الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الذاكرة والأمن والاقتصاد... ركائز «الصفحة الجديدة» في العلاقات الثنائية

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها؛ وهو ما أكدته رسالة خطية بعث بها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حاملة مؤشرات قوية على رغبة باريس في إنهاء القطيعة.

وأعلنت روفو، إثر انتهاء محادثاتها مع تبون، السبت، أن حكومة الجزائر أعطت موافقتها على استئناف اجتماعات «اللجنة المشتركة للمؤرخين المعنية بملف الذاكرة»، والتي كانت قد توقفت بسبب التوترات بعد إنجازها أعمالاً وُصفت بـ«المهمة» في «ملف مصالحة الذاكرتين».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزيرة القوات المسلحة الفرنسية وسفير فرنسا لدى الجزائر يوم السبت (الرئاسة الجزائرية)

وإلى جانب التعاون الأمني وملف الهجرة اللذين استؤنفا منذ زيارة وزير الداخلية، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، أشارت روفو إلى أنها بحثت مع رئيس الدولة ملف التعاون القضائي؛ في إشارة إلى مطالب جزائرية تخص تسليم ملاحقين قضائياً أدانتهم محاكم جزائرية بتهم تتعلق بـ«الفساد» و«المس بالوحدة الوطنية».

وقالت روفو بهذا الخصوص: «أدرك جيداً مدى أهمية هذا الملف بالنسبة للسلطات الجزائرية»، مؤكدة «وجود إرادة مشتركة لجعل الأشهر المقبلة مثمرة في علاقاتنا، مع العمل بهدوء ومثابرة».

انفراجة

أشارت روفو إلى وجودها، يوم الجمعة، في سطيف بشرق الجزائر للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1954» التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وقالت إنها تأثرت «تأثراً بالغاً بحفاوة الاستقبال في سطيف»، وهو ما وصفته بأنه كان «استقبالاً دافئاً شعرت به كما شعر به الوفد المرافق لي؛ ونحن ندرك تماماً ما تمثله مأساة 8 مايو 1945 بالنسبة للشعب الجزائري».

وزيرة القوات المسلحة الفرنسية خلال زيارتها الجزائر (وزارة المجاهدين الجزائرية)

وفيما يخص العلاقات الرسمية بين البلدين، قالت: «لقد كلفني الرئيس ماكرون بتبليغ عزمه على إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بإعادة إرساء علاقة تتسم بالاحترام بين بلدينا، تقوم على الندّية، وتكون هادئة ومبنية على الثقة».

كما أشارت إلى أنها ناقشت مع الرئيس الجزائري العلاقات الثنائية في ظل «سياق التوترات الدولية، سواء في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، أو في منطقة الساحل، أو مع أزمة الطاقة العالمية والتحديات في منطقة البحر المتوسط»، مؤكدة ضرورة وجود حوار مستمر.

وأضافت: «هدفنا هو تحقيق نتائج سريعة؛ لذا ناقشنا مسارات ملموسة لتكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالحنا وللعلاقات بين الجزائر وفرنسا».

كما أوضحت أن المحادثات شملت التعاون في مجالي الأمن والدفاع اللذين قالت إنها كانا محل نقاش طويل مع الفريق أول سعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، واصفة هذا التعاون بأنه «مهم جداً في ظل سياق أفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار».

ملف الهجرة

ذكرت روفو أن الجانبين تطرقا أيضاً إلى التعاون في مجال الهجرة، مؤكدة أن فرنسا «ترحب باستئناف هذا التعاون عقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر».

وتسعى الجزائر إلى تحويل هذا الملف من مجرد عملية ترحيل تقني لقرابة 50 ألف مهاجر غير نظامي، كما تطالب باريس، إلى إدارة مشتركة تحمي حقوق الرعايا الجزائريين، وتلتزم بالضمانات القانونية، بالتوازي مع إحداث فرص تخص التنمية للشباب للحد من دوافع الهجرة من جذورها.

وقالت الوزيرة الفرنسية: «بحثنا كذلك سبل تكثيف التعاون، لا سيما في المجال القضائي ومكافحة تهريب المخدرات»، وهو الجانب الذي عدَّته «حيوياً جداً لكلا البلدين». وشددت على «أهمية مواصلة الأجندة التي اتفقنا عليها، وحددناها معاً، والتي يأمل رئيس الجمهورية تنفيذها في الأشهر المقبلة لجعلها سنة مثمرة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وشهدت زيارة روفو حضوراً لافتاً للسفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتيه، العائد لممارسة مهامه بعد عام من الفراغ الدبلوماسي الذي أعقب بلوغ التوتر ذروته بين البلدين جراء تداعيات انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء في صيف 2024.

وبات جلياً، بحسب مراقبين، أن تصريحات الوزيرة الفرنسية رسمت «خريطة طريق» للمرحلة المقبلة، بعد اتفاق الطرفين على تجاوز حقبة الخلافات».

بناء التقارب

ووفق مصادر جزائرية مطلعة، شكلت محادثات الوزيرة الفرنسية في الجزائر فرصة سانحة لطرح حزمة من الملفات الاستراتيجية التي صاغها خبراء جزائريون وفرنسيون لتكون حجر الزاوية في بناء التقارب.

ففي الملف الأمني، أخذ النقاش، حسب المصادر، حيزاً واسعاً من المحادثات، خصوصاً مع اعتراف باريس الضمني على لسان مسؤوليها بأن «سياسة التوتر مع الجزائر» لم تعد منتجة، وأن الحاجة لاستعادة الحوار الأمني أصبحت ملحة لإحباط التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.

الرئيس الجزائري يتسلم رسالة من نظيره الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

وقد ركز الجانب الجزائري على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات المتشددين، وتكثيف التنسيق الميداني في منطقة الساحل التي تواجه تدهوراً خصوصاً مع تسارع المواجهات في مالي، وهو ما يجعل التعاون الأمني ضرورة وجودية للطرفين لا مجرد خيار دبلوماسي، حسبما قالت المصادر.

اقتصادياً، تجاوزت المباحثات سياق دعم الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية إلى طرح الجانبين رؤية أكثر براغماتية تهدف إلى حماية مصالحهما، وتوسيع الاستثمارات، مع سعي الجزائر لانتزاع دعم فرنسي صريح لإعادة التفاوض حول «اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي» بما يضمن توازناً تجارياً عادلاً.

ويبقى ملف «السيادة والذاكرة» المظلة الكبرى لتحركات الجزائر في اتجاه تطبيع العلاقات؛ إذ تصر على احترام قرارها السيادي وعدم التدخل في شؤونها، مع ضرورة إحداث اختراق حقيقي في قضايا الذاكرة العالقة و«الممتلكات المنهوبة» في عهد الاستعمار (1830-1962)، وحسم ملف المعارضين المقيمين في فرنسا والمطلوبين لدى القضاء الجزائري، ويأتي على رأسهم اليوتيوبر أمير بوخرص.


مقالات ذات صلة

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

شمال افريقيا سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

منذ الإطاحة بحكم عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019، على خلفية الحراك الشعبي، أطلقت السلطات الجزائرية حملة قضائية واسعة ضد الفساد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي لدى إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس (أ.ب)

ترمب يخيّر طهران بين اتفاق أو «الدمار الشامل»

واشنطن: علي بردى ــ لندن: «الشرق الأوسط»

«الشرق الأوسط» (لندن) علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبل مغادرته إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطار مهر آباد بطهران 22 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

طائرة الرئيس الإيراني تحط في الجزائر إثر «توقف تقني»

قال التلفزيون الجزائري الرسمي إن الطائرة الخاصة بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حطت، اليوم (الثلاثاء)، بمطار الجزائر الدولي «هواري بومدين» إثر توقف تقني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».


تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.