قضيت ساعات طويلة أتحدث مع زملاء في مجال التنمية الدولية، بخصوص كيفية تذليل الحواجز والعقبات التي تحول دون تقدم المرأة في جميع أنحاء العالم. فنحن نواجه اليوم حقيقة أن كل قطاع - بما في ذلك القطاع الذي نعمل فيه - يعاني من مشكلة خطيرة تتعلق بالتحرش الجنسي والعنف ضد المرأة.
إن المعايير التي تسمح بمثل هذه الإساءات والمفاسد، هي نفسها التي تسلب من أفقر النساء حقوقهن، وتجردهن من قوتهن، ولن يتمكن جميع النساء والفتيات في مختلف أرجاء المعمورة من التمتع بالحياة التي يحلمن بها ويطمحن إليها، إلا عندما نتخلص من مثل هذه الممارسات اللاأخلاقية.
ولكن دعونا نتحدث من الناحية العملية، ما الذي يمكن لمؤسسة خيرية - مثل مؤسستنا - أن تفعله لتعزيز هدف المساواة في كل مكان، وهو هدف كبير بشكل يفوق الوصف؟
لقد دأبنا على الاستثمار في صحة المرأة منذ فترة طويلة، وقد حققنا تقدماً كبيراً على صعيد هذه الجهود. ولكن، كلما أمضيت وقتاً أطول في زيارة المجتمعات الفقيرة ومقابلة أشخاص من كافة أنحاء العالم، ازداد يقيني بأننا لن نستطيع تحقيق أهدافنا مطلقاً إذا لم نعالج أيضاً الطريقة المنهجية التي تقلل من قَدْرِ النساء والفتيات.
ونسعى - من خلال اعتماد استراتيجية جديدة تركز على تمكين المرأة اقتصادياً، عبر إتاحة الفرصة لها للوصول إلى الأسواق مباشرة، والتأكد من حصولها على التمويل والخدمات اللازمة، وتمكينها من الاعتماد على ذاتها - إلى المساهمة في إزالة العوائق التي تعرقل قدرة نصف سكان العالم على التمتع بحياة كريمة ومتكاملة.
ونخطط لإنفاق 170 مليون دولارٍ على مدار السنوات الأربع المقبلة؛ لمساعدة النساء على ممارسة حقوقهن وتمكينهن اقتصادياً؛ حيث تشير الدلائل إلى أن ذلك يمثل إحدى الخطوات الأولى الواعدة نحو تحقيق المساواة بين الجنسين. فببساطة، عندما يتدفق المال إلى أيدي النساء اللاتي يمتلكن الإرادة الكاملة لاستخدامه، فسيتغير كل شيء، وستكون عائلاتهن هي المستفيد الأول.
وتشير الإحصاءات إلى أن واحدة من أصل كل ثلاث نساء متزوجات، في أفقر دول العالم، ليست لديها سلطة على مشتريات الاحتياجات الرئيسية للأسرة، رغم أن الدراسات تظهر أن النساء لديهن قدرة أفضل على الأرجح كثيراً، مقارنة بالرجال، للإنفاق على احتياجات أسرهن بطريقة تخرجها من دائرة الفقر، مثل توفير الطعام المغذي والرعاية الصحية والتعليم. ففي نيجيريا - على سبيل المثال - كلما زاد الاستقلال المادي للنساء، تناولت أسرهن مزيداً من اللحوم والأسماك. وأثبتت واحدة من أكثر الإحصائيات المثيرة للعجب التي قرأتها، أنه عندما تمتلك المرأة السلطة لإدارة نفقات أسرتها، تزيد احتمالية بقاء أولادها على قيد الحياة بنسبة 20 في المائة.
ثانياً، يبدأ الجميع بإعادة التفكير في الدور الذي يمكن للمرأة أن تلعبه في مجتمعاتها. فقد أظهرت دراسة حديثة أن مجرد امتلاك واستخدام حساب بنكي، عزز قدرة النساء على العمل خارج المنزل، وبالتالي جني مزيد من المال، وتغيير وجهة نظر الرجال تجاههن. فنجاحهن في تحدي المعايير الاجتماعية التي حبستهن داخل المنزل، قادهن إلى تحقيق هذا التغيير الجذري.
إن حرية النساء في التصرف وفق ما يرونه مناسباً، يمكن أن تحقق ما لا تستطيع أي مؤسسة خيرية في العالم كله أن تفعله، ألا وهو تغيير القواعد غير المكتوبة التي تقول إن النساء أقل شأناً من الرجال. ودورنا - كما نراه - هو أن نقوم باستثمارات تهدف إلى منح النساء الفرصة في كتابة قواعد جديدة أكثر إنصافاً لهن.
في البداية، سوف نسعى من خلال استراتيجيتنا الجديدة للمساواة بين الجنسين، إلى مساعدة النساء على الوصول مباشرة إلى الأسواق. فهناك مئات الملايين من النساء يساعدن في إدارة المزارع الصغيرة في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا، ويزرعن المحاصيل ويقمن بتربية الماشية، ولكنهن في معظم الحالات يقمن بذلك دون معرفة السعر العادل لمنتجاتهن. وبالتالي، نهدف إلى مساعدتهن على تجاوز هذا الحاجز وتطوير أعمالهن وتعزيز نموها. ولتحقيق ذلك، ينبغي علينا دعم المزارعات في تنظيم مجموعات تتمثل مهمتها في جمع محاصيلهن من المزارع الصغيرة وبيعها للمشترين بسعر عادل، إلى جانب مساعدتهن - إن أمكن - على استخدام تطبيقات الهاتف الجوال التي تتيح لهن معرفة الأسعار الحقيقية للمنتجات أولاً بأول.
وإلى جانب ذلك، نسعى إلى تمكين مزيد من النساء من استخدام الحسابات البنكية الرقمية. فكثير من الحكومات تقوم بإرسال مدفوعات صافية لتوفير الرعاية الاجتماعية للعائلات منخفضة الدخل؛ لكن هذا المال عادة ما يتحكم به الرجال. وبالتالي، سنعمل على تطوير أنظمة في ثماني دول، بما فيها الهند وباكستان وتنزانيا، ليتم إيداع هذه المدفوعات في حسابات تديرها النساء.
وأخيراً، سوف ندعم مجموعات المساعدة الذاتية التي تقوم فيها النساء بتعليم بعضهن بعضاً، كل شيء، بداية من تأسيس عمل تجاري صغير وصولاً إلى تربية أطفال أصحاء؛ بل ويقمن أيضاً بإعادة تشكيل وتصور وجودهن في المجتمع. ففي الهند، ينتمي أكثر من 75 مليون امرأة بالفعل إلى مثل هذه المجموعات، وقد أثبتن أنهن قوة حقيقية قادرة على تحقيق تقدم فعلي. ونحن نريد من الفتيات الصغيرات امتلاك الفرصة نفسها. فأثناء فترة المراهقة، يضع الوالدان مزيداً من القيود على بناتهن، وتتقلص حرية الحركة لديهن إلى النصف، كما يحدث في جنوب أفريقيا على سبيل المثال. ولكن يمكن لمجموعات المساعدة الذاتية توسيع آفاقهن.
لقد اكتسبت منظوراً قيماً بشأن هذه المجموعات، عندما قضيت ذات مرة بعض الوقت في ولاية جهارخاند بالهند، مع السيدة نيلام بهينجرا التي كانت قد انضمت إلى إحدى المجموعات، لتتعلم كيف تزيد من المحاصيل في مزرعتها؛ لكنها سرعان ما بدأت تعمل على تشجيع الأعضاء الأخريات للدفاع عن حقوقهن أمام الحكومة المحلية، وقالت لي آنذاك: «أنا وحدي، لن أستطيع أن أفعل أي شيء». لكن مع دعم مجموعتها، قالت: «سأظل أحارب من أجل النساء حتى الممات».
لا شك في أن نيلام تمثل مصدر قوة للأجيال القادمة في بلدها. لقد أخبرتني كل شيء عن أطفالها، الذين يذهبون إلى المدرسة، ويخططون لمستقبل لم تكن نيلام نفسها تتصوره أبداً، مشيرة إلى أن أطفالهم - أي أحفاد نيلام - سينعمون بمستقبل أكثر صحة وازدهاراً. ونتطلع إلى مساعدة مزيد من أمثال نيلام في إيصال أصواتهن، والاستفادة من الفرص التي سلبت منهن، وبالتالي الانطلاق بثبات نحو تغيير عالمهن وعالم أطفالهن، لتتحول أحلامهن إلى حقيقة.
* النسخة العربية من المقال خاصة بـ«الشرق الأوسط»
