يواجه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، أحد أبرز الوجوه السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد، اختباراً جديداً مع اقتراب جلسة رسمية مقررة، الثلاثاء، في بنغازي بشرق البلاد، بعدما اتخذ أعضاء بالمجلس خطوة قد تمهد للإطاحة به.
فقد أجرى أعضاء تصويتاً في جلسة تشاورية، الاثنين، بأغلبية الحاضرين على تعديل اللائحة الداخلية، قبل تعليق الجلسة تمهيداً لاختيار رئيس جديد للمجلس.
وقال النائب عصام الجهاني، عبر حسابه على «فيسبوك»، إن التعديل على اللائحة أُقر بأغلبية 98 صوتاً، فيما أفادت مصادر برلمانية بأن الجلسة عُلقت بعد التصويت تمهيداً لاستكمال إجراءات اختيار رئيس جديد، في تحرك يسبق الجلسة التي دعا إليها صالح، الثلاثاء، في بنغازي.
ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من صالح، كما التزم كل من مستشاره الإعلامي والناطق الرسمي باسمه الصمت حيال هذه التطورات.
متابعة من كثب
وعقد النواب جلستهم، الاثنين، برئاسة مصباح دومة، النائب الثاني لصالح، بعد استباقهم دعوة صالح لجلسة الثلاثاء، فيما تحدثت مصادر عن حضور أكثر من 100 نائب.
والتقى دومة عقب هذه الجلسة مع المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، في بنغازي، حيث بحثا آخر المستجدات السياسية وسبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة والدفع بالمسار السياسي.

ويكتسب اللقاء أهمية سياسية كونه جاء في أعقاب تحرك برلماني قاده دومة، انتهى إلى إقرار تعديل اللائحة الداخلية بأغلبية الحاضرين وتعليق الجلسة تمهيداً لاختيار رئيس جديد للمجلس، ما يعزز الانطباع بأن حفتر يتابع من كثب التطورات داخل مجلس النواب، رغم أن حديثه عن اللقاء لم يتضمن أي إشارة إلى مصير صالح أو إلى دعم إزاحته.
والتصويت على تعديل اللائحة وتعليق الجلسة تمهيداً لاختيار رئيس جديد يجعل مناقشة مصير صالح أكثر مباشرة، بعدما كان الخلاف داخل المجلس يدور أساساً حول تعديل نظامه الداخلي وتفعيل الدورة البرلمانية.
وكان صالح قد دعا لجلسة تعقد الثلاثاء في مقر المجلس ببنغازي، ويتضمن جدول أعمالها تعديل القانون رقم 4 لسنة 2014، وإدراج دورة برلمانية، إلى جانب مناقشة دستورية القوانين المقدمة من لجنة «4 + 4» وإمكانية تضمينها في الإعلان الدستوري.
مسار موازٍ
وفي مؤشر على دخول حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على خط هذه التحركات، عقد عدد من النواب اجتماعاً مع ممثلين عن الحكومة في العاصمة طرابلس لبحث إمكانية عقد جلسة للمجلس في العاصمة، بحضور وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة محمد بن غلبون، ووزير العمل علي العابد، إلى جانب عضو المجلس علي بوزيبة وعدد من النواب.
ويفتح هذا التحرك مساراً موازياً للتحركات الجارية في بنغازي، ويشير إلى أن الخلاف حول مستقبل عمل مجلس النواب بدأ يتجاوز حدود الصراع داخل مقره في شرق البلاد إلى البحث عن مساحة للحركة في طرابلس أيضاً.
لكن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي، نفى وجود اتفاق داخل المجلس على تغيير رئيسه صالح، وقال لوسائل إعلام محلية إن الاجتماعات والتحركات الأخيرة «لا تستهدف إزاحة صالح، وإنما تأتي في إطار النقاش حول الخطوات المقبلة والملفات المطروحة على المجلس».
ويعني هذا النفي أن التحركات الراهنة لا تمثل، حتى الآن، توافقاً معلناً داخل المجلس على إقالة صالح، رغم استمرار طرح إعادة تنظيم عمل المجلس وانتخاب قيادته ضمن النقاشات الجارية.
ويخشى النواب الذين تحركوا، الاثنين، حسب مصادر إعلامية وبرلمانية، أن يؤدي عقد جلسة الثلاثاء وفق جدول الأعمال الذي حددته رئاسة المجلس إلى تجاوز مطالبهم المتعلقة بتعديل اللائحة وإعادة انتخاب هيئة الرئاسة.
وقالت النائبة هناء خليفة أبو ديب لـ«الشرق الأوسط»: «الجلسة مخصصة لتعديل اللائحة الداخلية بخصوص الدورة البرلمانية». وعندما سُئلت عما إذا كان ذلك يعني أن الجلسة لا تتضمن موضوع إقالة صالح، أجابت بالنفي.
إصلاح آلية عمل المجلس
وكان 86 نائباً قد أعلنوا مؤخراً استكمال النصاب لعقد جلسة في بنغازي لمناقشة إصلاح عمل المجلس وتعديل لائحته الداخلية، لكنهم قالوا إنهم مُنعوا من دخول مقر المجلس.
كما أعلنوا استعدادهم لعقد جلسة مكتملة النصاب لانتخاب قيادة جديدة إذا استمرت رئاسة المجلس في تجاهل مطالبهم.
وتأتي التحركات الحالية بعد اجتماع عقده بعض النواب في بنغازي مع حفتر، الحليف الرئيسي لصالح، ما أضفى ثقلاً سياسياً على مساعي إصلاح قيادة مجلس النواب، بينما لم يصدر عن حفتر إعلان صريح يدعو إلى إقالة صالح.
ويبدو واضحاً أن الخلاف داخل مجلس النواب قد تجاوز مسألة تعديل اللائحة إلى نقاش أوسع حول رئاسة المؤسسة التشريعية نفسها، فيما أصبحت جلسة الثلاثاء اختباراً لقدرة صالح على إدارة المجلس في ظل وجود مسار برلماني موازٍ يناقش تغيير قيادته.
ويعود الخلاف إلى أسابيع مضت، عندما بدأ نواب في المطالبة بإصلاح آلية عمل المجلس وتعديل لائحته الداخلية، قبل أن يتحول التحرك تدريجياً إلى مطالبة بانتخاب قيادة جديدة.
لكن التحدي الحالي يختلف في أنه يأتي في ظل خلافات داخل المعسكر الشرقي نفسه بشأن المسار السياسي، ولا سيما بعد اتفاق «4 + 4» الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، وعودة مسار «6 + 6» إلى الواجهة عبر لقاء صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في تركيا.
لذا، فالسؤال الآن بات يتعلق بما إذا كانت جلسة الثلاثاء ستمهد بالفعل لإقالة صالح، أم سيحول خصومه الحشد البرلماني الحالي إلى تصويت فعلي على رئاسة جديدة، وإنهاء أطول فصول رئاسة مجلس النواب الليبي منذ انتخابه عام 2014.



