هذا وقت الوقوف إلى جانب العراق

هذا وقت الوقوف إلى جانب العراق

السبت - 23 ذو القعدة 1439 هـ - 04 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14494]
عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.
أصبح تدهور الوضع الأمني والاقتصادي في العراق هذه الأيام خطراً يهدد قدرته على استكمال مهمة القضاء على «داعش»، وبسط سلطة الدولة على المناطق المحررة، وإعادة بنائها. هناك مطالب مشروعة للمتظاهرين، ينبغي التعامل معها بحكمة ودون استخدام القوة، لتتمكن الدولة من استكمال إعادة البناء أمنياً واقتصادياً وسياسياً، في وجه محاولات فلول «داعش» إعادة التجمع، ومحاولات إيران الإبقاء على وجودها في العراق وتدخلاتها في شؤونه الداخلية.
أثرت الأزمة على استعداد العالم الخارجي لتقديم العون الاقتصادي للعراق لإعادة الإعمار، ففي مؤشر ذي مغزى، أعلن الرئيس ترمب تجميد التعهدات الأميركية المخصصة لإعادة الإعمار العراقي.
ولهذا، فإن من المهم التحرك الدولي للوقوف إلى جانب العراق، وفق آلية جديدة تضع بعين الاعتبار الظروف الحالية التي يمر بها.
وقد أكدت دول مجلس التعاون الخليجي مراراً وقوفها مع العراق في إعادة ترتيب أوضاعه السياسية والأمنية والاقتصادية، واتفق العراق مع جيرانه الخليجيين على الدخول في شراكة أخوية تشمل جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية، وما زالت دول مجلس التعاون مستعدة للعمل مع العراق للتعامل مع التحديات التي يواجهها.
خلال الفترة من 12 إلى 14 فبراير (شباط)، نظمت الكويت المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق، الذي نجح في حشد 30 مليار دولار لمساعدة العراق على التعافي من أضرار الحرب، منها ستة مليارات من دول مجلس التعاون. شارك في المؤتمر أكثر من سبعين دولة ومئات من المنظمات الدولية، بعض تلك الدول بعيد جغرافياً وسياسياً عن العراق، ولكنها جميعاً أبدت استعدادها للمساهمة في إعادة إعماره.
ساد المؤتمر جو من التفاؤل وروح العمل الجماعي. كان الاستثناء الوحيد إيران، الجارة القريبة والمسؤولة عن كثير مما حدث للعراق. حضر جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الافتتاح ولكنه غادر سريعاً، دون أن يقدم أي تعهد بالمساهمة في إعادة الإعمار. كان من الواضح أن إيران لم تكن مستعدة لترك العراق يقرر مصيره بنفسه ويعيد بناء ما أفسدته الحرب. وأكثر ما أقلق إيران كان الاستعداد العالمي والعربي والخليجي للوقوف بجانب العراق، وهو ما اعتبرته تهديداً لوجودها ونفوذها.
أظهرت الانتخابات النيابية التي عقدت في 12 مايو (أيار) استقلال القرار العراقي، ورغبة مجموعات سياسية رئيسية في تشكيل حكومة مستقلة، ولكن إيران سعت منذ اليوم الأول لعرقلة هذه الجهود، وفرض المحسوبين عليها للحصول على نصيب الأسد في الحكومة المرتقبة، مما أدى إلى شلل سياسي ساهم في تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وتوتر العلاقات بين الأطراف العراقية، والبطء في تطبيع علاقات العراق مع دول الجوار، ومنظومة مجلس التعاون الخليجي.
فبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على الانتخابات، ما زالت القوى السياسية العراقية غير قادرة على تشكيل حكومة تنتقل بالوطن من حالة الحرب إلى حالة السلام وإعادة البناء.
وفي انتظار تشكيل الحكومة العراقية، توقفت الدول التي قدمت تعهداتها في مؤتمر الكويت عن التنفيذ، بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني، ونظراً إلى أن التعهدات التي قُدمت في المؤتمر كانت مشروطة بقدرة الحكومة العراقية على توفير قنوات شفافة للعمل وتوجيه الاستثمارات بشكل رئيسي للمناطق التي تم تحريرها من «داعش»، وتسهيل عودة المهجرين والنازحين، وبشكل رئيس كانت الدول المشاركة ترغب في معرفة كيف ستدار عملية إعادة الإعمار، وتحديد دور المانحين والمستثمرين في ذلك.
وقد ساهمت بعض دول مجلس التعاون مؤخراً في تخفيف معاناة الجنوب العراقي الناجمة عن انقطاع الكهرباء من جانب إيران، إلا أن غالبية المساعدات والاستثمارات الموعودة في مؤتمر الكويت من معظم الدول لم تبدأ بشكل جدي؛ بل قامت بعض الدول مثل الولايات المتحدة بتجميد تعهداتها.
ولهذا، فإن العودة إلى مقترح وزير الخارجية العراقي الدكتور إبراهيم الجعفري بتبني «مشروع مارشال» دولي لإعادة إعمار العراق أصبح مطلباً وجيهاً، ليس حرفياً، ولكن بإيجاد آلية عراقية - دولية تشرف على إعادة الإعمار؛ لأن ذلك يعالج عدة إشكالات؛ أولها وجود إشراف خارجي على إعادة الإعمار، بعيداً عن التقلبات السياسية، بما يضمن استمرار عملية إعادة البناء، وألا تكون رهينة للأطراف والظروف السياسية.
الإشكال الثاني هو مكافحة الفساد، الذي يفسر تردد الدول المانحة والجهات المستثمرة في تنفيذ تعهداتها في مؤتمر الكويت، وهو ما قالته تلك الدول صراحة في المؤتمر، كما أقر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بأن الفساد هو أحد التحديات التي تواجه العراق. ولهذا فإن الهيئة الدولية التي أتحدث عنها لإدارة البرنامج يمكن أن تضع آليات شفافة ضد الفساد، وهي آليات معروفة طورتها الأمم المتحدة والبنك الدولي.
الإشكال الثالث الذي يمكن أن تحله هيئة الإشراف الدولية، هو ضمان توجيه المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً واحتياجاً، مثل الموصل والمناطق الأخرى التي تم تحريرها من «داعش». المجتمع الدولي مهتم على وجه الخصوص بإعادة تأهيل هذه المناطق التي تدمرت خلال الحرب الأخيرة، لمنع التنظيم من إعادة التمركز فيها.
الإشكال الرابع هو تحديد مساهمة العراق المالية في برنامج إعادة الإعمار، إذ إن بعض الدول المشاركة في مؤتمر الكويت التي قدمت تعهدات للبرنامج لا تتمتع بالإمكانيات التي تتوفر لدى العراق من موارد مالية وطبيعية وإمكانات اقتصادية، ولهذا فإنها تتوقع أن تساهم الخزينة العراقية بنصيب كبير من تكاليف إعادة الإعمار. ويمكن من خلال الهيئة تحديد حجم تلك المساهمة وطبيعتها.
ويمكن أن تشكل الهيئة الدولية من ممثلين للحكومة العراقية وكبار المانحين، وتستعين الهيئة بالمنظمات ذات التجربة في دول أخرى، مثل البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة.

- الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي. والمقال يعبر عن رأيه الشخصي، ولا يمثل بالضرورة الموقف الرسمي للمجلس أو أي من الدول الأعضاء.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة