إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

الحلو أبو السدارة

في حفل توقيع روايته الجديدة في معرض بغداد للكتاب، اقترح الكاتب العراقي خضير فليح الزيدي على مقتني الرواية أن يلتقط لهم صورة وهم يعتمرون السدارة. إنها غطاء للرأس ارتداه أبناء المدن في القرن الماضي. كانوا من الموظفين الأوائل وطلبة المدارس الثانوية والكليات ممن تركوا الدشداشة والثوب الشعبي واتخذوا البدلة الإفرنجية زياً لهم. صاروا أفندية من فئة المتعلمين. ومن المعروف أن السدارة سُميت «الفيصلية»، نسبة إلى الملك فيصل الأول الذي أراد أن يكون لرجال دولته الجديدة غطاء مدني للرأس، غير العمامة والعقال، وغير الفينة، أي الطربوش القصير.
نشر المؤلف في صفحته للتواصل صور عدد من القراء الذين لبوا رغبته و«تسدّروا». وهو يرى أن السدارة تنسجم مع موضوع الرواية التي تجري أحداثها أواخر العهد الملكي. ثم أن هناك موجة عالية من الحنين للماضي، ولذلك العهد بالتحديد، باعتباره فترة الهدوء التي سبقت العواصف. فالتاريخ نسبة وتناسب. والأمور تقاس بما قبل وما بعد. وكان العراقيون، بعد ثورة 1958، يطلقون على ما قبلها تسمية العهد البائد. ومن أشكال الحنين إليه رواج بعض رموز الماضي، ومنها السدارة التي يعاد تصنيعها اليوم وتستورد، غالباً، من الصين وتباع بألوان لا تقتصر على الأسود. فهناك الرصاصية والبنية والكحلية، بانتظار من يغامر من الشباب ويطلق موضة السدارة الحمراء.
اعتمد الجيش العراقي، أيضاً، السدارة في البزات العسكرية. وكانت باللون الخاكي للضباط والجنود، وبالأزرق الغامق لرجال الشرطة. وفيما بعد، غابت عن المشهد وحلت محلها أغطية رأس تشبه القبعات الأوروبية. لكن السدارة ظلت محفوظة في إكسسوارات السينما والمسرح، لزوم العروض التاريخية. وكان قراء المقام، النوع الموسيقي التقليدي المعروف محلياً، من الذين تمسكوا بها. ورأيت المطرب حامد السعدي يرتديها مع فرقته في حفل أقيم في باريس قبل 15 عاماً. حاولت التحايل على أحد العازفين وافتكاك سدارته وفشلتُ. ثم عثرت عليها في «سوق البراغيث»، أي بسطات الأنتيكا، وكانت سدارة جميلة ورخيصة لكنني أشحت عنها بعد أن قال البائع إنها قبعة المجندات في إسرائيل.
في ورش بغداد القديمة، صنعوا السداير من قماش الصوف السميك واللباد. وتخصص فيها خياطون من الأرمن واليهود والأكراد. وكان ارتداؤها فِي تلك الحقبة من علامات الوطنية. ثم دخل الصناعيون الأوروبيون على الخط وبدأوا بتصنيعها وتصديرها للعراق. ونقرأ في مدونة المؤرخ محسن لفتة الجنابي أن جمعية لتشجيع الصناعات الوطنية تألفت في مدرسة للبنين، وكانت السدارة المصنوعة في السليمانية أول منتج روّجت له الجمعية، فقد ارتداها عدد من الطلبة الذين أصبحوا، فيما بعد، من الشخصيات المعروفة في البلد، أمثال أمين المميز وصادق عبد الغني وضياء جعفر وأدهم مشتاق وفؤاد درويش. وفي المجلس النيابي، شنّ معروف جياووك، الكاتب والحقوقي الذي قاوم الإنجليز، هجوماً على أصحاب السداير الآتية من لندن وميلانو ودعا إلى لبس المصنوعة محلياً. ويفيدنا صاحب المدونة بأنه كانت لليهود سوق لبيع السداير والفينات وتنظيفها. عندها ظهرت مهنة «القالبجي»، وهو من يغسل الطرابيش القصيرة ويضغطها في قالب معدني ساخن فتتقولب وتأخذ شكلها الأسطواني. لكن السدارة انفردت بغوايتها وغدت من علائم الأناقة الرجالية، يتغنى بها المطربون: «يا حلو يا بو السدارة... متيّمك سويلة جارة»، أي جد حلاً، يا جميل، للمتيم بك.
وعودة إلى رواية خضير الزيدي، فإن عنوانها: «الملك في بيجامته»، وليس «في سدارته». وفيها يستكشف المؤلف الساعات الأخيرة في حياة العائلة المالكة العراقية. هل مات فيصل الثاني، آخر ملوك العراق، وهو بثياب النوم أم بكامل قيافته؟