أثار التعافي المحدود لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على أسعار السلع والمنتجات الغذائية التي شهدت ارتفاعاً في الآونة الأخيرة مع صعود الدولار.
لكن الانخفاض في سعر الدولار مقابل الجنيه لا يفترض بالضرورة تراجع الأسعار بنفس السرعة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وأكدوا أن هناك عوامل عدة تتحكم في السوق وفي آلية التسعير.
ومع نهاية الأسبوع الماضي، استعاد الجنيه نحو 5 في المائة من قيمته، ليصل سعر الدولار إلى نحو 53.7 جنيه، بعد موجة من الارتفاع كسر فيها الدولار حاجز الـ56 جنيهاً. وجاء التعافي عقب قرار «البنك المركزي» المصري، في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رفع أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية، إلى 20 في المائة للإيداع و21 في المائة للإقراض.
لكن التحسن في سعر الجنيه لم ينعكس على الأسعار، وسط شكاوى مستمرة من الغلاء، ووعود حكومية بضبط الأسواق وترشيد الإنفاق.
وخلال الأسابيع الماضية، ارتفعت في مصر أسعار السيارات والأجهزة الكهربائية وبعض السلع الغذائية إلى جانب أسعار بعض مكونات البناء، أبرزها الحديد.
وأرجع الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة السبب في عدم الانخفاض السريع للأسعار، إلى أن «التجار عادة ما يقيّمون السلع وفقاً لسعر صرف الدولار في العقود الآجلة، وهو في العادة أعلى من سعر الصرف الرسمي».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التجار يقيّمون سعر السلعة على أعلى سعر صرف وصل إليه الدولار بهدف الحفاظ على استمرار مكسبهم ودورة رأس المال»، مشيراً إلى أن «انخفاض سعر صرف الدولار لا ينعكس بالضرورة على سعر السلع في الأسواق التي دخلت السوق بسعر صرف أعلى».
وأضاف أن «متوسط دورة رأس المال في بعض السلع يصل إلى ثلاثة أشهر، ما يعني أن سعر الصرف الجديد قد لا ينعكس على الأسواق قبل هذه المدة بفرض إقدام التجار على تخفيض الأسعار حال استمرار انخفاض الدولار مقابل الجنيه، وهو ما لا يحدث دائماً»، مستطرداً: «في كثير من الأحيان يحافظ التاجر على الأسعار ذاتها تحوطاً للمستقبل».

ولفت الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع إلى مقولة شائعة مفادها أن «الأسعار ترتفع بسرعة الصاروخ وتنخفض بسرعة الريش»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «آلية التسعير لا تعتمد على سعر الصرف الحالي، بل تنظر أيضاً إلى توقعات سعر الصرف في المستقبل».
وقال إن المتابع لسعر صرف الجنيه على مدار السنوات العشر الماضية سيجد أن «هناك خسارة دورية لقيمة الجنيه أمام الدولار مستقرة ومنتظمة تصل إلى نحو 17 في المائة سنوياً»، ما يعني أنه «حتى إذا تحسن سعر صرف الجنيه الآن، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيعاود الانخفاض أمام الدولار، طالما استمر الوضع الذي تكون فيه احتياجات مصر الدولارية أكبر من قدرتها على الإنتاج والتصدير».
وأضاف أن «انعكاس انخفاض سعر الدولار على التسعير، تتطلب قياس عوامل عدة، من بينها دورة الإنتاج واستمرار الانخفاض وحدته»، مشيراً إلى أن «وتيرة انخفاض الدولار مقابل الجنيه عادة ما تكون أقل من وتيرة ارتفاعه».
ويتداخل الجدل حول الأسعار مع إعلان الحكومة تراجع التضخم، حيث انخفض معدل التضخم السنوي خلال أكتوبر إلى نحو 12 في المائة، مقابل 12.8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري.
وأكد نافع أنه «من الصعب أن تنخفض الأسعار بمجرد ارتفاع الجنيه مقابل الدولار، فالأمر مرتبط بدرجة من التحوط للمستقبل؛ لأن التسعير مرتبط ببنود مختلفة وتكاليف إنتاج تتطلب من التاجر قدراً من الرشادة والتحوط للمستقبل، وحساب حجم الصدمة وارتداداتها في الأسواق».






