائعة كمصطلح في الأبحاث، أو الكتابات ذات الطابع العلمي.
قرأت، بهدف المقارنة، كتاب جرجي زيدان «مشاهير القرن التاسع عشر». ووجدت أننا نقرأ مادة واحدة في مفردات مختلفة تماماً. فهو يصر على طوارئ «الحدثان» فيما نسميه اليوم طوارئ الأحداث. ويستخدم «لا مندوحة» التي هي في «اللغة» الحديثة «لا بد». ولا حاجة للندوح.
وفي معرض الكلام على ما تصرفه الدولة على بعض الناس فهو من «الجيب» وليس من الخزانة. ولا ترد كلمة وزارة في سرد جرجي زيدان لأن في زمنه كانت تسمى «نظارة»، وتعني الشيء نفسه تماماً. وكان يقال «استعفى» بدل استقال الحالية. و«المعارف العمومية» بدل الثقافة. و«المعلومات النافعة» بدل وزارة الأشغال.
ولا نقول اليوم «وما زالت الحال على ما تقدم» بقدر ما نقول، وبقيت الحال على ما هي. ولم يعد وارداً استخدام جمل من نوع «تفاقم الخطب» أو «نال لديه حظوة» أو «بدت عليه مخائل النجابة»، والأخيرة ترد عند زيدان في وصف جميع مشاهيره، أو إعلامه.
وعندما يقول «صاحب الترجمة» يعني صاحب السيرة، وهو مصطلح لا يستخدمه، مع أن كل كتاباته كانت عن نساء ورجال من التاريخ القديم أو الحديث. وقد اقتدى كثيرون به في اللجوء إلى الرواية التاريخية، بينهم أمين معلوف، ولا شك أن معلوف «أصاب قصب السبق»، على سلفه لما تيسر لديه من غنى المراجع وكثرتها وسهولتها. وهو أمر كان يشكو منه زيدان عندما يتحدث عن الصعوبات التي واجهت الأقدمين. وسوف نجد معلوف وأقرانه أكثر جزالة من زيدان ومعاصريه. الأول تحاشى ما وقع فيه الثاني: الكتابة بلغة أسلافه لأجيال أكثر علماً و«أوسع معلومات عمومية». وأمضى معلوف في البحث أضعاف ما أمضاه مؤسس «الهلال»، الذي كان ألمع الأسماء اللبنانية التي هاجرت إلى مصر. جميعهم حملوا براعتهم اللغوية و«معلوماتهم العمومية» إلى «الديار المصرية»، ورفعوا على مؤسساتهم رموز مصر «الأهرام» و«الهلال» و«المقطم»، فيما كانوا يرفعون في المهاجر الأخرى أسماء الحنين «الأرز» و«لبنان» وما يليهما.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة