الزنجبيل لعلاج مرض السكري

دراسة حديثة تعيد التذكير بالجدوى الصحية له

الزنجبيل لعلاج مرض السكري
TT

الزنجبيل لعلاج مرض السكري

الزنجبيل لعلاج مرض السكري

لطالما طُرح هذا السؤال في أوساط التغذية الإكلينيكية: هل يُمكن للزنجبيل أن يُساعد مرضى السكري في ضبط ارتفاعات نسبة السكر في الدم، أو في تخفيف سرعة ظهور مضاعفات وتداعيات السكري؟

إجابات مدعومة بالأدلة

والآن يبدو أن ثمة إجابات مدعومة بأدلة علمية تُشير إلى ذلك، فهو يُخفّض سكر الدم، ويُخفّض الالتهابات بفعالية. وذلك مما أكدته مراجعة علمية منهجية رفيعة المستوى للأدلة الإكلينيكية، قام بها باحثون من الولايات المتحدة، حول الفوائد الصحية الواسعة للزنجبيل، والتي استعرض فيها الباحثون تأثيراته المضادة للالتهابات، وتخفيف الغثيان أثناء الحمل NVP، ومرض السكري. ومع تأكيد إمكانية استخدامه على أنه علاج طبيعي آمن، ولكن بعدة ضوابط صحية في الكمية المُتناولة، ومراجعة الأدوية التي يتناولها الشخص بشكل يومي، واستشارة الطبيب المعالج.

ووفق ما تم نشره ضمن عدد بداية أغسطس (آب) الماضي من مجلة «آفاق علم الصيدلة» Frontiers in Pharmacology، قام باحثون في كلية بوريل للطب التقويمي وكلية الطب بجامعة ميرسر في الولايات المتحدة الأميركية بمراجعة عدد من الدراسات الإكلينيكية السابقة التي صدرت في الفترة ما بين عامي 2010 و2025، والتي تناولت بالبحث آثار الزنجبيل على الالتهاب، وسكر الدم، وغيرهما من المؤشرات الفسيولوجية، ما قد يُفيد في استخدامه على أنه غذاء وظيفي.

ورغم استمرار وجود قيود على جودة الدراسات واتساقها، أكدت نتائجهم أن مكملات الزنجبيل تُقلل بشكل ملحوظ من العلامات الرئيسة للالتهابات، وتُخفض مستوى السكر في الدم، ومستويات الهيموغلوبين السكري HbA1c لدى مرضى السكري من النوع الثاني T2D، وتُحسّن من مستويات المواد المضادة للأكسدة في الجسم.

وسائل علاج طبيعية

ومن المهم التعامل مع مرض السكري بتلقي المعالجات الطبية المعتمدة أولاً، نظراً للمضاعفات والتداعيات المرضية عميقة التأثير للمرض. ولكن باعتباره خطوة «مُكملة»، يمكن الاستفادة من الوسائل العلاجية الطبيعية التي ثبتت جدواها الإكلينيكية، دون إهمال المتابعة الطبية، وتلقي المعالجات الطبية المعتمدة. ذلك أن مع تغيرات نمط الحياة والبيئة المعيشية، يتزايد انتشار داء السكري من النوع الثاني بمعدلات مثيرة للقلق. ووفقاً للبيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي للسكري International Diabetes Federation، فقد ارتفع عدد مرضى السكري إلى 415 مليوناً بحلول عام 2015، ومن المتوقع أن يعاني 10 في المائة من البالغين من داء السكري في عام 2040.

وفي الوقت نفسه، زادت متلازمة التمثيل الغذائي (MetS)، وهي عامل خطر مهم لمرض السكري، من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني بنحو خمسة أضعاف، ووصل معدل الإصابة به إلى ربع سكان العالم البالغين (الاتحاد الدولي للسكري، 2017). ويشترك مرضى داء السكري من النوع الثاني أو متلازمة التمثيل الغذائي في خصائص مشتركة تتمثل في ارتفاع نسبة السكر في الدم، وانخفاض حساسية الإنسولين، والسمنة، واضطراب كولسترول ودهون الدم، وارتفاع ضغط الدم، والتي غالباً ما تظهر مجتمعةً بدلاً من أن تظهر منفردة.

الزنجبيل غني بمضادات الأكسدة

والحقيقة أن البشر منذ القدم، استخدموا الأعشاب والتوابل لأكثر من مجرد مُحسِّنات للنكهة، بل لتعزيز الصحة، وعلاج الأمراض. ولدى كثير من شعوب العالم القديمة، استُخدم الزنجبيل لآلاف السنين لعلاج كل شيء.

والزنجبيل يتميز بنكهة عطرية لاذعة مُشتقة بالأساس من مركبات نشطة بيولوجياً، من أشهرها الجنجيرول، والشوغول. وكثير من الباحثين الإكلينيكيين سعوا بالفعل، وخاصة خلال العقود الأخيرة، إلى الالتفات إلى هذا الأمر. ذلك أن من غير الصحيح إهمال الموروثات العلاجية القديمة.

ولذا تم إجراء العشرات من الدراسات العلمية، في مناطق عدة من العالم، لاستكشاف إمكانات الزنجبيل في معالجة حالات مرضية، مثل مرض السكري من النوع الثاني، والإجهاد التأكسدي، والغثيان والقيء المرتبطين بالحمل. ولأسباب عدة، كانت نتائجها في الغالب متضاربة ومُربكة، مما يُصعِّب على الأطباء والمستهلكين اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الاستهلاك، والجرعة.

وقال الباحثون: «تُشير الدراسات إلى أن الزنجبيل يُمكن أن يُخفض مستوى السكر في الدم أثناء الصيام، ويُحسّن مستوى الدهون في الدم من خلال تعزيز وظيفة إنزيم مضادات الأكسدة، لاحتوائه على أكثر من 40 مركباً كيميائياً تعمل مضادات للأكسدة. وقد أثبتت التجارب السريرية قدرة الزنجبيل على تقليل الإجهاد التأكسدي، والالتهابات».

وفي هذا الجانب أوضحوا بالقول: «يلعب الإجهاد التأكسدي دوراً محورياً في الشيخوخة، والعديد من الأمراض المرتبطة بها، بما في ذلك أمراض القلب والشرايين، والخرف، والتهاب المفاصل، وهشاشة العظام، والسرطان، مما قد يؤدي إلى انخفاض جودة الحياة، وزيادة العبء الاقتصادي على المجتمعات».

وأفاد الباحثون في ملخص نتائجهم بالعناصر التالية:

-ارتبط تناول مكملات الزنجبيل بانخفاضات ملحوظة في مستويات البروتين التفاعلي سي CRP، وعامل نخر الورم ألفا TNF - α، إنترلوكين - 6 IL - 6، مما يشير إلى نشاطه المضاد للالتهابات.

-لدى مرضى السكري من النوع الثاني، خفض الزنجبيل بشكل ملحوظ مستوى الهيموغلوبين السكري HbA1c، ومستوى سكر الدم بعد الصوم FBG، ما يُعزز آثاره المفيدة في مرض السكري من النوع الثاني.

-لوحظت تأثيرات مضادة للأكسدة من خلال انخفاض مستويات المالونديالدهيد Malondialdehyde، وزيادة نشاط الغلوتاثيون بيروكسيديز Glutathione Peroxidase. ما يعكس نشاطه المُضاد للأكسدة.

-لدى النساء الحوامل، خفف الزنجبيل بشكل ملحوظ من أعراض الغثيان. ويُمكن اعتبار الزنجبيل خياراً آمناً وفعالاً بشكل عام غير دوائي للنساء اللواتي يُعانين من القيء اللاإرادي (NVP).

-استُخدمت جرعات تتراوح بين 1 و3 غرامات يومياً بشكل شائع لأغراض مضادة للالتهابات، ومضادات الأكسدة، ومضادات السكري، مع آثار جانبية ضئيلة.

-استُخدمت جرعات تتراوح بين 500 و1500ملغم يومياً على جرعات مقسمة لعلاج غثيان المعدة.

-هناك حاجة إلى المزيد من التجارب العشوائية واسعة النطاق والتحليلات التلوية لتأكيد التأثيرات الدوائية للزنجبيل، وتحديد مؤشراته السريرية.

مُنتج طبيعي آمن يُخفض سكر الدم ويقلل الالتهابات بفعالية

ضوابط صحية لكمية الزنجبيل المتناولة بشكل يومي

تشير مراجعة علمية لباحثين طبيين من جامعة ماريلاند الأميركية بشأن العلاج بالأعشاب إلى ضرورة عدم تقديم الزنجبيل للأطفال الأقل من عمر سنتين. ويُمكن للأطفال الأكبر من عمر سنتين أن يتناولوا الزنجبيل لمعالجة الغثيان، أو آلام البطن، أو الصداع. والجرعة التي يتناولها طفل بوزن يتراوح ما بين 20 إلى 25 كيلوغراماً هي نحو ثُلث الجرعة التي يُمكن للبالغ بوزن نحو 70 كيلوغراماً تناولها.

وبالعموم كما يقول هؤلاء الباحثون، فإن على البالغ عدم تجاوز كمية 4 غرامات من الزنجبيل الطازج في اليوم الواحد. أي ما يُعادل نحو 1 غرام من مسحوق الزنجبيل الجاف. ولذا فإن الحامل التي تُعاني من الغثيان والقيء يُمكنها تناول أربع جرعات من مسحوق الزنجبيل الجاف، كل جرعة تحتوي على ربع غرام.

ووفق ما تشير إليه العديد من المصادر الطبية، فإن من المهم بالنسبة لمرضى القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم ثلاثة أمور، هي:

-لا يتناول المرء الزنجبيل بديلاً لأي دواء علاجي، مثل الأسبرين، أو دواء خفض الكولسترول، أو خفض ضغط الدم، بدعوى أن الزنجبيل سيحقق الغاية نفسها.

-أن تكون كمية ما يتناوله المرء من الزنجبيل بشكل يومي كمية معتدلة، أي لا تزيد عن 1 غرام، أو نصف ملعقة شاي من مسحوق الزنجبيل الجاف.

- أن يُخبر المريض طبيبه بأنه يتناول الزنجبيل بشكل يومي، وكمية ذلك تقريباً.

وبالنسبة للمرضى الذين تتطلب حالتهم المرضية تناول أدوية لزيادة سيولة الدم، فإن عليهم التنبيه إلى أن الزنجبيل يزيد من سيولة الدم أيضاً. وتأثيرات الزنجبيل على سيولة الدم تحصل عبر آليتين: الأولى: هي إضعاف قدرة الصفائح الدموية على الالتصاق ببعضها البعض عند تكوين خثرة التجلط الدموي. والآلية الثانية عبر إعاقة عمل المركبات الكيميائية التي تُوصف بـ«عوامل تكوين تخثر الدم». ولكن هذه التأثيرات طفيفة في زيادة سيولة الدم عند عدم تجاوز كمية 4 غرامات من الزنجبيل الطازج، أو 1 غرام من مسحوق الزنجبيل الجاف. ولذا فإن على المرضى الذين يتناولون أدوية زيادة سيولة الدم عدم الإفراط في تناول الزنجبيل، وليس عدم تناول الزنجبيل بالمطلق.

وتفيد إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA بأن الزنجبيل من التوابل التي تم في بعض الدراسات الطبية ملاحظة أن له تأثيرات على قوة تخثر الدم، وبالتالي التسبب بزيادة سيولة الدم، وفي نفس الوقت أشارت إلى أن دراسات أخرى لم تلاحظ أن للزنجبيل هذه التأثيرات على سيولة الدم. ولذا تنصح بضبط كمية الزنجبيل المتناولة من قبل عموم الناس، وعلى وجه الخصوص من قبل المرضى الذين يتناولون الأسبرين، أو الوارفرين، أو أي أدوية أخرى لها علاقة بسيولة الدم، أو المرضى الذين سيذهبون لإجراء عمليات جراحية. كما تجدر ملاحظة أن تناول الزنجبيل ليس بديلاً لتناول الأدوية التي يصفها الطبيب لزيادة سيولة الدم، أو لإعاقة التصاق الصفائح الدموية ببعضها البعض.

هذا وتنصح الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد بتناول الزنجبيل باعتباره أحد العلاجات المنزلية الفاعلة وثابتة الجدوى في تخفيف مشكلة الغثيان والقيء لدى الحوامل. وتحديداً، يُشير الباحثون من جامعة ماريلاند إلى أن إجمالي كمية 1 غرام من الزنجبيل، موزعة على عدة فترات، كافية خلال اليوم لتلك الغاية.


مقالات ذات صلة

الخوخ مقابل البطيخ: أيهما أفضل لسكر الدم؟

صحتك البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)

الخوخ مقابل البطيخ: أيهما أفضل لسكر الدم؟

يُعدّ الخوخ والبطيخ من الفواكه الحلوة المذاق بشكل طبيعي، لكنهما يؤثران على نسبة السكر في الدم بشكل مختلف إلى حد ما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تناول كميات كبيرة من البروتين يمنح شعوراً قوياً بالشبع (بيكسلز)

هل الإفراط في تناول البروتين يسبب الإمساك؟

مع تزايد الاهتمام بتناول البروتين، سواء بهدف بناء العضلات أو تعزيز الشعور بالشبع، أصبح هذا العنصر الغذائي حاضراً بقوة في الأنظمة الغذائية اليومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممارسة التمارين الرياضية بانتظام خلال منتصف العمر ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

لذاكرة أفضل... 6 عادات يومية طبيعية قد تساعدك على تعزيزها

الذاكرة من أهم القدرات التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية، فهي لا تقتصر على تذكّر المعلومات والبيانات، بل تدخل في تفاصيل كثيرة نمارسها بصورة تلقائية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الفلفل الحلو غني بمضادات الأكسدة (بيكسلز)

الفلفل الحلو... 4 فوائد صحية تجعله جديراً بمائدتك

قد لا يتجاوز دور الفلفل الحلو في بعض الأطباق كونه إضافة ملونة تمنح الوجبة نكهة مميزة ومظهراً أكثر جاذبية، إلا أن قيمته الغذائية تتجاوز ذلك بكثير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البروتين الموجود في فضلات الصراصير قد يكون عاملاً محفزاً للحساسية (بيكسلز)

قد تكون حولك الآن... 8 أشياء شائعة تثير الحساسية

قد تظهر الحساسية عندما يتعامل جهاز المناعة مع مواد غير ضارة في الأصل على أنها تهديد للجسم، فيطلق استجابة دفاعية قد تتراوح بين أعراض بسيطة ومزعجة وتفاعلات شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الخوخ مقابل البطيخ: أيهما أفضل لسكر الدم؟

البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)
البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)
TT

الخوخ مقابل البطيخ: أيهما أفضل لسكر الدم؟

البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)
البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)

يُعدّ الخوخ والبطيخ من الفواكه الحلوة المذاق بشكل طبيعي، لكنهما يؤثران على نسبة السكر في الدم بشكل مختلف إلى حد ما.

يحتوي الخوخ عموماً على مؤشر جلايسيمي (GI) أقل، في حين يحتوي البطيخ على نسبة أقل من الكربوهيدرات، وفق ما ذكره موقع «فيري ويل هيلث».

والمؤشر الجلايسيمي هو مقياس يوضح سرعة ارتفاع سكر الدم بعد تناول الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات.

علاقة الخوخ والبطيخ بسكر الدم

يحتوي الخوخ بشكل عام على مؤشر جلايسيمي أقل من البطيخ. وبينما تم تصنيف بعض قياسات البطيخ على أنها متوسطة إلى عالية على مقياس (GI)، تكون قياسات الخوخ أقل بشكل عام.

لكن يحتوي البطيخ على نسبة أقل من الكربوهيدرات، حيث يتكوّن في معظمه (91 في المائة) من الماء. وتتحول الكربوهيدرات عند هضمها إلى غلوكوز (سكر الدم)، مما يؤدي إلى رفع مستوياته في الجسم.

بدوره، يحتوي الخوخ على كمية أكبر من الألياف الغذائية مقارنة بالبطيخ. وتساعد الألياف في تنظيم واستقرار مستويات سكر الدم عن طريق إبطاء امتصاص الغلوكوز ومنع الارتفاعات المفاجئة في مستويات سكر الدم بعد الوجبات.

حجم الحصة أهم من المؤشر الجلايسيمي

بإمكان جزء كبير من الأطعمة ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض أن يوفّر كمية كبيرة من الكربوهيدرات، إذا تم تناول حصة كبيرة منها. لذلك فإن حجم الحصة التي يتم تناولها أهم من المؤشر الجلايسيمي.

ويتناسب كل من الخوخ والبطيخ بشكل آمن مع نمط الأكل المتوازن، بما في ذلك بالنسبة إلى العديد من الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري. وللتحكم في نسبة السكر في الدم، ركّز على حجم الحصة وإجمالي كمية الكربوهيدرات واختر الفاكهة الكاملة بدلاً من العصير.

ويمكنك اختيار الخوخ إذا كنت تبحث عن فاكهة ذات مؤشر جلايسيمي أقل مع المزيد من الألياف. فيما يمكنك اختيار البطيخ لمحتواه الأقل من الكربوهيدرات ومحتواه المائي الأعلى بما يمنح ترطيباً أكثر.


ماذا يفعل التوتر المزمن بالقلب قبل أن نشعر به؟

الحياة تضغط أحياناً من الجهة التي لا نراها (جامعة ولاية أريزونا)
الحياة تضغط أحياناً من الجهة التي لا نراها (جامعة ولاية أريزونا)
TT

ماذا يفعل التوتر المزمن بالقلب قبل أن نشعر به؟

الحياة تضغط أحياناً من الجهة التي لا نراها (جامعة ولاية أريزونا)
الحياة تضغط أحياناً من الجهة التي لا نراها (جامعة ولاية أريزونا)

توصّلت دراسة بريطانية واسعة النطاق إلى أنّ التوتر المزمن المرتبط بظروف الحياة اليومية قد يؤدّي إلى تغيّرات هيكلية طويلة الأمد في القلب، بما قد يزيد خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، حتى قبل ظهور أيّ عوارض واضحة لأمراض القلب.

وأوضح باحثون في مختبرات مجلس البحوث الطبية البريطانية، بالتعاون مع إمبريال كوليدج لندن، أنّ الأضرار المرتبطة بالتوتر المزمن قد تبدأ في بنية القلب ووظيفته قبل ظهور عوارض، مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس. ونُشرت النتائج، الخميس، في «المجلة الأوروبية لأمراض القلب الوقائية».

والتوتر المزمن هو حالة يتعرَّض فيها الجسم للضغط النفسي لمدّة طويلة، ما قد يبقي استجابة التوتر نشطة بصورة مستمرة. ومع الوقت، قد يرتبط ذلك باضطرابات في النوم والتمثيل الغذائي ووظائف المناعة، ويُسهم في ارتفاع مستويات الالتهاب المزمن، الذي يرتبط بدوره بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وحلَّل الباحثون بيانات نحو 480 ألف شخص بالغ في المملكة المتحدة، في دراسة وصفوها بأنها من أكبر الدراسات من نوعها. وركزوا على الالتهاب المزمن، وهو حالة من التنشيط المستمر ومنخفض الدرجة للجهاز المناعي، ترتبط بأمراض عدّة، من بينها السرطان والسكري، ويُنظر إليها على أنها أحد العوامل التي تُسهم في الإصابة بأمراض القلب.

واستخدم الفريق بيانات البنك الحيوي البريطاني، إلى جانب صور للقلب وبيانات وراثية، وقياس مستويات «غليكوبروتين أسيتيلات» في الدم، وهي علامة حيوية يمكن استخدامها لتقدير مستوى الالتهاب المزمن.

وأظهرت النتائج أنّ الأشخاص الذين سجّلوا أعلى مستويات الالتهاب، أيّ ضمن أعلى 20 في المائة من المشاركين، كانوا أكثر عرضة بنسبة 43 في المائة للإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، مقارنةً بمن لديهم أدنى المستويات، حتى في غياب مرض قلبي معروف سابقاً.

كما ارتبط ارتفاع الالتهاب بتغيّرات صامتة في بنية القلب، شملت زيادة سماكة جدرانه، وصغر حجراته، وتراجع قدرته على الامتلاء بالدم. وقد تتطوّر هذه التغيّرات تدريجياً على مدى سنوات من دون عوارض واضحة، قبل أن تتقدّم في بعض الحالات إلى قصور القلب.

ووجد الباحثون ارتباطاً قوياً بين ارتفاع مستويات الالتهاب والحرمان الاجتماعي والاقتصادي والضغوط النفسية، إلى جانب عوامل الخطر المعروفة، مثل التدخين وزيادة الدهون في الجسم وقلة النشاط البدني. كما أظهرت البيانات تأثيراً وراثياً، إذ قد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة للأضرار المرتبطة بالالتهاب من غيرهم.

وأشار الباحثون إلى أنّ النتائج توضح كيفية تفاعل العوامل الوراثية ونمط الحياة والصحة النفسية والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتأثيرها في مستويات الالتهاب والتغيرات القلبية. كما سلّطت الدراسة الضوء على بروتينات التهابية قد تؤدّي دوراً رئيسياً في هذه التغيّرات.

ومع ذلك، شدَّد الباحثون على أنّ الاستعداد الوراثي أو التعرّض لظروف معيشية صعبة لا يعني حتمية الإصابة بأمراض القلب، مشيرين إلى أنّ الإقلاع عن التدخين والسيطرة على السمنة وتحسين النشاط البدني والصحة النفسية قد يساعد في الحدّ من عوامل الخطر والالتهاب المزمن.


الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة سرطان الثدي قبل سنوات

سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)
سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)
TT

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة سرطان الثدي قبل سنوات

سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)
سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)

بيّنت دراسة أميركية أنّ اختباراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبّؤ بخطر عودة سرطان الثدي في مراحله المبكرة بدقة أكبر من اختبار جيني شائع، خصوصاً في تحديد احتمالات عودة المرض بعد أكثر من 5 سنوات من التشخيص.

وأوضح باحثون في مستشفى «ماونت سيناي» بالولايات المتحدة أنّ الاختبار الجديد قد يوفر تقييماً أكثر تفصيلاً لخطر الانتكاس على المدى الطويل. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «إن بي جيه بريست كانسر».

وركزت الدراسة على سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات «HR+» والسلبي لمستقبل «HER2»، وهو النوع الأكثر شيوعاً من سرطان الثدي. ويشير خطر عودة المرض إلى احتمال ظهور الخلايا السرطانية مجدداً بعد انتهاء العلاج، سواء في الثدي أو الأنسجة القريبة أو أجزاء أخرى من الجسم. وقد تحدث عودة المرض خلال السنوات الأولى أو بعد سنوات طويلة؛ إذ يمكن لبعض الأورام الإيجابية لمستقبلات الهرمونات أن تعود بعد 10 أو 15 عاماً، وأحياناً بعد ذلك.

واعتمد الباحثون على بيانات وعينات أورام من 4429 مريضاً شاركوا في تجربة لبحوث السرطان، مع متابعة تجاوزت 11 عاماً. وطوّروا نموذجاً للذكاء الاصطناعي يُعرف باسم «IICM+»، يجمع بين صور رقمية لأنسجة الورم وبيانات سريرية، مثل عمر المريضة وحجم الورم ودرجته، إلى جانب معلومات جزيئية من لوحة تضم 42 جيناً.

واستخدم الباحثون بيانات 2808 مرضى لتطوير النموذج، ثم اختبروا أداءه بشكل مستقل لدى 1621 مريضاً آخرين. وقسموا حالات عودة المرض إلى انتكاس مبكر خلال السنوات الخمس الأولى، وانتكاس متأخر بعد أكثر من 5 سنوات.

وفي مجموعة التحقّق المستقلّة، بلغ مؤشّر التوافق للنموذج 0.735 في التنبؤ بالانتكاس البعيد إجمالاً، مقارنة بـ0.578 للاختبار التقليدي المكوّن من 21 جيناً. وعند التنبؤ بالانتكاس خلال السنوات الخمس الأولى، بلغ المؤشّر 0.791 للنموذج، مقابل 0.722 للاختبار الجيني، في حين وصل عند تقييم خطر الانتكاس بعد أكثر من 5 سنوات إلى 0.710، مقابل 0.514.

ووفق الباحثين، يشير ارتفاع هذه القيم إلى قدرة أفضل على التمييز بين المرضى وفق مستويات خطر عودة المرض. كما تمكّن النموذج من تحديد فروق في الخطر بين مرضى حصلوا على درجات متشابهة في الاختبار الجيني، ممّا يشير إلى أن دمج صور الأنسجة والبيانات السريرية والجزيئية قد يوفّر معلومات إضافية لا تظهر عند الاعتماد على المؤشّر الجيني وحده.

وأشار الفريق إلى أنّ هذه النتائج تكتسب أهمية خاصة؛ لأن أكثر من نصف حالات الانتكاس في هذا النوع من سرطان الثدي قد تحدث بعد مرور أكثر من 5 سنوات على الجراحة الأولية. ومع ذلك، أكد الباحثون أنّ النموذج لا يُعدّ بديلاً حالياً للاختبار الجيني التقليدي؛ إذ أثبتت الدراسة قدرته على التنبؤ بالخطر، لكنها لم تثبت بعدُ أنّ استخدامه لتوجيه القرارات العلاجية سيحسّن نتائج المرضى.

وأضاف الباحثون أنّ النموذج يحتاج إلى مزيد من الدراسات للتحقّق من أدائه لدى مجموعات مختلفة من المرضى، وتقييم إمكان استخدامه عملياً في اختيار العلاج.