«علاء الدين» الجديد يستوحي من الماضي ولا يمزح

مارده ول سميث أنجز 256 مليون دولار من عروضه في 10 أيام

ول سميث يلعب شخصية المارد في «علاء الدين»
ول سميث يلعب شخصية المارد في «علاء الدين»
TT

«علاء الدين» الجديد يستوحي من الماضي ولا يمزح

ول سميث يلعب شخصية المارد في «علاء الدين»
ول سميث يلعب شخصية المارد في «علاء الدين»

معظم المرّات التي يتم فيها ذكر اسم علاء الدين، تتم وفي البال حكايات «ألف ليلة وليلة». تبدو مغامرات هذا الشاب المفتون بالأميرة حباً والذي يفوز بيدها منتقلاً من الفقر الشديد إلى الثراء الكبير بفضل فانوس وجده في كهف تحت الأرض. إذ يفرك الفانوس يخرج منه مارد من دخان يقول له «شوبيك... لبيك... عبدك ما بين إيديك» أو أي شيء مماثل من هذا القبيل. شيء يعكس روح الامتنان من المارد لسيده الذي أخرجه من ذلك القمقم الصغير.
لكن المارد يداوم العودة إليه بعد تحقيق كل طلب وما على علاء الدين إلا أن يفرك الفانوس مرّة واحدة حتى يعود إليه المارد بالاستعداد نفسه.
إذ تكنى الحكاية الآسرة بمؤول «ألف ليلة وليلة» (المسمّى أجنبياً «ليالي عربية» هناك التباس في أصولها الفعلية). لغاية الكشف عن الأصل وضع المؤلف باولو لرنوس أورتا كتاباً قبل عامين سمّاه «لصوص رائعون» تحدث فيه عن أصول علاء الدين كرواية ليجد أن الحكاية تعود إلى المؤلف أنطوان غالاند الذي ضم الحكاية إلى ما ترجمه من حكايات «ألف ليلة وليلة» ما بين 1704 و1717؛ ما يعني أن الرواية لم تكن موجودة بالعربية أساساً، بل أضيفت.
بصرف النظر عما إذا كان هذا صحيحاً أم لا، فإن من وضع كلمتي «علاء الدين» اسماً للشخصية يفهم العربية لأنه لم يشتق الاسم من أسماء سهلة التداول آنذاك (كما اليوم) مثل عمر وأحمد أو عبد الله. كذلك، فإن موقع الأحداث انتقل من منطقة مسلمة إلى بغداد ذاتها، وربما ساعد في ذلك حقيقة أن حكاية «لص بغداد» وقعت هناك أيضاً.
فصول صراع
على الشاشة يلحظ المرء مزجاً متعدداً بين حكايتي «علاء الدين» و«لص بغداد»، ويمكن إضافة فيلم «مغامرات الأمير أحمد» إلى المزج، وهو فيلم كرتوني طويل (الأول من نوعه) تم تحقيقه في ألمانيا سنة 1926 على يدي الفنانة لوتي راينجير.
لكننا نلحظ كذلك قدم المحاولات التي جرت لتقديم شخصية علاء الدين على الشاشة. ففي سنة 1899 قام البريطاني جورج ألبرت سميث بتصوير حكاية من نحو دقيقة ونصف الدقيقة تحمل عنوان «علاء الدين والمصباح العجيب». وهناك نحو عشرة أفلام صامتة أخرى تم تحقيقها في تلك الفترة أفضلها للمخرج ألبرت كابالاني سنة 1906 الملوّنة - آنذاك - باليد.
إنجاز كابالاني الآخر يكمن في أنه حاول بالفعل سرد حكاية كاملة وغير مختصرة في أقل من خمس دقائق كما كان الدارج حينها. في مطلع الفيلم نرى علاء الدين نائماً وأمّه توقظه. ننتقل في نقلة مفاجئة إلى حيث يلتقي علاء الدين بالأميرة التي سيدافع عنها بعد قليل. فجأة هناك ساحر مقرّب من القصر. يقود علاء الدين إلى البرية، حيث يطلب منه النزول في حفرة يرفع الساحر غطاءها بأعجوبة (تروكاج). ينصاع علاء الدين ليجد نفسه فيما يشبه القصر تحت الأرض. هنا يستخدم الفيلم طاقته القصوى في الخدع والمؤثرات؛ فهناك جرار وتماثيل مسحورة تدب فيها الحياة فتتحرك. لكن علاء الدين لا يضيّع وقتاً، بل يتقدّم إلى المصباح ويأخذه من مكانه. يحاول الساحر إقناعه بتسليمه المصباح مقابل مساعدته في الخروج من الحفرة، لكن علاء الدين - متوجّساً الخديعة - يُمانع فيغلق الساحر فوهة الحفرة عليه. يدور علاء الدين محتاراً في مكانه ومن دون قصد يفرك المصباح فيخرج منه جني صغير وهذا يخرجه من الحفرة. فيعود علاء الدين حاملاً المصباح إلى أمّه ويطلب العفريت ثانية، فيخرج له هذه المرة مارق عملاق يمنحه الملابس والطعام والذهب ويحوّله من فقير مدفع إلى غني.
هناك تفاصيل أخرى ونهاية مفاجئة وفصول من الصراع على المصباح بين علاء الدين والساحر وديكورات مكلفة وموحية من بنات أفكار ذلك الحين، وكل هذا في _12 دقيقة. وكم هو مثير أن الفيلم الجديد للمخرج البريطاني غاي ريتشي شبيه بذلك القديم إذا ما حررناه من البدع المتطوّرة لفن المؤثرات واكتفينا بمعاينة القصّة وحدها. الحكاية قد تتمدد، وقد تضيف إليها أحداثاً كثيرة، لكنها ستبقى على حبكتها وأحداث تلك الحبكة الأساسية التي قدمتها السينما في نحو خمسين فيلماً آخر منذ تلك الفترة الصامتة وحتى اليوم.
في نسخة وولت ديزني الجديدة (النسخة الأولى لها منذ سنة 1992 عندما قدّمت النسخة الكرتونية المغضوب عليها لإهاناتها) هناك اللص الفقير علاء الدين الذي يستعين به الشرير جعفر لاستخراج الفانوس، لكن في نيته الحصول على الفانوس ودفن علاء الدين تحت الأرض. هذا يرفض تسليم الفانوس إلى أن يخرج أولاً من المكان. جعفر يقرر دفنه والفانوس معاً، لكن المارد لا ينقل علاء الدين من تحت الأرض إلى فوقها، بل من الفقر إلى الجاه والعز، ويساعده طوال الوقت على مقارعة الأشرار وإنقاد السلطان والفوز بابنته التي أحب.
التشكيلة التي تكوّن الشخصيات هنا مثيرة للاهتمام. خليط عربي وهندي ومن قوميات أخرى يفوزون بالأدوار الناطقة. علاء الدين هو المصري مينا مسعود، والأميرة هي الكندية ذات الأصول الهندية ناوومي سكوت، وجعفر هو الممثل التونسي الأصل مروان كنزاري، وهناك أسماء أخرى كثيرة مثل أمير بطرس ونعمان عكار وإيليان زكريا و(الهندي) عامر شذا باتل وعمر عبيدي ونينا وديعة وسواهم.
في الواقع النجم الوحيد بين كل ممثلي الفيلم هو الأفرو - أميركي ول سميث الذي ينتزع بسهولة الاهتمام كون صانعي الفيلم أحاطوه بالأولوية التي تفرضها نجوميته. وهو هنا لا يمثل بقدر ما يؤدي وظيفة. في الوقت ذاته غاي ريتشي لا يخرج الفيلم، بل يوزّع ما فيه من مشاهد حسب معادلات تنفيذية تجعل العمل أقرب لدرس في المؤثرات ومناسبة لمقارنته بالأفلام السابقة المنضوية تحت اسم «علاء الدين». ولا بأس أن بدأت المقارنة مع نسخة ديزني ذاتها سنة 1992 فعلى الرغم من إهانتها للمسلمين والعرب، تبقى أكثر قدرة على الترفيه إذا ما نظرنا إليها كعمل فني.
بعض لحظات الفيلم الجديد تخرج عن ميكانيكية الحركة والتنفيذ تمثيل الشخصيات الرئيسية يحمل الكثير من الامتثال والقليل من الإبداع حتى بالنسبة لوِل سميث.
يحاول «علاء الدين» الجديد أن يتحاشى الألغام التي داس عليها الفيلم السابق، وهذا جيد. لكنه لو أضاف بعض ما ورد في تلك النسخة الكرتونية من أجواء ساحرة لخرج من القمقم الذي حشر نفسه فيه. بكلمات موجزة ليس عند الفيلم الجديد أي نية ليحافظ على المزحة والنكتة والتعامل مع الخيال كخيال فقط.
لمن لم يشاهد الفيلم السابق يبدو ما سبق نوعاً من التجني. اللحظات المثيرة القليلة التي تحدثنا عنها ربما تمتد أكثر لمشاهد راض بالبصريات والمكنونات الغرائبية وخدع المؤثرات الخاصة. لكن ريتشي، الذي أنجز للشاشة مغامزات مبتكرة لشرلوك هولمز، هو آخر من يهتم للمضمون ويعرف تماماً أن عليه تلبية الصورة الذهنية التي وضعها التمويل لهذا الفيلم، وبالتالي تحقيق الفيلم المطلوب من قِبل الجمهور العريض. وهو لم يخيب الآمال هنا إذ أنجز 256 مليون دولار من عروضه حول العالم في عشرة أيام.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز