«بلوى وانحدفت»

«بلوى وانحدفت»

الخميس - 17 شوال 1440 هـ - 20 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14814]
لا أدري متى ابتُلي اليمن الشقيق بزراعة شجرة «القات»، على حساب شجرة البن؟!
الذي أنا متأكد منه، ومن قراءتي لحياة الشاعر الفرنسي رامبو، أنه كان يتردد على اليمن للمتاجرة بالبن، وتصديره إلى أوروبا من ميناء مخا اليمني، وأنه ولد عام 1854 وتوفي في 1891، ولم يذكر في كتاباته أي شيء عن القات، ومعنى ذلك أنه لم يكن منتشراً في ذلك الوقت. غير أنني أحفظ قصيدة للإمام يحيى حميد الدين، وهو يتغزل بالقات رداً على أحد الزوار اللبنانيين وكان ضيفاً عليه واسمه قسطنطين، الذي أخذ يذم القات شعراً، وأقتطع لكم بعض الأبيات التي جاء فيها:
القات فيه عجاب كما يقول الصحاب
والصدر فيه من الوخز والعذاب حراب
والنسل يضعف منه ما في كلامي ارتياب
لا نفع في القات لكن فيه الشقاء والعذاب
وتزهق النفس منه والقلب والأعصاب
والجفن يذبل حتى يغشى العيون سحاب
وسوء هضم وقبض منه يغيب الصواب
والرأس يثقل وطأن وبالدوار يصاب
بالبن عنه استعيضوا فالبن منه اكتساب... إلى آخره.
فرد عليه الإمام يحيى بهذه الأبيات الغزلية:
فللعيون جلاء للضعف منه ذهاب
وللثغور صباغ زمردي يذاب
أحسن بثغر مليح له المذاب رضاب
يا ما احيلاه ظلماً تشفى به الأحباب
وللنفوس مريح وللنشاط انجذاب
ويشحذ الفكر حتى يخاف من التهاب
ويطرد النوم عن من له الجليس كتاب
أما الذي قاله قسطنطين فهو سراب
لأنه ليس كفؤاً للدر وهو تراب... إلى آخره.
وسبق لي أن شاهدت مقابلة للرئيس اليمني السابق علي صالح، يقول فيها: إنني كنت أخزّن – أي أتعاطى - القات يومياً، غير أنني أصبحت الآن لا أتعاطاه إلا في «الويك إند».
فرددت عليه بيني وبين نفسي: الحقيقة إنك ما قصّرت.
وبالمناسبة شاهدت مراسل القناة التلفزيونية «CNN»، وهو يستغرب كيف أن 90 في المائة من اليمنيين يتعاطون القات، في حين أن 12 مليون يمني في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، والمراسل يتعجب لماذا يزرعون أراضيهم بالقات بدلاً من القمح، ولماذا يستمرون في استجداء المساعدات الأممية بينما هم يستهلكون 12 مليار دولار سنوياً على القات، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المبلغ الذي طلبته الأمم المتحدة لإغاثة اليمنيين – انتهى. قد يكون في كلامه شيء من المبالغة، غير أنني أزعم أن هذه الشجرة البذيئة «بلوى وانحدفت على أهل اليمن».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة