قطارات مصر... إلى أين؟

قطارات مصر... إلى أين؟

الأحد - 26 جمادى الآخرة 1440 هـ - 03 مارس 2019 مـ رقم العدد [14705]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

حادثة اصطدام محرك (قاطرة) في محطة سكة حديد القاهرة المركزية والحرائق المتسببة في موت وإصابة أكثر من ستين ليست الأولى في السنوات الأخيرة، وأخشى ألا تكون الأخيرة.
سجل «الهيئة القومية لسكك حديد مصر» في الأمن والصيانة في السنوات الأخيرة لا يدفع أي مسافر قادر على استخدام وسيلة نقل بديلة أن يستقل أياً من قطاراتها.
في أغسطس (آب) عام 2017 لقي 43 شخصاً حتفهم وجرح أكثر من مائة في حادث تصادم قطارين خارج الإسكندرية.
وقبلها بخمسة عشر عاما شب حريق في قطار الصعيد المسافر ولم يقف في الوقت المناسب، فتسبب بموت أكثر من 370 شخصاً حرقاً واختناقاً بالدخان أو بالقفز من القطار المتحرك.
في سنة 2013 وحدها وقعت خمسة حوادث انفصال عربات قطارات واصطدامات على مزلقانات أدت لمقتل 56 وإصابة 137.
وما بين حريق قطار الصعيد وحريق محطة القاهرة الناتج عن انفلات فرامل القاطرة، وقعت عشرات من حوادث التصادم عند مزلقانات العبور وغيرها راح ضحيتها العشرات، لعل أكثرها إيلاماً حادث باص ينقل أطفال مدارس اصطدم بقطار أثناء عبوره المزلقان المفتوح.
في كل الحوادث بلا استثناء تجد السبب سلسلة من الإهمال والقصور في عمليات الصيانة. في كل قطارات الدنيا، بما فيها القطارات المصرية، في كل عربة ركاب توجد حلقة أو سلسلة معدنية كلها متصلة، وفور سحبها عند الطوارئ تتحرك الفرامل أوتوماتيكيا بلا تدخل من السائق لتوقف كل عربة والقاطرة نفسها، وهو ما لم يحدث في حال حريق قطار الصعيد.
وأي محرك جر (قاطرة) صنع في السنوات الأربعين الأخيرة في معظم بلاد الدنيا به نظامان وأحياناً ثلاثة أنظمة فرامل لا نظام واحد، وبه النظام التلقائي في حالة تعطل النظام الأصلي، فكيف تحركت القاطرة التي تسببت بالحريق هذا الأسبوع؟
أي عربة قطار حديثة تصنع في أي مكان في العالم لا تترك المصنع وتدخل الخدمة إلا بعد أن يتم اختبار الأبواب وإغلاقها أوتوماتيكيا وعدم إمكانية فتحها أثناء تحرك القطار حتى ولو انقطعت الدائرة الكهربية عنها.
إجراءات الأمن والسلامة في السكك الحديدية تحرم في السنوات الأخيرة تركيب الأبواب التي تفتح وتغلق يدويا.
كيف إذن تترك كثير من عربات الهيئة القومية ورشات الصيانة والأبواب معطلة، خاصة على الخطوط الفرعية، وقد شاهدتها بعيني على خط إسكندرية - أبو قير، وإسكندرية - رشيد؟
الأبواب مفتوحة والأولاد يقفزون منها أثناء تحرك القطار!
بالطبع سيجري تحقيق مثل التحقيقات التي في الحوادث السابقة التي ذكرتها.
السؤال: ما الهدف من التحقيق ومعرفة الأسباب؟
هل هو «محاسبة المسؤول» عن التقصير؟
هذا إشباع شهية الانتقام الجماعي بحثاً عن «كبش فداء» والتنفيس عن الغضب!
هذا الأمر من اختصاص التحقيقين القضائي، والإداري. ماذا عن التحقيق الفني والتقني الذي عادة ما يستغرق أشهراً وأحياناً سنوات؟
والهدف معرفة الأسباب وتلافيها حتى لا يتكرر الحادث وحوادث مشابهة.
التحقيق الفني عادة تنشر اللجنة نتائجه ومعها توصيات يجب تطبيقها فوراً، مع ميزانية تقديرية لتطبيق هذه التوصيات.
في كل بلاد الدنيا تستجوب اللجنة البرلمانية المختصة رئيس الهيئة ورئيس اللجنة للتحقق من ملاءمة التوصيات. وكثير من برلمانات البلدان الديمقراطية تشكل لجنة منفصلة وتجري تحقيقها الخاص المستقل لتقارن بينه وبين تحقيق اللجنة؛ وما إذا كانت ميزانية تطبيق التوصيات مبالغاً فيها أو دون المطلوب.
ما دور ممثلي الشعب المصري في البرلمان في الحوادث السابقة؟
ما الأسئلة التي قدمها نائب الدائرة التي وقع الحادث جغرافياً فيها؟
هل استدعت اللجنة البرلمانية للمواصلات رئيس الهيئة للإجابة عن أسئلتها؟
هل ستسأل اللجنة في البرلمان (مجلس الشعب) ممثلي الهيئة ووزارة المواصلات الأسئلة المنطقية؟
مثل: أين توصيات لجان التحقيق في الحوادث المذكورة أعلاه؟
من مسؤول الصيانة الذي أجاز صلاحية قطار الصعيد 2002؟
ما توصيات لجنة التحقيق في الحادثة؟
هل تم تطبيقها؟
ما عدد الاختبارات الدورية التي أجريت في الـ17 عاماً التي تفصل بين الحادثتين؟ أي (بروفات) الحريق الوهمية التي يشترك فيها العاملون في طوارئ الهيئة، ولجنة تشغيل القطار، والعاملون في المحطة، ورجال المطافئ والإسعاف والبوليس وغيرها، بروفة حقيقية وكأنه حادث حقيقي؟
ما الميزانية المخصصة للتعامل الفوري مع هذه الأحداث؟
ما توصيات أول لجنة تحقيق في حادثة تصادم عند مزلقان؟
المفترض أن تطلب اللجنة البرلمانية دفتر تسجيل الصيانة للقاطرة المتسببة بالحادث، واستدعاء كل من وقّع بصلاحيتها، وأيضاً السجل الوظيفي والحالة الصحية لمهندسي الصيانة وسائق القطار.
بصفتي صحافياً غطيت تحقيق اللجان البرلمانية فيها، أجد الأسئلة أعلاه أقل المتوقع طبيعياً من ممثلي الشعب في البرلمان.
رسائل فيديو حادث هذا الأسبوع، عرضت حالات الفوضى والهيجان ونقل المصابين بهرولة غير منظمة.
قد أكون مخطئاً لكن أشك في أن يكون هناك تدريب سابق نظمت فيه الأدوار، حيث يعرف كل مشارك دوره في التعامل مع الحادث؛ وإلا فما كنا شاهدنا مهزلة الكوميديا السوداء من فوضى وصياح وهرولة.
وأرجو أن يصحح معلوماتي من هم أكثر اطلاعاً، إذا كانت ناقصة أو مخطئة، هل حققت اللجنة البرلمانية طوال الأعوام العشرين الماضية مع القائمين بالتحقيق في حوادث التصادم والمزلقانات؟
ومن المسؤول عن صيانة القطارات المنطلقة بسرعة أربعين أو خمسين ميلاً في الساعة وأبواب العربات مفتوحة؟
السكة الحديد المصرية كانت الثانية في العالم بعد بريطانيا (كانت فكرة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا في 1834، لكن خلافات سياسية مع فرنسا وتركيا أجلت المشروع حتى 1851 في عهد سعيد باشا الذي استدعى المهندس البريطاني روبرت ستيفنسن، وهو أبو السكة الحديد الإنجليزية، لتصميم المشروع الذي لم يتحقق إلا بعد وفاته بثلاثة أعوام، كانت رؤية المسؤولين في مصر من 1868 مستقبلية بتأسيس ثاني شبكة حديد في العالم، وتبلغ خطوطها اليوم أكثر من تسعة آلاف كيلومتر تخدم 705 محطات.
الغالبية الساحقة من الشبكة أنشئت في المائة عام الأولى فقط ما بين 1851 و1950، بينما قلت الإنشاءات وتدهورت الصيانة كثيراً في العقود الستة الماضية في ورشات وأنحاء الهيئة التي توظف أكثر من 86 ألفاً، وتدير شبكة التسعة آلاف كيلومتر التي تمر بـ885 من الأنفاق والجسور على النيل ومجار مائية، وفوق وديان وأنفاق وكبارٍ لسيارات ومشاة. هذه الأرقام تبين مدى أهمية طرح الأسئلة أعلاه وإعادة هيكلة نظام الصيانة، فأي إهمال صغير بسيط فسيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة