«أهلاً»

«أهلاً»

الثلاثاء - 3 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 11 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14623]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الفنانون والكتّاب والصحافيون، ليسوا على الإطلاق أغنى الزبائن في الفنادق والمقاهي، لكن في الغالب هم من يعطونها الشهرة، ودوامهم عليها هو من يعطيها الاسم والشهرة التاريخية. لماذا؟ لأن السياسيين ورجال الأعمال يفضلون تمضية الوقت في أعمال أكثر إنتاجية.
صدرت كتب كثيرة عن فندق في مدريد كان يحل فيه آرنست هيمنغواي ورفاقه، أو عن مقهى في باريس كان يرتاده جان بول سارتر، أو مقاهي القاهرة التي أعطاها نجيب محفوظ الشهرة والطابع الخاص. وفي بيروت لم يُعرف مقهى «الهورس شو» إلا بعدما أصبح ملتقى أهل الفن والصحافة، وإلا فإنه ظل مطعماً من عشرات غيره.
في الكويت، اجتمع الفندق والمقهى معاً. بدأ ذلك مع «الكارلتون» في الستينات، ثم «الفينيسيا» في الحي نفسه، ثم بني «الشيراتون» الذي سوف يصبح ملتقى المدينة، فيما يغلق الفندقان الآخران. وبدأت فنادق ضخمة كثيرة تظهر في أنحاء الكويت، خصوصاً على الشاطئ. وظل «الشيراتون» قلب المدينة.
خلال زيارتي الأخيرة مُنح «الشيراتون» جائزة «أفضل فندق قديم في الكويت». وربما كان المقصود «الأكثر عراقة». فهو جزء من تاريخ البلد، قبل التحرير وبعده. وفيه تعقد أهم الأحداث الثقافية. وأنا شخصياً أشعر عندما أذهب إلى فندق آخر أنني لم أعد في الكويت. إنه «العنوان» الذي يعطيه بعضنا للقاءات كمن يعطي عنوان منزله. عندما كنت أعمل وأقيم في الكويت، وعندما أزورها الآن، يعاملني «الشيراتون» وكأنه امتداد لمنزلي. وكنت أعتقد، مسروراً، أن هذه معاملة خاصة يوصي بها المدير العام فهد أبو شعر منذ 35 عاماً.
صادفت زيارتي هذه المرة مع مجموعة أصدقاء، بعضهم مثلي من قدامى «الشيراتون»، وبعضهم هنا للمرة الأولى. وأدركت أن سر جائزة «أقدم فندق» هو تلك الضيافة التي يتساوى فيها الجميع. ولم يحدث لي في أي مكان في الدنيا أن اعتذر العاملون عن قبول «البقشيش» اليوم على أساس أنهم تلقوه أمس. إلا هنا حيث يقول النوادل والموظفون: «ما هو كفاية يا عم... خلاص».
لكنك تشعر خجلاً أنك ما زلت مقصراً، وأن هذه الألفة لا ثمن لها، وأن العلاقة مع «الشيراتون» مودة، لا علاقة لها بالمال. فلا شك لديّ لحظة أنني من أبسط زبائن الفندق، لا من المهمين بينهم. وهذا هو سر الجائزة التي أعطيت إلى فهد أبو شعر. ليست تقديراً لمرور السنين، بل كيف مرت بالناس، وإلى ماذا رمز هذا الفندق في حياتها.
عشت كثيراً في الفنادق. ومع العمر تعبت، أو مللت. وأقول لأصدقائي إنني بدأت حياتي مشرداً، مسكيناً، والآن مشرداً «دولوكس». فالإقامة في الفنادق تعني أنك لست في البيت. لكن هناك فنادق تفيق فيها وكأنك تفيق بين أهلك.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة