عصائب الثقافة وافتراس «التبغدد»

عصائب الثقافة وافتراس «التبغدد»

الجمعة - 1 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 09 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14591]
مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي
من مثالب المحاصصة الطائفية في الوزارات والمناصب الحكومية، وصول نماذج سيئة لمواقع لا علاقة لهم بها، وافتراس الصالح العام من أجل الصالح الخاص، وهو هنا يصير صالح الحزب بل الأحزاب أحياناً، المحتكرة لتمثيل طائفة ما، بحكم أن المجتمع صار ينظر له بمنظار طائفي فقط.
المعتاد أن تكون حقائب الدفاع والداخلية والمال والخارجية، هي وزارات السيادة، وأحياناً تصبح وزارة الطاقة والنفط، أو «الأشغال»، حسب أهمية كل حقيبة من هذه الحقائب في البلد المبتلى بالحسبة الطائفية.
يتجلى ذلك في أن يتولى كادر قيادي من حزب الله اللبناني، مثلا، حقيبة السياحة! أو يتولى عنصر من ميليشيا عصائب أهل الحق العراقية - حزب الله اللبناني بالقياس لها يعتبر حزباً شبيهاً بحزب الخضر حماة البيئة! - حقيبة الثقافة في العراق!
الكاتب العراقي علي السراي في مقالة له بجريدة «المدى» العراقية، أشّر على ملاحظة محزنة كئيبة، حين تحدث عن هذا الواقع، ضمن سجالات تشكيل الحكومة العراقية بقيادة عادل عبد المهدي، ونقل عن النائب عن حركة «عصائب أهل الحق»، عبد الأمير عتيبان، قوله في تصريحٍ نُشِرَ الأسبوع الماضي، «وزارة الثقافة استحقاقٌ لنا ونحن من علمنا الناس والعالم الثقافة (...) وكيف تتصرف وكيف تكون قدوة».
يستدرك الكاتب العرقي بسخرية مرة:
«حتى لا يبدو الاقتباس خارجاً عن سياقه فإن النائب كان يرد، غاضباً، على أثيل النجيفي، المحافظ السابق لنينوى، الذي اعترض على منحِ (جهة تحملُ السلاحَ) حقيبة الثقافة».
يجري هذا الأمر في بغداد الحضارة والثقافة، بغداد الجاحظ وأبي نواس والتوحيدي والمأمون، يجري هذا الأمر فنصبح أمام اغتصاب لـ«التبغدد» كما كتب بروعة الباحث العراقي «الجواهرجي» رشيد الخيون.
الخيون تتبع منابع ومصابّ التبغدد عبر التاريخ، ومما ذكر أن المصطلح أشار له فيلسوف وناثر العراق الكبير، في القرن الخامس الهجري، أبو حيان التوحيدي، عندما قال، وهو يتحدث عن أبي الوفاء البوزجاني وكان مهندساً ومترجماً: «البغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف مِن الخراساني إذا تبغدد، وإن شئت فضع الاعتبار على ما أردت، فإنك تجد هذا القول حقاً، وهذه الدَّعوة مسموعة» (الصَّداقة والصَّديق).
وفي العصر الحديث صار التبغدد مدحة وصفة واضحة، كما يستشهد رشيد بالعراقي العاشق محمد مهدي الجواهري، حيث قال، في نونيته الشهيرة:
يا أُمَّ بغداد مِن ظرفٍ ومِن غنجٍ
مشى التبغددُ حتى في الدَّهاقين (تعني القرى).
أما لميعة عباس عمارة فاستعارت المصطلح لتأكيد المعنى الثَّاني، أي الرَّفاه والكبرياء عندما قالت، في قصيدتها «أغني لبغداد»:
لأن العراقة معنى العِراق/ويعني التبغدد عزاً وجاها
هذا هو العراق، وهذه هي بغداد، وذاك مصير التبغدد بعدما صار شأن الثقافة «غنيمة» تمنح لجماعة تحارب الفكر والفن والحياة.

[email protected]

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة