أفضل ما قد يحدث في سنغافورة وأسوأه

أفضل ما قد يحدث في سنغافورة وأسوأه

الثلاثاء - 29 شهر رمضان 1439 هـ - 12 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14441]
عندما التقى الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان والرئيس السوفياتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف في موسكو عام 1988 لمناقشة تقليص الأسلحة النووية، قارن ريغان الوضع بالظهور في عمل مسرحي ملحمي من إخراج سيسيل بي دميل. وكان يقصد بذلك «أكثر من اللحظة التاريخية التي وجد نفسه فيها». فقد كان يشير إلى التفاعل بين الزعيمين بوصفه نصاً لفيلم هوليوودي مكتوب بإتقان.
فقد تضمن ذلك شهوراً من اللقاءات المباشرة بين كبار مساعدي الزعيمين. وكانت المفاوضات عن قائمة تحوي 20 حدثاً مقترحاً أعدها فريق عمل نانسي ريغان، منها تشكيل ما يعرف بـ«مجموعة التركيز» التي تضم عدداً من المصوتين في ولاية فيلادلفيا لاختبار الكلمات التي سيلقيها ريغان. المفاجأة الوحيدة كانت عندما اقتبس غورباتشوف عبارة روسية مأثورة كان من المفترض أن تكون جزءاً من كلمة ريغان الترحيبية.
ارتجل ريغان سطراً، لكنه أثنى على عبارة غورباتشوف الرائعة التي قال فيها «من الأفضل أن ترى مرة، عن أن تسمع مائة مرة».
وعلى النقيض، فإن القمة التي ستُعقد غداً في سنغافورة بين دونالد ترمب وكيم جونغ أون لم يسبقها سوى القليل من النظر والسمع والتواصل من أي نوع. فقد جرى اختيار سنغافورة منذ أكثر من شهر، والمكان هو منتجع سياحي في جزيرة لم يجرِ الإعلان عنها إلا في الأيام الماضية.
فهل سيناقشان الاتفاق على مواصلة النقاش؟ هل سيقدم كيم تنازلاً دراماتيكياً بشأن ترسانة أسلحته النووية؟ هل يرد ترمب بسحب قواته من شبه الجزيرة الكورية؟ هل يضعان حداً للحرب الكورية؟
للإجابة عن بعض هذه الأسئلة تحدثت مع شخص سبق له التعامل مع الكوريين الشماليين من قبل وهو فيكتور تشا الذي يعمل حالياً أستاذاً بجامعة جورج تاون ورئيس البرنامج الكوري بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية. خلال الفترة من 2004 و2007 شغل تشا منصب مدير الشؤون الآسيوية بـ«مجلس الأمن الوطني». لكن ما يعرفه الناس عنه هي الوظيفة التي لم يشغلها، وهي السفير الأميركي لدى كوريا الجنوبية. فبعد تعيينه في هذا المنصب من قبل إدارة ترمب، تسبب الرجل في عاصفة عندما انتقد علانية البيت الأبيض لتفكيره في ضربة عسكرية محدودة لتلقين كوريا الشمالية «درساً قاسياً».
وإليكم نص النقاش الذي دار:
سألته قائلا: رغم عدم انعقاد قمة أميركية كورية شمالية بهذا المستوى من قبل، فقد طرحت الولايات المتحدة العديد من الأفكار مع كوريا الشمالية في الماضي، وكثيراً ما استهزأت بها كوريا. ماذا تريد أن ترى من كيم أكثر من الإعلان ليثبت أنه أكثر جدية من أبيه؟
أجاب تشا: أولاً، يتطلب ذلك قدراً من الصدق والسماح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية بالتفتيش في المباني ذات الصلة بالبرنامج النووي واستخراج محتوياتها. فإن حدث، سيعني ذلك أن الأشياء باتت مختلفة الآن. قلت له: نعلم أن الولايات المتحدة لن تحصل على كل ما تتمناه، ولذلك ما الحد الأدنى الذي يجب أن تقبله في أي اتفاق؟
فأجاب: أعتقد أن الحد الأدنى هو أن يدلي الرئيس الكوري الشمالي بتصريح يعلن فيه التزامه بنزع الأسلحة النووية وبالمفاوضات رفيعة المستوى مثل مفاوضات وزير الدفاع الأميركي ونظيره الكوري الشمالي للاتفاق على نزع السلاح بالكامل. لو ألقيت بضع كلمات فستكون للإعلام فقط ولن تكون صادقة. الكلام لن يشعرنا بالمزيد من الأمان. ولكنني قلت له: لن يتخلى كيم عن ترسانة أسلحته بين ليلة وضحاها. ولو جرى الاتفاق على صفقة، فستكون مؤرخة بمواعيد محددة، ما أول شيء سيجري الاتفاق عليه؟ وما باقي البنود؟
قال تشا: ينبغي على كيم أن يعطي بياناً تفصيلياً بكل المواقع، وعلى وكالة الطاقة الذرية أن تقوم بزيارتها للتأكد منها. لن تستطيع إيقاف المواد القابلة للانشطار، لكن عليك إغلاقها وختمها بالشمع الأحمر. بعد ذلك تأتي مرحلة إيقاف أنظمة التشغيل، وإن قام الشماليون بكسر الأختام فلن يستطيعوا تشغيل البرنامج مجدداً بسهولة. وفي النهاية ستكون الاستعدادات لتفكيك وإزالة المواقع النووية.
بيد أني أخبرت تشا بأنه منذ عدة شهور، دار حوار بيني وبين رئيس العاملين بمجلس الأمن الدولي السابق، فيليب بوبيت، الذي أعد خطة مفادها أن الولايات المتحدة لا يتعين عليها التفاوض مع كوريا الشمالية، بل مع الصين. فالصين ستوافق على حماية كوريا الشمالية تحت مظلتها النووية، ولذلك ستعفي كيم من تطوير قنبلة، هل صدمتك تلك الفكرة كشخص واقعي؟
أجاب تشا: سأقول إن الصين لن تفعل ذلك. فهي تفترض أن الولايات المتحدة مثلنا، وأنها تتطلع لأن تعطى ضمانات أمنية لغيرها من الدول، لكن الصين لا تفعل ذلك. فقد فعلوا ذلك خلال الحرب الباردة مع كوريا الشمالية لكنّ ذلك كان بسبب الخوف من السوفيات وليس الولايات المتحدة. سترحب الصين بتقديم المساعدة لمشروعات البنية التحتية ولاستخراج المعادن من كوريا الشمالية وغير ذلك من المساعدات. عندما تعطي ضمانات أمنية، ستقع في فخ، وآخر دولة تتمنى أن تنصب لك فخاً هي كوريا الشمالية.
قلت له إن أغلب الناس يعلمون أنك كنت المرشح الأبرز لتولي منصب السفير لدى كوريا الشمالية إلى أن أثرت المخاوف من توجيه ضربة عسكرية محدودة. لكن الآن بعدما أصبحت تشاهد ما يحدث من الخارج، ماذا كنت ستفعل لو أنك ما زلت في المشهد؟
أجاب تشا: أولاً دعْني أَقُلْ إن كل رئيس له الحق في اختيار رجاله، ويحق لكل رئيس تغيير رأيه. وعلى أي حال، أنا سعيد أن أرى الإدارة الأميركية تعطي الدبلوماسية فرصة، لتبعدنا عما كنا عليه عام 2017 عندما لم تكن هناك مباحثات دبلوماسية. فالصراع في شبة الجزيرة الكورية لن يحل المشكلة النووية، وسوف يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح سواء الكورية أو الأميركية.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة