زراعة الكبد... بارقة أمل جديدة لمرضى سرطان القولون والمستقيم

توظف لدى انتشار الخلايا السرطانية خارج موقعها

زراعة الكبد... بارقة أمل جديدة لمرضى سرطان القولون والمستقيم
TT

زراعة الكبد... بارقة أمل جديدة لمرضى سرطان القولون والمستقيم

زراعة الكبد... بارقة أمل جديدة لمرضى سرطان القولون والمستقيم

في تحول طبي يُعد الأول من نوعه على نطاق واسع، بدأت مراكز متقدمة في الولايات المتحدة - وعلى رأسها «مايو كلينك» - في اعتماد زراعة الكبد بوصفها خياراً علاجياً مبتكراً لمرضى سرطان القولون والمستقيم الذين يعانون من نقائل سرطانية محددة في الكبد، وهي فئة طالما عُدّت في السابق غير قابلة للجراحة، وتُترك غالباً للعلاج التلطيفي فقط. والنقائل (metastases) أو الانبثاثات، تتكون لدى هجرة الخلايا السرطانية من موقعها الأصلي إلى موقع آخر.

ورغم التقدم الطبي الكبير في علاج الأورام، لا تزال حالات السرطان النقيلي، خصوصاً تلك الناتجة عن سرطان القولون والمستقيم، تُشكل تحدياً كبيراً أمام الأطباء والمرضى على حد سواء. فعندما ينتشر الورم إلى الكبد، تقل فرص الاستئصال الجراحي، وتنحصر الخيارات غالباً في العلاج الكيميائي التلطيفي، ما ينعكس سلباً على نسب البقاء وجودة الحياة.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأ نهج علاجي جديد يُحدث تحولاً نوعياً في هذا المسار؛ إذ أصبحت زراعة الكبد تُطرح خياراً علاجياً فعّالاً لبعض مرضى النقائل الكبدية الناتجة عن سرطان القولون والمستقيم، لا سيما لمن استجابوا للعلاج الكيميائي، ولم يمتد السرطان لديهم إلى خارج الكبد.

وتُعد «مايو كلينك» من أوائل المراكز الطبية التي تبنت هذا التوجه، مستندة إلى نتائج سريرية مشجعة ودراسات متعددة التخصصات تُعيد رسم حدود ما هو ممكن في علاج هذا النوع المعقد من السرطان.

انتشار سرطان القولون والمستقيم

يُعد سرطان القولون والمستقيم من أكثر الأورام الخبيثة شيوعاً عالمياً، ويأتي في المرتبة الرابعة من حيث الانتشار في الولايات المتحدة بعد سرطانات الثدي، والرئة، والبروستاتا، لكنه يُصنّف بوصفه ثاني أكثر السرطانات تسبباً في الوفاة، مما يعكس خطورته العالية نسبياً مقارنةً ببعض الأنواع الأخرى ذات الانتشار الأوسع، وفقاً لجمعية السرطان الأميركية (American Cancer Society, 2024).

وغالباً ما يبدأ المرض بنمو لحميات صغيرة (adenomatous polyps) على بطانة القولون أو المستقيم، والتي قد تتحول لاحقاً إلى أورام خبيثة في حال لم تُكتشف مبكراً. ما يزيد من خطورته هو طبيعته الصامتة في مراحله المبكرة، إذ لا تظهر أعراض واضحة إلا في المراحل المتقدمة، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص ويحدّ من فرص التدخل الجراحي العلاجي الفعّال، وفقاً للمعهد الوطني للسرطان (NIH National Cancer Institute, 2023).

• السرطان النقيلي - حين ينتشر الورم خارج القولون. يُشخّص نحو 20 في المائة من مرضى سرطان القولون والمستقيم في مرحلة متقدمة يكون فيها الورم قد انتقل إلى أعضاء أخرى، وهي الحالة المعروفة بـ«السرطان النقيلي» أو «metastatic colorectal cancer».

ويُعد الكبد العضو الأكثر عرضة لتكوّن النقائل نتيجة لاستقباله الدم مباشرة من الجهاز الهضمي عبر الوريد البابي، ما يسمح بانتقال الخلايا السرطانية إليه بسهولة. ووفقاً للدليل التوجيهي للجمعية الأوروبية لعلم الأورام الطبي 2023 (European Society for Medical Oncology Guidelines, 2023)، فإن وجود النقائل الكبدية يغيّر من مسار العلاج جذرياً، حيث تُصبح العلاجات الموضعية مثل الاستئصال المحدود غير كافية، لذا يُعتمد على العلاج الكيميائي الممنهج، والعلاج الإشعاعي أحياناً، في إطار محاولة للسيطرة على المرض، وليس الشفاء منه بالضرورة.

• عبء النقائل الكبدية وحدود العلاج التقليدي. تشير الدراسات إلى أن نحو 25 في المائة من حالات انتشار سرطان القولون والمستقيم إلى الكبد تكون محصورة في الكبد فقط، دون إصابة أعضاء أخرى. وبحسب إجراءات «مايو كلينك»، 2022 (Mayo Clinic Proceedings, 2022)، فإنه في مثل هذه الحالات، قد يُفكر الأطباء في الاستئصال الجراحي إذا كان عدد البؤر السرطانية محدوداً، وموقعها مناسباً للجراحة.

لكن حين يكون الانتشار واسعاً داخل الكبد، أو موزعاً في مناطق متعددة، فإن خيار الاستئصال يُستبعد، ما يضع المريض أمام علاج كيميائي فقط، مع محدودية في السيطرة على المرض.

وتُظهر البيانات السريرية في إحدى الدراسات (Oslo Metastatic Colorectal Cancer Study Group, 2021)، أن معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات في هذه الفئة من المرضى لا يتجاوز 15 في المائة، وهو رقم يعكس التحدي الحقيقي الذي يمثله السرطان النقيلي، ويُبرز الحاجة إلى استكشاف خيارات علاجية أكثر شمولاً، مثل «زراعة الكبد.«

زراعة الكبد نهج علاجي جديد

مع ازدياد حالات النقائل الكبدية الناتجة عن سرطان القولون والمستقيم، وتراجع فاعلية العلاجات التقليدية في بعض الحالات المتقدمة، برزت زراعة الكبد خياراً علاجياً مبتكراً يُعيد الأمل لفئة من المرضى الذين كانوا يُصنّفون في السابق ضمن الحالات «غير القابلة للجراحة».

ووفقاً للدكتورة دينيس هارنويس (Dr. Denise Harnois)، اختصاصية زراعة الكبد في «مايو كلينك»، فإن هذا التوجه يُطبَّق فقط في ظروف محددة جداً، تشمل المرضى الذين:

-استجابوا جيداً للعلاج الكيميائي المبدئي.

-لم تظهر لديهم نقائل خارج الكبد، أي أن الورم لا يزال محصوراً داخل الكبد.

-وفي الوقت ذاته، لا يمكنهم الخضوع لجراحات استئصال الكبد التقليدية بسبب عدد أو موقع النقائل.

وتُشدد هارنويس على أن زراعة الكبد لا تُعد حلاً عاماً، بل تُخصَّص لفئة دقيقة من المرضى الذين يخضعون لتقييم شامل وصارم من حيث الحالة الصحية العامة، ومدى احتمالية تحمّلهم للجراحة الكبرى، ومدى استقرار الورم. وهذا ما يستدعي تشكيل فريق طبي متعدد التخصصات يجمع بين اختصاصيي الأورام، وأطباء زراعة الكبد، وأطباء الباطنة، والتغذية، والرعاية النفسية، لضمان تكامل القرار العلاجي.

ورغم حداثة هذا النهج، فإن البيانات الأولية تشير إلى نتائج واعدة؛ حيث لوحظ تحسن ملحوظ في نوعية الحياة ومعدلات البقاء على قيد الحياة مقارنةً بالعلاج الكيميائي وحده. وتُشير بعض الدراسات الإكلينيكية إلى أن معدل البقاء لخمس سنوات قد يتجاوز 50 في المائة ببعض الحالات المختارة، وهو ما يُمثّل نقلة نوعية مقارنةً بنسبة 15 في المائة في الخيارات التقليدية (Mayo Clinic Proceedings, 2023).

ويعكس هذا التوجه تحولاً تدريجياً في النظرة إلى مرضى السرطان النقيلي، حيث لم يعُد اليأس هو العنوان الوحيد؛ بل ظهرت أمامهم نافذة علاجية جديدة تستند إلى العلم، والانتقاء الدقيق، والتعاون الطبي المتكامل.

قصة من الواقع تعكس الأمل

وتبين القصة مسار العلاج من التشخيص القاتم إلى فرصة جديدة للحياة، إذ عرضت الدكتورة هارنويس قصة أحد مرضاها (غاري غونزاليس، 59 عاماً) التي تُجسد هذا التقدم العلاجي؛ وتُعدّ مثالاً حيّاً على ما يمكن أن تحققه زراعة الكبد من تحوّل جذري في حياة المرضى المصابين بسرطان القولون والمستقيم المنتقل إلى الكبد.

في سن الثانية والخمسين، شُخِّص غاري - المقيم في مدينة برومفيلد بولاية كولورادو - بإصابة بسرطان القولون والمستقيم. وكما يحدث في نسبة ليست بالقليلة من الحالات، لم يلبث الورم أن انتقل إلى الكبد خلال فترة وجيزة من التشخيص. ورغم خضوعه لعدة جولات مكثفة من العلاج الكيميائي، إلى جانب جراحتين لاستئصال أجزاء من الكبد، استمر المرض في التطور، وأصبح خارج نطاق السيطرة الجراحية التقليدية.

في هذه المرحلة، غالباً ما تُقابل الحالة بنظرة تشاؤمية، ويتم الاكتفاء بعلاجات تلطيفية. غير أن غاري حظي بفرصة لم تتوفر لكثير من أمثال حالته أعادت رسم معالم قصته، إذ جرى تقييم حالته ضمن برنامج تجريبي لزراعة الكبد لمرضى النقائل الكبدية الناتجة عن سرطان القولون والمستقيم. وبعد التحقق من ثبات الورم داخل الكبد فقط واستجابته الجيدة للعلاج الكيميائي، توافرت لديه معايير الأهلية الدقيقة لإجراء زراعة كبد.

وأُجريت العملية في يوليو (تموز) 2024 بنجاح، وبعد عدة أشهر من المتابعة الدقيقة والرعاية متعددة التخصصات، بدأ غاري يستعيد نمط حياته الطبيعي، متجاوزاً ليس فقط المرض؛ بل أيضاً الآثار النفسية الثقيلة التي ترافقه. وعبر غاري عن سعادته قائلاً: «أنا ممتن للغاية للمتبرع الذي أعطاني فرصة جديدة للحياة، وأصبح جزءاً مني ومن عائلتي».

إن قصة غاري تمثل أكثر من مجرد حالة طبية ناجحة؛ إنها شاهد على الإمكانات المتقدمة للطب الحديث حين تتضافر الجراحة الدقيقة، والعلاج الدوائي، والدعم النفسي والاجتماعي في منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة الأمل.

نهج جديد يُحدث تحولاً نوعياً في مسار علاج السرطان

ما الذي يحمله المستقبل؟

مع التوسع التدريجي في التجارب السريرية، وتراكم البيانات حول فاعلية زراعة الكبد في حالات النقائل الكبدية الناتجة عن سرطان القولون والمستقيم، بدأت ملامح مستقبل جديد تتشكل في الأفق العلاجي لهذا النوع المعقّد من السرطان. فقد كانت هذه الفئة من المرضى تُصنّف سابقاً ضمن الحالات «الميؤوس منها جراحياً»، حيث تُستبعد الجراحة تماماً بسبب التوزيع غير القابل للاستئصال داخل الكبد. أما اليوم، فإن زراعة الكبد تمنحهم فرصة علاجية حقيقية، تقوم على أسس علمية وانتقائية دقيقة.

وتُشير مراجعات سريرية متعددة، نذكر منها اثنتين: مجموعة دراسة مستشفى جامعة أوسلو، 2022 (Oslo University Hospital Study Group, 2022)؛ وتقارير فريق زراعة الأعضاء في «مايو كلينك»، 2024 (Mayo Clinic Transplant Team Reports, 2024)- تشير إلى أن نجاح هذا النهج مرتبط بعدة عوامل رئيسية:

-الاستجابة الجيدة للعلاج الكيميائي قبل الجراحة.

-الغياب الكامل للنقائل خارج الكبد.

-الاختيار الصارم للمرشحين بناءً على معايير واضحة ومُحددة.

-رعاية متخصصة في مراكز ذات خبرة عالية في الزراعة والأورام.

ومع تزايد هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز الحاجة الملحّة إلى توسيع نطاق اعتماد هذا النموذج العلاجي في مزيد من مراكز زراعة الكبد حول العالم، خصوصاً في الدول التي تواجه ارتفاعاً في معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. غير أن هذا التوسع يتطلب:

-وضع بروتوكولات موحدة لاختيار المرضى المؤهلين.

-تعزيز برامج التبرع بالأعضاء، لا سيما من المتبرعين الأحياء.

-توفير دعم لوجيستي ونفسي طويل الأمد لهؤلاء المرضى، نظراً لطبيعة العلاج المعقّدة واحتياجاتهم المتغيرة بعد الزراعة.

باختصار، يحمل المستقبل وعوداً ملموسة، لكن نجاح هذا النموذج على نطاق أوسع، يظل مرهوناً بإرادة طبية وتشريعية وتنظيمية قادرة على تحويل الأمل إلى واقع علاجي مستدام، ومنحه من جديد لمن كانوا على حافة فقدانه.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

صحتك الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك يُقدّم الشاي العديد من الفوائد الصحية (رويترز)

الشاي البارد مقابل الساخن... أيهما يحتوي على مضادات أكسدة ومغذيات أكثر؟

يُحضّر الشاي البارد بنقع أوراق الشاي في الحليب البارد أو الماء لعدة ساعات... فهل تُعد هذه الطريقة صحية أكثر؟ أم أن الشاي الساخن أفضل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صيدلي يتحقق من وزن أقراص الباراسيتامول في الهند (رويترز) play-circle

مراجعة علمية دقيقة تفند مزاعم ترمب: الباراسيتامول آمن أثناء الحمل

أظهرت مراجعةٌ علميةٌ دقيقةٌ للأدلة أن تناول الباراسيتامول أثناء الحمل لا يزيد من احتمالية إصابة الطفل بالتوحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الأشخاص المصابون بالاكتئاب الشديد هم أكثر عرضة للإصابة بالصداع النصفي بثلاث مرات (بيكسلز)

من الصداع إلى آلام الظهر: كيف يظهر الاكتئاب جسدياً؟

يعاني العديد من الأشخاص حول العالم من الاكتئاب، إلا أن كثيرين منهم قد لا يدركون إصابتهم به، إذ يميلون لربط الأعراض الجسدية التي يعانون منها بمشكلات صحية أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
TT

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة مباشرةً إلى مشروبك، بحسب موقع «ساينس أليرت».

وقال الموقع إن العالم يستهلك ما يُقدّر بـ500 مليار كوب سنوياً، وتناولت دراسة نُشرت في مجلة «المواد الخطرة»، تأثير البلاستيك في الأكواب عند تسخينها، وخلصت إلى أن الحرارة عامل رئيسي في إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، ومادة صنع كوبك لها تأثير أكبر مما تتصور.

ما الجزيئات البلاستيكية الدقيقة؟

هي شظايا بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد وخمسة ملليمترات تقريباً؛ أي ما يعادل حجم ذرة غبار إلى حجم حبة سمسم.

أكواب قهوة (رويترز)

وتتكون هذه الجزيئات عند تحلل المواد البلاستيكية الكبيرة، أو قد تنطلق مباشرةً من المنتجات في أثناء الاستخدام العادي، وينتهي بها المطاف في بيئتنا، وغذائنا، وفي نهاية المطاف، أجسامنا.

وحالياً، لا نملك أدلة قاطعة حول كمية هذه الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تبقى في أجسامنا.

والدراسات في هذا المجال عرضة للتلوث، ومن الصعب جداً قياس مستويات هذه الجزيئات الدقيقة في أنسجة الجسم بدقة.

ولا يزال العلماء يدرسون تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحة الإنسان على المدى البعيد، وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من الأبحاث، ولكن في الوقت الراهن، من الجيد أن نكون على دراية بمصادر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المحتملة في حياتنا اليومية.

وتُعدّ درجة الحرارة عاملاً مهماً، بحسب الدراسة التي قامت بتحليل بيانات من 30 دراسة، على أنواع البلاستيك الشائعة، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، في ظل ظروف مختلفة، وبرز عامل واحد فوق جميع العوامل الأخرى: درجة الحرارة.

أكواب القهوة

مع ارتفاع درجة حرارة السائل داخل الوعاء، يزداد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة عموماً.

وفي تلك الدراسات، تراوحت كميات الجزيئات المُطلقة من بضع مئات إلى أكثر من 8 ملايين جزيء لكل لتر، وذلك تبعاً للمادة المستخدمة وتصميم الدراسة.

ومن المثير للاهتمام أن «مدة النقع» - أي المدة التي يبقى فيها المشروب في الكوب - لم تكن عاملاً ثابتاً، ويشير هذا إلى أن ترك مشروبنا في كوب بلاستيكي لفترة طويلة ليس بنفس أهمية درجة حرارة السائل عند ملامسته للبلاستيك.

اختبار 400 كوب قهوة

وأوضح الفريق الذي قام بالدراسة أنه جمع 400 كوب قهوة: أكواب بلاستيكية مصنوعة من البولي إيثيلين، وأكواب ورقية مبطنة بالبلاستيك، تبدو كالورق ولكنها تحتوي على طبقة بلاستيكية رقيقة من الداخل.

وأجريت الاختبارات على الأكواب عند درجة حرارة 5 درجات مئوية (درجة حرارة القهوة المثلجة) و60 درجة مئوية (درجة حرارة القهوة الساخنة). وبينما أطلق كلا النوعين جزيئات بلاستيكية دقيقة، كشفت النتائج عن اتجاهين رئيسيين.

أولاً، للمادة المصنوعة منها الكوب أهمية، فقد أطلقت الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك كمية أقل من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة مقارنةً بالأكواب البلاستيكية بالكامل عند كلتا درجتي الحرارة.

ثانياً، الحرارة تُحفز إطلاق كميات كبيرة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، فبالنسبة للأكواب البلاستيكية بالكامل، أدى الانتقال من الماء البارد إلى الماء الساخن إلى زيادة إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بنسبة 33 في المائة تقريباً.

وإذا شرب شخص ما 300 ملليلتر من القهوة يومياً في كوب مصنوع من البولي إيثيلين، فقد يبتلع 363 ألف قطعة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة سنوياً.

كوب قهوة (بيكساباي)

لماذا تُعدّ الحرارة مهمةً للغاية؟

باستخدام التصوير عالي الدقة، فحصت الجدران الداخلية لهذه الأكواب، ووجد أن الأكواب البلاستيكية بالكامل تتميز بأسطح أكثر خشونة - مليئة بالنتوءات والانخفاضات - مقارنةً بالأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك.

وهذا الملمس الخشن يُسهّل تفتت الجزيئات، وتُسرّع الحرارة هذه العملية بتليين البلاستيك وتسببه في تمدده وانكماشه، مما يُؤدي إلى زيادة عدم انتظام السطح الذي يتفتت في النهاية إلى مشروبنا.

ووفقاً للدراسة، لسنا مضطرين للتخلي عن عادة شراء المشروبات الجاهزة صباحاً، ولكن يُمكننا تغيير طريقة تناولها، بالنسبة للمشروبات الساخنة، يُعدّ استخدام كوب قابل لإعادة الاستخدام مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ أو السيراميك أو الزجاج الخيار الأمثل؛ لأن هذه المواد لا تُطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة.

وإذا اضطررنا لاستخدام كوب للاستخدام لمرة واحدة، فتُشير أبحاثنا إلى أن الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك تُطلق عموماً جزيئات أقل من الأكواب البلاستيكية الخالصة، مع العلم أن كليهما لا يخلو من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.


«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
TT

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

ويُعتبر التحول من «إنقاص الوزن البسيط» إلى أدوية «متعددة الأنظمة» أهم هذه التغييرات.

وتتواصل التطورات الكبيرة في مجال إنقاص الوزن في العام الجديد، وذلك في أعقاب الأبحاث الرائدة حول أدوية GLP-1 التي تستعمل لفقدان الوزن وغيرها.

وتحدث خبراء إنقاص الوزن حول توقعاتهم لأهم التغييرات المتوقعة:

أدوية السمنة تُستخدم لمساعدة الأشخاص على فقدان الوزن الزائد (جامعة هارفارد)

1- التحول إلى علاج شامل للجسم

أوضح الدكتور بيتر بالاز، اختصاصي الهرمونات وإنقاص الوزن في نيويورك ونيوجيرسي، أن أهم تغيير هو على الأرجح تصنيف أدوية GLP-1 على أنها «معدلات أيضية متعددة الأنظمة» بدلاً من «أدوية إنقاص الوزن البسيطة».

وقال: «لم يعد الهدف من العلاج يقتصر على خفض مؤشر كتلة الجسم، بل يشمل الحدّ من المخاطر الأيضية القلبية الوعائية الشاملة، مع توثيق آثارها على الكبد والقلب والكلى والأوعية الدموية».

وأضاف: «نشهد انخفاضاً ملحوظاً في المضاعفات القلبية الوعائية الخطيرة وتطور أمراض الكلى».

ووفقاً لتوقعات الخبراء، سيتسع نطاق استخدام أدوية GLP-1 ليشمل مجالات أخرى غير إنقاص الوزن وعلاج السكري.

كما أشار الدكتور فيليب رابيتو، المتخصص في الغدد الصماء وإنقاص الوزن والصحة العامة في مدينة نيويورك، إلى أن هناك تطورات «واعدة» تنتظر أدوية إنقاص الوزن، بما في ذلك GLP-1 وGIP.

وأضاف: «تُظهر هذه الأدوية من الجيل الجديد، إلى جانب التركيبات المبتكرة التي تشمل الجلوكاجون ومحفزات الأميلين، نتائج مبهرة في إنقاص الوزن تفوق العلاجات المتاحة حالياً، مع إمكانية تحمل أفضل ونتائج مستدامة».

وتابع: «هناك أيضاً تفاؤل كبير بشأن الاتفاقيات الفيدرالية الجديدة مع الشركات المصنعة التي تهدف إلى جعل هذه الأدوية متاحة على نطاق أوسع وبأسعار معقولة لشريحة واسعة من المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

2- جرعات أكثر ملاءمة

ذكر بالاز أنه عادةً ما تُعطى أدوية GLP-1 عن طريق الحقن أسبوعياً، ولكن من المتوقع أن تتغير طرق الإعطاء والجرعات إلى طرق أكثر ملاءمة بحلول عام 2026.

وأصبح دواء Wegovy، وهو مصمم لعلاج السمنة، متوفراً الآن على شكل أقراص بجرعة 25 ملغ يومياً، وهو مُعتمد لإدارة الوزن المزمنة، مما يوفر خياراً غير حقني لبعض المرضى.

وأشار بالاز إلى أن دواء GLP-1 الفموي الذي يُؤخذ مرة واحدة أسبوعياً يخضع حالياً للمرحلة الثانية من التجارب السريرية، بالإضافة إلى إمكانية دراسة إعطائه عبر الحقن بهدف استمرار فاعلية جرعة الدواء لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

3- جراحة أقل توغلاً

بالإضافة إلى انخفاض المخاطر أثناء الجراحة لمستخدمي GLP-1، توقع بالاز أيضاً أن تصبح جراحة التمثيل الغذائي غير الجراحية خياراً أفضل.

وقال: «قد تصبح الإجراءات التنظيرية غير الجراحية -مثل تكميم المعدة بالمنظار، وهو إجراء غير جراحي لإنقاص الوزن يُصغّر حجم المعدة من الداخل، وإعادة بناء الغشاء المخاطي للاثني عشر وهو إجراء غير جراحي يُعيد ضبط جزء من الأمعاء الدقيقة لمساعدة الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل أفضل- أكثر فاعلية وانتشاراً».

وأضاف: «توفر هذه الإجراءات فوائد أيضية كبيرة مع فترة نقاهة أقصر ومخاطر أقل من الجراحة التقليدية».

واتفق رابيتو على أن «التقدم السريع» في إجراءات إنقاص الوزن طفيفة التوغل «يفتح خيارات جديدة فعّالة للمرضى المترددين في الخضوع لجراحة السمنة التقليدية».

وذكر الخبير أن هذا الخيار يوفر «إنقاصاً حقيقياً ومستداماً للوزن مع مخاطر أقل، وفترات نقاهة أقصر، ودون الحاجة إلى شقوق جراحية خارجية».

وأكد الدكتور محمد غانم، جراح السمنة في معهد أورلاندو هيلث لجراحة إنقاص الوزن وعلاج السمنة، أن الجراحة لا تزال «الطريقة الأكثر نجاحاً لعلاج السمنة... مع أعلى معدلات فقدان الوزن وأكثر النتائج استدامة حتى الآن».

4- مستخدمو GLP-1 الأصغر سناً

بما أن دواء Wegovy مُعتمد لعلاج السمنة لدى المراهقين فوق سن 12 عاماً، ذكر بالاز أن استخدام أدوية إنقاص الوزن لدى الأطفال «أصبح واقعاً» وتوقع أن تتم الموافقة على بدائل أخرى في عام 2026 للمستخدمين الأصغر سناً.

يسهم الاكتشاف الجديد في فهم أمراض السمنة والاضطرابات النفسية (جامعة غرانادا)

5- إنقاص الوزن المدعوم بالذكاء الاصطناعي

في ظل نمو الذكاء الاصطناعي، توقع بالاز توسعاً في التطبيق السريري لأساليب إنقاص الوزن المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن هذا قد يشمل تصنيف السمنة إلى أنواع فرعية مثل «العقل المتعطش» و«الجوع العاطفي» و«الاحتراق البطيء»، وذلك لتخصيص العلاج وتجاوز أسلوب «التجربة والخطأ»، واتفق غانم مع ذلك الطرح، وذكر أنه من المرجح أن يكون هناك «تغيير كبير».

وسيركز البحث العلمي في عام 2026 على إجراء فحوصات فردية لتحديد أسباب السمنة، نظراً لتعدد أسبابها واختلافها من شخص لآخر، مما يستدعي علاجات مختلفة.

ويتوقع أن يلجأ المزيد من المرضى إلى الجمع بين العلاجات والبرامج الشاملة.

وقال غانم: «أصبح المرضى أكثر وعياً بتوفر خيارات علاجية متعددة لمكافحة السمنة، وهم يبحثون عن نهج شامل ومتعدد التخصصات».

وتوقع بالاز أن خيارات العلاج ستتحول أيضاً إلى الحلول الرقمية مع ازدياد استخدام العلاجات الرقمية الموصوفة لإنقاص الوزن.

وأضاف: «هذه تطبيقات برمجية تُقدم العلاج السلوكي المعرفي، والتغذية الشخصية، والتدريب الأيضي من خلال خوارزميات، وغالباً ما تكون مُدمجة مع أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة، ويتم تعويضها كعلاجات طبية».


ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
TT

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)

كشفت دراسة جديدة، أجراها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت الأميركية، أن من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» يتمتعون بميزتين جينيتين رئيسيتين على الأقل.

استخدمت الدراسة التي نُشرت، الجمعة، في مجلة «ألزهايمر والخرف»، بيانات من مشروع تسلسل جينوم مرض ألزهايمر (ADSP-PHC). وشملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات أميركية وطنية لدراسة الشيخوخة.

وتتبعت الدراسة التى تعد الأكبر حتى الآن، زوجاً من الجينات، يزيد أحدهما، والذي يحمل اسم «APOE-ε4»، من الخطر الوراثي للإصابة بمرض ألزهايمر. في حين يُعتقد أن متغيراً آخر من نفس الجين، وهو «APOE-ε2»، يُوفر حماية ضد المرض.

قام الباحثون بقياس مدى انتشار المتغيرين الجينيين لدى من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» - وهم الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً أو أكثر، والذين تُضاهي وظائفهم الإدراكية وظائف أشخاص أصغر منهم بعشرين أو ثلاثين عاماً.

وأظهرت النتائج أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية أقل عرضة بنسبة 68 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، وهو الجين الذي لا يرغب فيه أحد، مقارنةً بالأفراد المصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها، كما أنهم كانوا أقل عرضة بنسبة 19 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، مقارنةً بالمشاركين ذوي القدرات الإدراكية الطبيعية من نفس الفئة العمرية.

قالت الدكتورة ليزلي جاينور، الأستاذة المساعدة في قسم طب الشيخوخة، والتي قادت الدراسة بالتعاون مع الدكتورة ألينا دورانت، محللة الإحصاء الجيني في مركز فاندربيلت للذاكرة وألزهايمر: «كانت هذه النتيجة هي الأبرز في دراستنا».

وأضافت في بيان، الجمعة: «تشير دراستنا إلى إمكانية استخدام نمط كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية لتحديد سمات فئة كبار السن ممن لديهم خطر وراثي منخفض للإصابة بألزهايمر».

وكانت الدراسة قد وجدت أيضاً أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الفائقة لديهم تردد أعلى للمتغير الجيني المرغوب «APOE-ε2»؛ إذ تزيد احتمالية حملهم لهذا المتغير بنسبة 28 في المائة، مقارنةً بالأفراد الأصحاء إدراكياً ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر، وبنسبة 103 في المائة، مقارنةً بالمشاركين المصابين بألزهايمر ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر.

ويُتوقع أن تُسهم هذه النتائج في استمرار الاهتمام بدراسة كيفية تأثير هذه المتغيرات الجينية على تطور الخرف الناتج عن ألزهايمر، وكذلك على ظاهرة الشيخوخة الفائقة بشكلٍ عام.

وهو ما تشدد عليه جاينور، قائلة: «مع تزايد الاهتمام بظاهرة الشيخوخة الفائقة، تُعزز نتائجنا بشكلٍ ملحوظ الرأي القائل إن هذه الظاهرة ستكون مفيدة في البحث المستمر عن آليات تُكسب بعض الأفراد مقاومةً لمرض ألزهايمر».