النظام الإيراني ومحددات المظاهرات الشعبية

النظام الإيراني ومحددات المظاهرات الشعبية

الأربعاء - 8 جمادى الأولى 1439 هـ - 24 يناير 2018 مـ رقم العدد [14302]
بعد أسبوعين من المظاهرات الشعبية في إيران ومطالبها المشروعة، أعلن النظام الإيراني القضاء على تلك المظاهرات التي لم تكن تعدو «حركات تخريبية منقادة من الخارج»، ومن يقومون بها ليسوا سوى - من منظور المرشد الإيراني - تابعين لمخابرات أجنبية. نسير مع القارئ الكريم لنستعرض نظرة تحليلية لتلك المظاهرات والمحددات التي حالت دون تحقيق ما كانت تصبو له.
كان لمشروعية المظاهرات التي انطلقت بداية في مدينة مشهد الإيرانية تأثير يمكن رصده من جانبين؛ الجانب الأول الترحيب الشعبي بالمظاهرات، انطلاقاً من مشروعية مطالبها من ناحية الوضع المعيشي المتردي في مقابل اختلاسات وفساد من مسؤولين كبار دون رد فعل واضح من قبل النظام تجاههم، هذا الأمر بدوره ساهم في أن تتبع تلك المظاهرات، مظاهرات أخرى عمت أرجاء إيران.
الجانب الآخر، تريث من قبل النظام الإيراني في مواجهته تلك المظاهرات بطريقة عنيفة؛ انطلاقاً من أن رد الفعل هذا ربما يدفع إلى مزيد من ردود الفعل القوية من قبل الشعب الإيراني نتيجة منطقية المظاهرات التي تستند إلى مطالب لا يمكن للنظام الإيراني إنكارها.
ولكن، ومع اتساع نطاق المظاهرات الشعبية، انطلق النظام الإيراني للبحث عن مبررات لمواجهة هذه المظاهرات دون إغفال لمطالبها والأسباب التي دفعت إليها. هذه الخطوة أعطت للنظام الإيراني التالي: أولاً: البدء في عملية مواجهة هذه المظاهرات، والتدرج في تصعيد المواجهة ضدها، انطلاقاً من أن بين المتظاهرين من هو عميل للمخابرات الأجنبية؛ كما قال المرشد الإيراني. هذه الخطوات دفعت إلى التأثير على المظاهرات ومحاولة التمييز بينها وبين من يقوم بها.
ثانياً: الإبراز للمجتمع الدولي بأن النظام الإيراني ليس ضد المظاهرات وحق التعبير والحريات، وإنما جاء ذلك التحرك من منطلق أن هناك من يسعى إلى أخذ المظاهرات، من منظور النظام الإيراني، إلى اتجاهات بعيدة عن المطالب المشروعة.
تأسيساً على ذلك، اتخذ النظام الإيراني خطوات ساهمت في انخفاض مستمر لتلك المظاهرات؛ منها اعتبار أن هناك عناصر مندسّة في المظاهرات تسعى إلى توظيف تلك المظاهرات توظيفاً هدفه التأثير سلباً على النظام الإيراني، ثم البدء في نشر قوى الأمن بصورة مكثفة في الميادين المهمة بالمدن، خصوصاً في طهران لرمزيتها السياسية، تزامن معه عرقلة وصول فيديوهات وصور المظاهرات إلى الخارج وحرمان المتظاهرين من استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للتنسيق بينهم، فتم بداية إغلاق تطبيق «تليغرام» الذي يستخدمه 40 مليون إيراني، وتطبيق «إنستغرام»، ولاحقاً إبطاء سرعة الإنترنت بحيث أصبح من الصعوبة رفع مقاطع الفيديو إلى المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل.
كما قام النظام الإيراني بتوحيد الخطاب؛ سواء من خلال الحكومة ممثلة في روحاني ووزرائه، أو من خلال بقية مؤسسات النظام الإيراني بما فيها «الحرس» والجيش. وكذلك الدفع على ما يبدو بالتيار الإصلاحي لرفض تلك المظاهرات واعتبارها مسيّسة من الخارج، وهو ما ظهر من خلال تصريحات كثيرين منه، والبيان الذي خرجت به «رابطة علماء الدين المناضلين (روحانيون)» الذي ذكر أن الحريات والمظاهرات مكفولة، ولكن البيان ذكر رفضه استغلال هذه المظاهرات من الخارج. وختاماً توسيع نطاق الاعتقالات بين المتظاهرين والطلاب حتى بات جزء من المظاهرات منصبّاً على الهتافات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين.
لقد جاء الموقف الدولي بوصفه عاملاً سلبياً انعكس تأثيره في انحسار تلك المظاهرات التي كانت تعوّل كثيراً على الدعم الدولي الذي سيعطيها مساحة من الاستمرار في مقابل ممارسة ضغوط على النظام الإيراني. فرغم تصريحات ترمب القوية وبقية مسؤولي إدارة البيت الأبيض تجاه دعم المظاهرات الشعبية في إيران، فإن النظام الإيراني استمر في قمع تلك المظاهرات وتوسيع نطاق الاعتقالات. استمر ذلك الوضع، وجاء الوقت الذي كان فيه الداخل الإيراني ينتظر أن يحول ترمب تصريحه الذي قال فيه: «سنتدخل في الوقت المناسب لدعم المظاهرات» إلى واقع ملموس، غير أن ذلك الأمر لم يتحقق. كما أن اجتماع مجلس الأمن والفشل الأميركي الواضح في إدانة النظام الإيراني ودعم المتظاهرين في مقابل رغبة أوروبية - روسية في عدم التصعيد، أعطى رسالة واضحة للمتظاهرين بأن الدعم الدولي بعيد المنال عنهم.
الحقيقة أن فقدان عوامل كثيرة يجعل من أي مظاهرات مستقبلية في إيران تحت قبضة النظام الإيراني وسيطرته، ودون وجود إرادة دولية وظروف داخلية ضاغطة على النظام الإيراني، فإن أي مظاهرات مقبلة سيحكم عليها بالفشل. ومن الجدير ملاحظته هنا أن هذه المظاهرات قد دفعت بالشعب الإيراني إلى جرأة أقوى في مواجهة النظام الإيراني، هذا المستوى الجديد سيلعب دوراً في المستقبل إذا توفرت الأدوات الأخرى في دعم المظاهرات.
لقد استطاع النظام الإيراني وعبر خطط واضحة له أن يجعل عامل المصلحة الاقتصادية لدى الغرب أقوى من شعارات الديمقراطية والتوجهات السابقة في إسقاط النظام الإيراني.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة