د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

إمبراطورية «فيسبوك»

هل يصح أن تسمى «فيسبوك» الإمبراطورية؟ لعل الرد على هذا السؤال يكمن في ردة فعل مارك زوكربيرغ، مالك ومؤسس «فيسبوك» حين سئل: «من هو أكبر منافسيك؟» إبان استجوابه من الكونغرس الأميركي، حينها تلعثم الملياردير الأميركي حائراً في الجواب، ليجيب بعد ذلك بأن متوسط التطبيقات التي يستخدمها الأميركيون يومياً ثمانية تطبيقات، و«فيسبوك» قد يكون أحد هذه التطبيقات. ولكن ما لم يذكره زوكربيرغ أن ثلاثة من هذه التطبيقات الثمانية تملكها شركته، وهي: «فيسبوك»، و«ماسنجر»، و«إنستغرام»، إضافة إلى «واتساب».
ولم يستطع زوكربيرغ تحديد منافس له، بسبب عدم وجود منافس حقيقي له في نشاط شركاته، ولعل ذلك أحد أسباب التفات لجنة التجارة الفيدرالية إلى ممارسات «فيسبوك» الاحتكارية، والتي أصبحت مصدر قلق لها؛ خصوصاً بعد فضيحة «كامبردج أنالاتيكا»، والتي اتهمت فيها «فيسبوك» بتسريب معلومات المستخدمين إلى أطراف خارجية، بهدف استخدامها تسويقياً، لتنتهي، وبعد فترة من التحقيقات، إلى تسوية اللجنة مع «فيسبوك» قدرها 5 مليارات دولار. بعد هذه التسوية مباشرة، أعلنت وزارة العدل الأميركية عن بداية تحقيقات في السلوكيات الاحتكارية للشركات التقنية، سواء كانت «فيسبوك» أو غيرها.
والواقع أن هذه الغرامة – مع ضخامتها – لن تهز أركان «فيسبوك»، فالشركة تبدو مستعدة للأزمات المالية أكثر من غيرها، فقد زادت «فيسبوك» احتياطياتها النقدية من 10 مليارات دولار في عام 2012، إلى 30 ملياراً في عام 2016؛ لتصل الآن إلى 49 مليار دولار. أي أن الغرامة المفروضة عليها تزيد قليلاً على 10 في المائة من هذا الاحتياطي.
وعلى الرغم من فضيحة «كامبردج أنالاتيكا» واستجواب زوكربيرغ من قبل الكونغرس الأميركي العام الماضي، زادت عوائد «فيسبوك» في الربع الأخير بنسبة 28 في المائة، مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي، لتصبح عوائد الشركة المتوقعة لهذه السنة 70 مليار دولار. وقد يكون تأثير هذه الغرامة في انخفاض أرباح الشركة، وهو مجرد انخفاض لن يخرج «فيسبوك» من كونها شركة ربحية؛ بل إن «فيسبوك» بدأت فعلياً في إجراءات إصدار عملتها الرقمية «ليبرا»، وكأنها دولة مستقلة.
والتدقيق على «فيسبوك» لم يكن عبثياً، فالشركة - ومن دون أي منافس - هي أكبر شركة تواصل اجتماعي في العالم من ناحية عدد المستخدمين، حتى «غوغل» نفسها لا تنافس «فيسبوك» في عدد المستخدمين، فعدد مستخدمي «ألفابيت» – وهي الشركة الأم لـ«غوغل» و«يوتيوب» – لا يزيد على 1.5 مليار مستخدم، بينما يصل عدد المستخدمين اليومي لـ«فيسبوك» إلى 1.59 مليار مستخدم، وعدد المستخدمين الإجمالي أكثر من 2.4 مليار مستخدم. ولمعرفة ضخامة هذا الرقم، يكفي معرفة أن عدد مستخدمي موقع «تويتر» بكل ما فيه من تأثير اجتماعي لا يزيد على 330 مليون مستخدم، بينما يقل «سنابشات» عن ذلك كثيراً عند 205 ملايين مستخدم. أي أن مجموع عدد المستخدمين لكلا التطبيقين هو ثُلُث عدد مستخدمي «فيسبوك» فقط!
كما تسيطر «فيسبوك» على نسبة لا يستهان بها من سوق الإعلانات الإلكترونية البالغ حجمها تريليون دولار، وهي - حتى مع تغلب «غوغل» عليها في هذا المجال - تمارس سلوكيات احتكارية للسيطرة عليه، مستندة إلى إقبال المعلنين عليها بسبب العدد الضخم لمستخدميها.
كل هذه القوة التي يمتلكها زوكربيرغ من خلال إمبراطورية «فيسبوك» جعلته مصدر قلق للحكومات. فالعدد الهائل من المستخدمين، إضافة إلى السلوكيات التي تقوم بها «فيسبوك» تجعله من أكثر الرجال تأثيراً في العالم. وقد سبق لعدة حكومات استدعاء زوكربيرغ للتحقيق في سلوكيات «فيسبوك»، إلا أن غالب هذه الاستدعاءات قوبلت بالتجاهل منه؛ خصوصاً مع الاتهامات التي وجهت إليه بالتأثير على بعض التيارات الفكرية.
وسيطرة هذه الشركات التقنية على هذا العدد الهائل من المستخدمين يجعل لها سلطة لا يستهان بها في العالم؛ خصوصاً عند معرفة أن أربع شركات حول العالم تحكم سيطرتها على التقنية، وهي: «فيسبوك»، و«أمازون»، و«غوغل»، و«أبل»، ويندر أن يوجد شخص في العالم لا يستخدم خدمات هذه الشركات الأربع، إلا إذا كان لا يمتلك هاتفاً ذكياً.
إن هيمنة الشركات التقنية جعلت الحكومات تلتفت إلى مكافحة الاحتكار، لخلق منافسين جدد في مجالات الشركات الأربع، المجالات التي كانت هذه الشركات الأربع سبباً في نشأتها منذ البداية. فوجود شركات منافسة يقلل من سيطرة هذه الشركات على هذا الكم الهائل من المعلومات. وبانعدام قوانين مكافحة الاحتكار، فلن تستطيع أي شركة ناشئة منافسة هذه الشركات العملاقة، مما يعني أن الحكومات ستجد نفسها في يوم من الأيام تحت رحمة شركات تقنية تتعدى سلطتها حدود الدول.