عائشة الأصفر: تناول المقموعين والمهمشين من همومي الجوهرية

«إيشي»... أحدث أعمال الكاتبة الليبية فازت بجائزة القدس لإبداع المرأة العربية

عائشة الأصفر
عائشة الأصفر
TT

عائشة الأصفر: تناول المقموعين والمهمشين من همومي الجوهرية

عائشة الأصفر
عائشة الأصفر

برز اسم عائشة الأصفر في المشهد السردي الليبي، عبر مجموعة من الروايات التي توالى إصدارها على مدار سنوات طويلة، بدأتها برواية «اللي قتلوا الكلب»، ثم تتابعت بقية الأعمال، ومنها «خريجات قاريونس» و«اغتصاب محظية»، و«النص الناقص» و«علاقات حرجة»، ولكل رواية عالمها المختلف عن الآخر، وإن اشتركت جميعها في التعبير عن واقع الحياة الليبية وتشابكاتها وتحولاتها وفي القلب منها المرأة الليبية. فازت أحدث أعمالها رواية «إيشي» أخيراً بجائزة القدس لإبداع المرأة العربية في الرواية، من بين نحو مائتي رواية تنافست على الفوز بالجائزة، التي تمنحها وزارة الثقافة الفلسطينية. عن الجائزة ومشروعها الروائي كان لنا معها هذا الحوار.

> ما الذي تمثله الجائزة لك على المستوى الشخصي؟ وما الذي تضيفه للأدب والرواية في ليبيا؟

- سيبقى هذا الفوز محطة استثنائية في مسيرتي الإبداعية، ليس فقط لأنه فوز بجدارة جاء بإجماع كل لجنة التحكيم التي هي من أساتذة الأدب والنقد المختصين من مختلف الدول العربية، وليس لأنه وسط منافسة قوية لما يقارب المائتي رواية لمبدعات متميزات، ولكن لأنه فوز بالجائزة المفعمة بقدسية المكان وأهميته التاريخية والدينية. وهذه الجائزة إضافة نوعية مهمة لرصيد الأدب الروائي الليبي، وخصوصاً الرواية المنشورة للمرأة الليبية، وهي تتوج بالجائزة.

> رواية «إيشي» تعيد تقديم الجنوب الليبي... فما تأثير المكان وأهميته في الرواية؟ ولماذا اخترت هذا الفضاء المكاني تحديداً؟

- الجنوب الليبي يمثل لي خصوصية شديدة، نشأت وكبرت في أزقته الدافئة، بين طقوسه المدهشة وبيوته المسنودة بالحب والمؤازرة، لا تكترث بالتباين الطبقي أو العرقي، يتجاور فيها الفقر والغنى، الشقاء والسعادة، الفضيلة وضدها، كبرت في هذا الفضاء وعشت آثار التغيرات الثقافية والسياسية والديموغرافية وتبعات كل ذلك، فلكل قدمين في أزقتها وميادينها سيرة مشحونة، ولكل جمجمة قصة، ووراء كل باب حكاية، ولأنني ابنة هذه البيوت والشوارع أحببتها وحكاياتها التي هي حكاية كل الشوارع فاقدة العنوان. المكان هو حاضنة الرواية وتأثيثها، وهو الفضاء الذي تدور فيه أحداثها، ويعكس بيئة هذه الأحداث ومناخها النفسي، وليس بالضرورة أن يؤطر هذا الفضاء بمكان مرجعي.

> البطلة تخفّت في هوية أخرى مدعية أنها خادمة إثيوبية... كيف ترين تمثيل أزمة الهوية في الرواية؟

- الهوية تيمة جوهرية في هذه الرواية، تنكّر البطلة الليبية «بإيشي» وتحولها من أستاذة تاريخ تبجله لطلبتها وتفخر بعراقته وملكاته وكنوزه، إلى خادمة في بيوت الليبيين الذين من المفترض أنها تنتمي لهم، لتتعرض للاعتقال مع المهجّرين الأفارقة، وللجوع، وللتحرش، والتنمر، ما جعلها تدخل في حالة انفصام نفسي حاد وتهذي طوال الرواية في انقسام ذاتي مع صورتها الحقيقية على شاشة هاتفها، تلومها على التمسك بوطن لا يستحق، كافرة بالانتماء وتعدّه كذبة، كل هذا يضع رواية «إيشي» أمام أزمة هوية.

> تنحازين لقضايا الهامش ومعاناة المهمشين والمقموعين... وكأنك تكتبين لنصرة هؤلاء المهمشين؟

- الرواية تنتصر للإنسان بوصفه قيمة وتثير فيه الوعي، لكنها لا تنصره في الواقع المادي فهذا ليس من مهمتها. الرواية تقدم الشخصية المهمشة والمقموعة وتمنحها مساحتها التي تعري فيها لنا قبح معاناتها. وسأعيد دائماً، إن الرواية إنسان يمشي عارياً، وحياة بلا خجل، وإن الشخصية هي حُمّى الرواية وهذيانها. وسيظل تناول المقموعين والمهمشين من الهموم الجوهرية في رواياتي.

> الرواية تسلط الضوء على مآسي الحرب والفساد والواقع المأزوم... فكيف ترين العلاقة بين الرواية فناً والواقع السياسي؟

- على الرواية أن تحافظ على فنيّتها الجمالية والإبداعية، وألا تتحول إلى نشر فج للواقع السياسي، فهذا اختصاص المقالة الصحافية والقنوات الإعلامية المستقلة، أما الرواية فإنها تعرّي السياسة بطريقتها، وتستفز وعي القارئ للمعاناة تجاه تغول السلطة، والقمع السياسي، وخنق الحريات، وثمة حيل فنية إبداعية تتكفل بذلك لتتجنب الرقابة السياسية.

>«إيشي» عنوان الرواية هو اسم بطلتها المستعار... كيف عالجت الرواية أزمة المرأة في المجتمع؟

- الرواية طرحت عدة صور بأصوات متنوعة لنساء مختلفات، تتناول البطلة «إيشي» بصفتها شخصيةً وإنسانةً تعاني التهميش والارتباك والتشظي، مثلها مثل صديقها «احبيّب» تماماً، وليست كونها امرأة، وتنوعت صور المرأة في الرواية، المثقفة، والخادمة، والناشطة الحقوقية، والنازحة، والأمية البسيطة، ومعلمة الأطفال، والمعنّٓفة، والمنحرفة، والمنفصمة.

> الرواية بها جانب تاريخي عن الاستعمار وما أعقبه وآثاره... فما حدود العلاقة بين الأدب والتاريخ؟

- العلاقة جد وثيقة بينهما، كل رواية تستقي مادتها من التاريخ بأي شكل من أشكاله، فالتاريخ ليس فقط استعماراً ومعارك وسير بطولة وهزائم، فالواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري يحمل تبعات كل ذلك، كما أنه ليس ماضياً فقط، هو أيضاً الحاضر والواقع المعيش، الذي هو جزء منه وامتداد له، والرواية سواء تاريخية أو واقعية أو اجتماعية، ومهما تعددت الأسماء، ستستقي منه مادتها التي تهمها، لكنها تنقله لنا بطريقتها المتخيلة، وبلغتها الأدبية الخاصة التي تؤدي وظيفتها اللغوية فيها، الرواية هي التي تمنح التاريخ اللمسات الجمالية، وتقدمه للقارئ بصورة فنية جديدة، تختصره له في قصة تخييلية موازية، الرواية لا تؤرخ لكنها تعيد رسم المشهد بطريقتها.

> كيف تنظرين إلى تطور مشروعك الروائي منذ الرواية الأولى وحتى «إيشي»؟

- البداية 2005 بكتابة روايتين نشرتا 2007، هما «اللي قتل الكلب» وهي رمزية وتوظيف للحكاية الشعبية العربية (اقتلوا اللي قتل الكلب) تتناول الهوية والاستلاب والعولمة، وكل شخصياتها مشتقة في أثناء السرد، ورواية «خريجات قاريونس» تناقش العلاقات بين الشباب وطموحاتهم في السبعينات والثمانينات وبداية التوجهات الدينية والظلال السياسية، وذلك ضمن فضاءات محلية واجتماعية. أما الثالثة فهي رواية «اغتصاب محظية»، وهي شخصية الإنسان المهزوز في ظل التوترات السياسية وظهور المجموعات المتطرفة، وهي من فصلين؛ الأول فانتازيا، فيه الشخصية التي تروي عبارة عن أصبع زائد في خنصر سيده، والفصل الثاني الواقعي المطابق للفانتازيا. الرواية هي مزج الجغرافيا بالتاريخ بالبعد النفسي الإنساني، والبحث عن الذات، في أجواء من الترميز والدلالات. وزمن الرواية بضع ساعات صباح الدوام الوظيفي. وأعدّ «اغتصاب محظية» أهم رواياتي. الرواية الرابعة «النص الناقص» هي رواية المكان، العنف النفسي والجسدي والهوية والشخصية الضحية والمضطربة، وقصص عبور الأفارقة إلى أوروبا عبر ليبيا في رحلة تبدأ من قرى النيجر ومعيشتها.

الرواية الخامسة «علاقة حرجة» هي أزمة الفكر، وفشل المشروع العربي، وقنبلة الفوضى الخلاقة، فبطلها شاب ليبي ابتلي بذاكرة شخصية عالمة الذرة المصرية «سميرة موسى» في 2017، لتدخل الشخصية في صراع نفسي وفكري ومعقد وهي مندهشة من تحول جسدها، وتستغرب البيئة المحيطة، وتطلب التواصل مع القنصل المصري فهي لا تزال تعتقد أنها في عام 1952. أما السادسة فهي «إيشي» رواية الهوية والتهميش والنزوح والتغييب، وصراع الديكة، والتغير الديموغرافي في الجنوب الليبي. وهي المتوجة «بجائزة القدس».

> كيف ترين المشهد الروائي الليبي مقارنة بنظيره في الدول العربية الأخرى؟

- الرواية الليبية وإن تأخرت نسبياً في الظهور كمّاً، لكنها واكبت الرواية العربية سريعاً؛ من حيث الخطاب والنشر والمشاركة في المعارض، ومكانتها في جوائز الرواية.

> عادة ما يشار إلى إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه عند الحديث عن الرواية الليبية... بصفتك واحدة من جيل تال لهما هل ترين في هذا هضماً لحق الأجيال الأحدث؟ وما الإضافة التي تقدمونها؟

- أعتز جداً بصفتي كاتبة ليبية بالأديبين الكبيرين «الفقيه» و«الكوني»، إنهما يصنعان فارقاً كبيراً من ناحية الثراء الأدبي، كمّاً ونوعاً، مما لا يسمح لنا هنا بالمقارنة، بالإضافة إلى عنصر سبق الظهور الإبداعي، لكن يبقى في الأدب لكل مجايلةٍ خصوصيتها، ولكل كاتب بصمته التي يتميز فيها وحده، الإبداع ظاهرة فردية وإن تقاطعت خطوطه. أما الإضافة للأدب فهو بطبيعته متجدد، وفي حركة تغيير ذاتية، والإبداع روح حية في حالة تحدٍ مستمرة، والنص الإبداعي رهين كل ذلك، بل هو كل ذلك، وليس رهين الماضي.

> أخيراً، ما حكاية أنك أول امرأة ليبية تقود طائرة، والتي تذكرها عنك كل صفحات البحث؟

- ما تطالعه هو كوني أول امرأة ليبية تقود طائرة عام 1974 وحصولي على رخصة إجازة طيار خاص من نادي طيران سبها.


مقالات ذات صلة

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،

ثقافة وفنون الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.