تأملات سركون بولص في الشعر والحياة

تأملات سركون بولص في الشعر والحياة

«دار الجمل» تجمع أوراقه منذ ستينات القرن الماضي
الثلاثاء - 22 شهر رمضان 1439 هـ - 05 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14434]
عبد الوهاب أبو زيد
يضم كتاب «الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة» للشاعر الراحل سركون بولص، المطبوع حديثاً عن «منشورات الجمل»، مقالات وقصاصات وترجمات متنوعة للشاعر الذي رحل مبكراً قبل أن يلملم شتات الكثير من أوراقه ونصوصه التي تركها وراءه. وحسناً فعل خالد المعالي، صاحب الدار وصديق سركون، الذي أخذ على عاتقه فيما يبدو نشر نتاج هذا الشاعر والمترجم والمثقف الذي كانت له نبرة مختلفة وبصمة واضحة في المشهد الشعري الحديث في كل أرجاء الوطن العربي.

وبغض النظر حول الجدل الذي أثير مؤخراً حول إقدام المعالي على نشر قصائد مبكرة لسركون الذي أغفل نشرها في حياته، وما إذا كان يحق له فعل ذلك أدبياً وأخلاقياً ومهنياً، إلا أن المعالي، والحق يقال، يقدم خدمة جليلة للأدب العربي والثقافة العربية إجمالاً بنشر نتاج هذا الشاعر والمترجم المهم.

يضم «الهاجس الأقوى» قرابة 30 مادة ما بين مقالة وتعليق ومقدمة لنصوص مترجمة، فضلاً عن المقالات المترجمة التي تتوزع في ثنايا الكتاب. أما بخصوص المدى الزمني لمحتويات الكتاب فيمتد من نهايات ستينات القرن العشرين وصولاً إلى مرحلة متأخرة من حياة الشاعر.

ولعل أهم مقالات الكتاب هي تلك التي تعرّض فيها كاتبها لجانب من تجربته الشعرية وفهمه للشعر، وعلاقته بشعراء جيل الستينات في العراق، كمقالة «عن الشعر والذاكرة» و«ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاثة» التي يقدّم فيها تأملات عميقة حول الشعر وطبيعته ومهمته المركزية التي تتمثل، كما يرى، في تقديم الأدلة التي تذكرنا بما يصدم ويوقظ بين آلاف الوقائع والتجارب التي هي خليقة بالنسيان.

وفي «شذرات غير منشورة عن الشعر والحياة»، يتحدث سركون عما يسميه «صك المقبولية» الذي يسعى بعض الشعراء لنيله من الصحافة أو الجماهير، أو حتى النقاد، فهو لا يعقد اتفاقات مع أحد، كما يقول عن نفسه، حيث إن كل ما يريده هو أن يشاركه القارئ، إذا أراد أو استطاع، في محاولته لفهم قيمة إنسانية أو عاطفية معينة، تعبر عنها القصيدة، ليصلا معاً إلى نقطة لقاء، وانفتاح عابر بين كائنين.

ويشن سركون في تأملاته تلك هجوماً ضارياً على الآيديولوجيا وحضورها في الكتابة، فهي في الشعر، حسب تعبيره، عصاب فكري وليست من صلب الرؤية الشعرية، ويشبهها بالعصابة الجلدية التي تربط بها عينا الحصان فلا يرى غير الطريق التي تمتد أمامه.

ورغم أن الهم الشعري طاغ على صفحات الكتاب، كما يوحي عنوانه وكما هو متوقع من شاعر نذر عمره للشعر، إلا أن هناك مساحة لأشكال أخرى من الكتابة مثل الرواية، إذ يحضر روائيون مثل بول أوستر وتوماس مان وجويس كارول أوتز بمقالات مكتوبة أو مترجمة عنهم، فضلاً عن بعض المقالات التي انشغلت بهموم ثقافية أو فكرية عامة، كالمقالة التي كتبها سركون عمن يسميه «الكاهن الأعلى للغابة الإلكترونية»، ماك لوهان، الذي كان يقدم نفسه بوصفه خبيراً بفن الاتصال، ويصر رغم ذلك على القول إن «النثر الواضح يدل على غياب الفكر»، في تناقض صارخ مع ما هو مألوف وقار لدى أبرز المفكرين والكتاب، بل حتى أعلام الفلسفة.

هناك في هذا الجانب أيضاً مقالة مهمة نشرت في ملحق النهار عام 1968، وحملت عنوان «من مكر المستشرقين والاستعمار الذي استغله»، عرض فيها سركون لكتاب صدر حينها للباحث والمؤرخ الفرنسي إيف لاكوست عن ابن خلدون، حيث تناول الباحث الفرنسي طبيعة تلقي الفكر الغربي إجمالاً لفكر ابن خلدون. ومن اللافت للنظر في هذه المقالة فكرة تبرير الاستعمار وجعله يظهر بمظهر الضرورة، وهي فكرة ناجمة عن كتابات المؤرخين الاستعماريين الذين مهدت كتاباتهم وبررت للمستعمِر إقدامه على قهر وإخضاع المستعمَر، الأمر الذي يذكرنا بأطروحة المفكر الراحل إدوارد سعيد عن الاستشراق.

*كاتب وشاعر سعودي
السعودية السعودية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة