حرب الرؤوس وحرب الجيوش

حرب الرؤوس وحرب الجيوش

السبت - 25 جمادى الأولى 1439 هـ - 10 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14319]
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة
«الإنسان ـ أعني رأسمال الحرب ـ يحصل عليه المرء بالمجان. يطعمه ويربيه مثل العجل، ثم يحمله معه إلى ساحة الحرب، وهي سوق عادية للبيع والشراء بطرق المنافسة، وهناك يقايضه بأرنب مجفف أو كهف أو شارع في مدينة، ويدفنه في احتفال صاخب، ويقيم له نصب الجندي المجهول، ويدعوه شهيداً في طريقه إلى الجنة. الإنسان عملة نقدية من فئة القرش أو المليم حسب الظروف» (الصادق النيهوم).
سقراط يعيش في كل ثانية في الرؤوس، والإسكندر
الأكبر يخبو في قبر مجهول. التفكير والنقاش يكبر مع كل حرف يتعلمه إنسان. لكن السّم الذي تجرعه رأس السؤال الإنساني كثرت أوانيه واختلفت ألوانه، في كل يوم تتزاحم تعقيدات الحياة، تتضاعف الأسئلة أمام المفكرين كبارهم وصغارهم. حروب الجيوش تدور على الأرض فوق مساحات محددة وأوقات محدودة.
منذ انطلاق عاصفة الفكر في مرحلة النهضة والتنوير في أوروبا، دخلت معركة الرؤوس حلقة الاختبار الإنساني الأكبر. معركة سقراط الطويلة التي شرب فيها سماً من نوع آخر، سم المواجه المارد. جاليليو وكوبر نيكوس وعشرات معهم أشهروا سيوف العقل في مواجهة جحافل الجهل. الدين استخدمه أولياء التخلف درعاً يردون به زخم قوة الفكر والإبداع والحرية. منذ القرن الثاني عشر وحتى القرن التاسع عشر تدفق الفكر الإنساني الجديد. عاشت البشرية حروباً في بقاع شتى من العالم تحت رايات مختلفة وأهداف مشروعة أو غير مشروعة. الاستعمار لوَّن حقباً طويلة من التاريخ. سالت أنهار من الدماء دافع فيها وطنيون عن استقلال بلدانهم في مواجهة جيوش جرارة غازية. كانت تلك المعارك مواجهة دامية بين الرؤوس والجيوش. معارك الحرية الدامية على الأرض هي حلقة من حلقات حرية التفكير في الرؤوس. الاستعمار عاش ردحاً من الزمان هنيئاً فوق الأراضي المُستعمرة، ارتفعت نار المقاومة مع ارتفاع صوت فكر الحرية الذي أشعل نار التحرير.
شهد العالم تحالفات عسكرية امتدت في مساحات عابرة للقارات. ولدت تكتلات اقتصادية وسياسية، غاب التحالف والتكتل الفكري بين النخب العالمية في مراحل طويلة من التاريخ. لكن تراجع الأمية، واتساع مدى التعليم، والعولمة الإنسانية المدعومة بقوة وسائل التواصل والاتصال ووسائل الإعلام الكونية، أسست تحالف الحرية الفكرية، حلف الرؤوس الذي يجهز على خنادق الطغيان ويردع تحالف الجيوش.
التطرف الديني والقومي قوة الموت تحارب بسلاح دخاني يخنق حفرها، قبل أن يقتل من يواجهها. التخلف جيش يكفر التفكير، معركة عاشها التاريخ عبر القرون، لكن التطرف ميت يولد من ميت لا يحمل في داخله أنفاس الحياة. سقراط عالم من الحياة عابر للمكان والزمان، والذين قدموا له كأس السم رُدموا تحت تراب الماضي.
الفكر أقوى من كل وصفات الموت. فرنسا نابليون ساحت برجالها المسلحين بالبارود، انتصرت في حلقات وهزمت في أخرى، احتلت أجزاء من آسيا وأفريقيا وجنوب أميركا، وبريطانيا التي ارتفع علمها ردحاً من الزمن على أصقاع الدنيا وكذلك إسبانيا والبرتغال وروسيا، قوة سادت ثم زالت.
جيش العقل والفكر ليس له جنرالات يحملون الرتب والنياشين. لا تراتبية قيادية ومنظومات لإصدار الأوامر.
نقول: جيش هنا بمعنى (قوة الفعل) التي تفتح أبواب الحياة المتجددة بقوة الإنسان الكامنة في تكوينه. الفلاسفة والمفكرون قوة فتح وكبح. الطغاة والعنصريون والاستعمار، كانت القوة الغاشمة والقهر واحتقار الإنسان والتجهيل سلاحهم الأقوى، لكن الفكر الإنساني المتسلح بقوة الحرية والعدالة وخرائط الفكر، يسلب الطغاة قوتهم في صبر إعجازي ينساب إلى الرؤوس. تتهاوى قلاع الطرف الآخر في معركة لا يرونها، ويتقدم النصر بلا أرتال مجنزرة. العنف والطغيان لا يقهر إلا بقوة الفكر.
قال الفيلسوف برتراند راسل: (يخافون الأفكار أكثر من أي شيء، أكثر من الخراب، حتى أكثر من الموت. الأفكار لا ترحم المزايا، المؤسسات القائمة أو العادات المريحة لا تحكمها القوانين ولا تبالي بالسلطة. الأفكار سريعة وحرة ومجانية، إنها الشعلة المضيئة للعالم، إنها مجد الإنسان الحقيقي).
نحن على أبواب عالم مختلف يتحرك بعصبية معسكرة اقتصادياً وسياسياً. العنف في صور دامية من كيانات مجنونة، لا تقيم للحياة الإنسانية قيمة. تراجعت قوة الفكر التي تفتح باب الإبداع الذي يكتب صفحات جديدة لعالم جديد. فعالية الفكر بطيئة عكس فعالية التطرف العنيف الذي يتوجه إلى القاصرين، يقدم لهم عالماً وهمياً بديلاً، يكونون فيه فوق الآخرين، أبطالاً سيغيرون الدنيا عنوة، كل فرد منهم يعتقد أنه يجمع في ذاته كل العظماء والأقوياء في التاريخ.
هذه الحالة تختلف عندما يواجه الفكر شخصاً طاغية يسيطر بالقوة على بلاده ومقدراتها مثل هتلر وستالين وموسوليني وغيرهم. التنظيمات الإرهابية هي تجمع مشوه من عناصر مشوهة. أشباح تتكوّم حول جنون الدم، تصنع منه كياناً في عالم خاص لا قيمة لمن هو خارجه، بل حتى من هم بداخله، يفقدون أي قيمة إذا حاولوا أن يكونوا من حملة العقل، مناقشة عقيدة الوهم أو التراجع عنها أو عن بعضها تعني الإزالة من الوجود.
للأسف، المرض يعدي، الصحة لا تعدي.
العالم يحتاج إلى تحالف فكري واسع، فوق الآيديولوجيات والحسابات السياسية. الأنظمة السياسية في العالم اليوم تفرقها أنانية تقفز فوق الاستحقاقات الوجودية، من قضية المناخ إلى كارثة الهجرة غير القانونية، والأوبئة، والفقر. المعركة العالمية اليوم بين الحياة والموت. التطرف الديني والعنصري وباء العصر يهدد الغني والفقير، الكبير والصغير، لا يمكن مواجهته بغلق الحدود، أو بسياسات منفردة، التحالف الكوني ضد وباء الجنون الدموي خطه الأول قوة تنوير وحداثة إنسانية شاملة، تسخر لها إمكانيات العقل البشري القادرة على تأسيس حالة وعي إنساني وثقافة التسامح المتعالية فوق الحدود السياسية للأوطان. قوة الرؤوس أقوى من الجيوش.

التعليقات

محمد على
البلد: 
ليبيا - طرابلس
10/02/2018 - 10:38

حددت اخي عبدالرحمن ان التطرف الديني والعنصري هم وباء العصر يهدد الفقير والغني والصغير والكبير ، معك يوجد تطرف ديني وهو التطرف الذي يحاربه الدين نفسه واقصد دين الاسلام لانه هو المقصود دائماً ونعلم ان ديننا ينبذ التطرف والغلو فيه ولكن نعلم ان وجوده وازدايده في هذا العصر او نتيجة لظلم والاستبداد من دول وما شنته من حروب لاحتلال الاوطان وتغيب هويتها وتنصيب حكام مستبدين مما زاد من التطرف في غياب الوعي والتنوير وفهم الدين كما جاء من رب العالمين فمعه تطرف الدول وفرض سياسة الاستبداد علينا يتضح في عصرنا انتشار التطرف العلمانيين ونلاحظه الان بمصر وليبيا مثلا فنعم وباء العصر بل منذ زمن هو تطرف علماني وديني وعنصري واعتقد هذا سيستمر ليوم الدين فانها السنن ولكن يمكن للانسان بقوة الرؤوس ان يقلل منها لنعيش حياة افضل حيث ما يجري الان بالعالم محير جدا وللاسف

Dr Ibrahim Abbas
البلد: 
Here
10/02/2018 - 20:52

هذه سنن الحياة ، صراع بين الوعي و الذكاء ،وبين الاداب والعلوم ،وصراع بين الحق والباطل

سمير عبد الحي
البلد: 
استراليا
11/02/2018 - 10:23

مقال تنويري ولكن المصابيح مفقودة!!
شَرَائِعُ النُفوُسِ البَشَرِيَّةِِ الفَاسَدَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ هَيَ الحَاكِمَةً والغَالِبَةُ عَلىَ الشَّرِيِعَةِ الإلَهِيّةِ*لِتَحْيَا النُّفوُسُ الشِّرِّيرَةِ وتَحْصِدُ ماَ زَرَعَتْ مَنَ بُزوُر الحَقدِ والكَرَاهِيَّة والْمَكْرُ السَّيِّئُ بَيْنَ البَشَرِ ، ولِتَذُوقَ سُموُمِ طَحِينِ مَكْرِهَا قْوْلُ رَبِّنَا[ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ] وما أدراك ما سنة الأولين!!! سنة الدمار ، دمار عاد وثمود ، ووعد الآخرة أتية لا محالة [ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا].

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة