نوح فيلدمان
أستاذ القانون بجامعة هارفارد وكاتب بموقع «بلومبيرغ»
TT

هل يزعزع إغلاق الحكومة الأميركية استقرار العالم؟

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي، يوم الجمعة الماضي، إنه على استعداد لمواصلة الإغلاق الحكومي الجزئي لشهور مقبلة، أو ربما لسنوات، إن لم يحصل على المال اللازم لبناء الجدار على امتداد الحدود المكسيكية مع بلاده.
من السهل ملاحظة رؤية تلك التوقعات تتحقق على أرض الواقع؛ فكلا الجانبين قد صور القضية بحيث يبدو أي انتصار يحققه أحد الجانبين في تمويل الجدار بمثابة هزيمة للطرف الآخر، والأعقد من ذلك أن أياً من الطرفين لديه حافز للوصول إلى حل وسط.
ولو افترضنا أن الرئيس ترمب على حق، فإن أطول فترة إغلاق حكومي في التاريخ لم تتعدَ 21 يوماَ، بدءاً من نهاية ديسمبر (كانون الأول) 1995 حتى بداية يناير (كانون الثاني) 1996، فماذا يعني الإغلاق الأطول بالنسبة للحياة السياسية الأميركية؟
لو أننا حكمنا برد الفعل العام حتى الآن، فربما تعتقد أن الإجابة ستكون: الإغلاق لن يطول كثيراً عن سابقه. الأهم هو أننا أصبحنا أكثر اعتياداً على محاولات ترمب مخالفة الأعراف شبه الدستورية. وربما الإبقاء على المصالح الحكومية مفتوحة يمثل عرفاً آخر غير مكتوب، وربما مخالفته لن تكون نهاية العالم.
لكن من المرجح أن الإغلاق الطويل ستكون له تداعياته على استقرار الحكومة الأميركية، وهناك عوامل مهمة قد تؤدي إلى ذلك كالتالي:
أولاً، هناك رسالة مفادها الخلل، وسيكون تمرير قرار اعتماد الموازنة، وحتى وإن كانت مؤقتة، للإبقاء على أبواب الحكومة مفتوحة، دليلاً على أن الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، يريان إدارة الحكومة على أنه مهمة مشتركة. قد يختلفان عن بعضهما البعض بدرجة كبيرة حول الأولويات السياسية، لكنهما يتفقان على أن الحكومة مهمة لتفعيل أوامر التشريع وأوامر الرئيس وتوجيهاته واستمرار عجلة الدولة في الدوران.
عندما يصل الطرفان إلى حافة المواجهة، وتراهما غير راغبين في الحل، فإن الرسالة التي يبعثان بها إلى بلادهم وإلى العالم تتغير. فبدلاً من الرسالة التي تؤكد التعاون، ستؤكد الرسالة على وجود خلاف، وأن التعاون لا يحدث إلا مصادفة وفي المناسبات. بكلمات أخرى، ستعلن الهيئات الحكومية المفصلية أن أولوياتها أكبر من مجرد الحكم.
إن الإغلاق القصير المدى يمكن التصرف حياله، لأن الناس تفترض أن الأمر سيحل سريعاً. ولهذا الافتراض معنى لأننا نعتقد أن كلا الجانبين يعتقدان أنهما سيكسبان حال الوصول إلى اتفاق، لأن الناس تريد من الحكومة أن تحكم.
في سيرة الرئيس ترمب السياسية تراه منفتحاً على فكرة أن الناس لا تبالي، أو على الأقل لا تبالي بما يكفي لعقابه أو عقاب الحزب الجمهوري على إغلاق المصالح الحكومية بسبب قضية الجدار. وفي الوقت نفسه، فقد سمح الحزب الديمقراطي له أن يجري تجربته ورفضوا أن يُخدعوا.
إذا جرت مخالفة العرف شبه الدستوري الذي يحاول فيه الكونغرس والرئيس الوصول إلى حل وسط بشأن التمويل الحكومي لبناء الجدار، فسيعني ذلك أن الافتراض بأن الشعب يريد حكومة هو اقتراض يحتاج إلى إعادة نظر.
وهنا تأتي فجوة التفعيل، فإن ثقة العالم في الحكومة الأميركية تتعزز برؤية المؤسسة الأميركية تدور، ولو لإنجاز المتطلبات الأساسية. إن الحكومة الأميركية تؤدي المهام الأساسية المطلوبة لصيانة الاستقرار المجتمعي، حيث إن الاستقرار يعتمد على ما هو أكثر من الأمن القومي الذي سيكون مصوناً خلال فترة الإغلاق. ويشمل ذلك المهام الأساسية المنتظمة الخاصة بالأسواق، والبيئة والطعام والدواء، وغيرها.
إن هذه المهام لا تعمل بوتيرة منتظمة خلال فترة الإغلاق الحكومي. ففي فترة الإغلاق القصيرة، يفهم الناس أن الحكومة ستلعب دور الملاحق بعد انتهاء تلك الفترة، ولذلك فإن الاستقرار لن يتعطل. وفي الإغلاق الطويل الأمد، فإنه من غير الواضح إن كانت عملية الملاحقة ستعوض التنظيم المفقود. وستبدأ المهام الاجتماعية التي تعتمد على الاستقرار التنظيمي في التلاشي ببطء وبالتدريج وحتى بصورة غير محسوسة.
لن يحدث أن يقوم الأشرار بعمليات التجارة الداخلية، أو يشرعوا في مخالفة القوانين البيئية في يوم محدد خلال فترة الإغلاق، أو على الأقل لن يحدث ذلك بدقة. لكن سيبدأ الناس في تقييم ما إذا كانت تكلفة الالتزام ستفوق فائدة مخالفة القوانين - ذلك لأن التفعيل الأقل للقوانين سيشجع على المزيد من مخالفة القوانين. والتفعيل الضعيف للقوانين ليس بالشيء الذي سيلاحظه الجمهور الأميركي فوراً، لأن تبعاته ستتراكم مع مرور الوقت. غير أن بقية العالم ستتلقى رسالة مفادها أن المؤسسات التي تخلق استقراراً سياسياً واقتصادياً قد أخذت في التآكل، مما يقلص من الثقة في القيادة الأميركية، وبالتبعية من الثقة في الاقتصاد الأميركي.
لقد بات من الشائع في عهد ترمب أن تفترض أن أساسيات الاقتصاد التي تجعل الولايات المتحدة جاذبة للاستثمار لن تتأثر بالخلل السياسي. إن ذلك الخطأ يتسبب في الخلط بين التوقعات القصيرة المدى وبين الهياكل المؤسسية الطويلة المدى التي تضررت. على المدى البعيد، فإن الالتزام الوطني بإيجاد حكومة فعالة وقوانين ذات مغزى أمر ضروري ولا يمكن تحاشيه، وفي حال تُرك يتآكل في ظل الإغلاق طويل المدى، فإن النتائج ستكون باهظة، ليس اليوم أو غداً، لكن في القريب العاجل وطيلة حياتنا الباقية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»