«الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق أمام مخاطر الانقسام

محلل يرى أن «الإيراني» يؤجل تفككه

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

«الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق أمام مخاطر الانقسام

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)

تشير معظم المصادر العراقية المقربة من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم إلى وجود خلافات عميقة وملامح تصدع قد تتسبب في انفراط عقد قواه على المدى القريب أو المتوسط. وينظر بعض المراقبين إلى بعض الخلافات العلنية التي اندلعت بين أقطابه مؤخراً، بوصفها مؤشرات ملموسة على اتساع فجوة الخلافات الإطارية.

وتشير مصادر مقربة من قوى الإطار إلى حالة من الاستقطاب الشديد بين أطرافه فرضتها مجموعة من العوامل والمواقف المتناقضة، سواء على مستوى العلاقة مع رئيس الوزراء علي الزيدي، أو على مستوى التقاطع في وجهات النظر بالنسبة لطائفة من القضايا العامة والخاصة، وضمنها المواقف من قضية نزع سلاح الفصائل والأزمة المالية التي تعاني منها البلاد، أو تلك المتعلقة بالحصص والمناصب الحكومية الشاغرة أو التي وُزعت بين قوى الإطار.

خلاف إطاري معلن

وتفجرت، السبت الماضي، أزمة علنية داخل قوى الإطار حين طالب، خالد المرسومي عضو تحالف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بمحاكمة رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بعد أن اتهمه بـ«تدمير المجتمع ونشر الفتنة»، على خلفية سقوط نحو ثلث أراضي البلاد بيد «داعش» حين كان المالكي يشغل منصب رئاسة الوزراء عام 2014، فرد عليه هشام الركابي، مدير المكتب الإعلامي للمالكي، بالقول: «كفى نفاقاً ومزايدة، من يتحدث اليوم عن سقوط المحافظات والفتنة عليه أن يتوقف عن استثمار مآسي العراقيين في خصوماته السياسية».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

كانت كتلة «الإعمار والتنمية» قد قررت، الأسبوع الماضي، تعليق حضورها لجلسات البرلمان؛ احتجاجاً على ما وصفتها بـ«التجاوزات المنهجية والسلوكيات غير المسؤولة التي يُصرّ بعض النواب على انتهاجها»، ورأت أنها «تندرج في إطار حملات التسقيط الكيدية والاستهداف الممنهج لائتلاف (الإعمار والتنمية) وقيادته». وغالباً ما تصدر الانتقادات والاتهامات لكتلة «الإعمار والتنمية» ولرئيسها محمد شياع السوداني من نواب وشخصيات في قوى «الإطار التنسيقي».

امتعاض الزيدي

وتشير مصادر مقربة من الحكومة وقوى «الإطار التنسيقي» إلى «حالة حادة من الاستقطاب تسود داخل هذه القوى».

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «ذلك ناجم عن اصطفاف بعض قوى الإطار مع رئيس الوزراء علي الزيدي، في مقابل قوى أخرى تسعى للتشكيك في إدارته للدولة، وعرقلة مساعيه المتعلقة بنزع أسلحة الفصائل، إضافة إلى الاعتراض على جولاته الخارجية خصوصاً زيارته الأخيرة إلى سوريا ومسألة التنافس على المواقع الحكومية الشاغرة، مثل رئاسة الوزراء وجهاز الأمن الوطني».

وتؤكد أن رئيس الوزراء الزيدي «يشعر بامتعاض من حالة الاستقطاب، وسعي بعض الكتل والأحزاب إلى تقويض كثير من صلاحياته، والضغط عليه في ملف مجابهة الفساد ونزع سلاح الفصائل».

وتضيف المصادر أن «الزيدي يجد نفسه محاصراً بشدة من قوى الإطار التي تصر على الاجتماع به أسبوعياً في سياق موازٍ لاجتماعاته الأسبوعية مع كابينته الحكومية».

وكان رئيس «المجلس الإسلامي الأعلى» همام حمودي، قد قال، السبت الماضي، إن «رئيس الوزراء علي الزيدي هو خيار (الإطار التنسيقي)، والإطار مسؤول أمام الله وشعبه عن رسم الرؤى والسياسات، وفقاً للقانون والدستور، بينما يتولى الزيدي تنفيذها بآلياته الحكومية»، الأمر الذي يشير إلى «هيمنة» قوى «الإطار التنسيقي» على القرار الحكومي و«تواضع» صلاحيات رئيس الوزراء، بحسب مراقبين.

ويرى الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري أن «(الإطار التنسيقي) الذي حافظ على تماسكه خلال حكومتين متعاقبتين، بات يواجه اليوم تقاطعات وخلافات حادة ناجمة عن تصادم المصالح، واختلاف وجهات النظر بشأن عدد من الملفات».

وقال الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه «في مقدمة الخلافات مسألة تقاسم المناصب الحكومية، والتعامل مع ملفات الفساد، وقضية السلاح، الأمر الذي قد يضعه أمام خطر الانقسام».

صراع الزعامات

ويشير الزيدي إلى أن «صراع الزعامات داخل (الإطار التنسيقي)، الذي يمتد سنوات، بدأ يتكرس بصورة أكثر وضوحاً في طبيعة الخلاف القائم بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهو ما يعكس صراعاً على الزعامة، ومحاولة فرض النفوذ والقرار داخل الإطار».

ملف السلاح

ويرى الشمري أن «ملف السلاح يبرز بوصفه إحدى أبرز نقاط الخلاف، ليس بين المالكي والسوداني فحسب، وإنما بين مختلف أطراف (الإطار التنسيقي)، خصوصاً أن غالبية قواه تميل إلى الإبقاء على السلاح، وإن لم يكن ذلك موقفاً موحداً لجميع أطرافه. وقد خلق هذا الملف أزمة داخل الإطار، بين توجه رئيس الوزراء نحو تحقيق تقدم سريع في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وبين مواقف قوى لا تبدو مستعدة للتخلي عن سلاحها، في ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة».

ويعتقد الشمري أن إخفاق «الإطار التنسيقي» في «الاستجابة للاشتراطات الأميركية المتعلقة بتفكيك منظومات السلاح خارج إطار الدولة، لا سيما مع احتمال لجوء إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى ممارسة ضغوط قصوى، قد تشمل فرض عقوبات وسيناريوهات أخرى، فإن ذلك قد يدفع الإطار نحو مزيد من التفكك والانقسام».

التماسك الإيراني

مع ذلك، يتحدث الشمري عن أنه لا يمكن إغفال أن «الإطار التنسيقي» والقوى الشيعية عموماً تعرضت لهزات سياسية وشعبية كبيرة منذ عام 2019. لكن ما ميز المرحلة التي أعقبت تشكيل حكومة محمد شياع السوداني هو وجود «ضابط سياسي كان قادراً على الإمساك بتوازنات الإطار واحتواء خلافاته، والحفاظ على حد أدنى من التماسك بين مكوناته».

تبعاً لذلك، يعتقد الشمري أن «العامل الخارجي الذي حال دون تفكك (الإطار التنسيقي) وهو العامل الإيراني، فطهران لا تزال ترى أن بقاء (الإطار التنسيقي)، رغم ما يشهده من انقسامات وخلافات وتبادل للاتهامات بين مكوناته، يعزز حضورها في عملية صنع القرار العراقي، ويوفر مظلة سياسية تحمي نفوذها داخل العراق».

لذلك، والكلام للشمري، فإنه «ما دام هذا العامل قائماً، فإن إيران ستواصل، على ما يبدو، العمل باتجاه منع تشظي (الإطار التنسيقي)، والإبقاء على تماسكه، ولو على المستوى الشكلي».

ويخلص إلى القول، إن «ذلك لا يعني بالضرورة أن الإطار سيبقى بمنأى عن التفكك، خصوصاً إذا طرأ متغير كبير على المعادلة السياسية، سواء كان داخلياً أو إقليمياً، لا سيما إذا ارتبط بتطورات الحرب الأميركية الإيرانية وانعكاساتها على العراق».


مقالات ذات صلة

تسهيلات لمنح تأشيرات الدخول للتجار السوريين إلى العراق

المشرق العربي غرفتا التجارة السورية والعراقية تُوقّعان في دمشق مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون التجاري أغسطس الماضي (موقع الغرفة)

تسهيلات لمنح تأشيرات الدخول للتجار السوريين إلى العراق

أوضح رئيس لجنة العلاقات الخارجية المشتركة أن القرار ثمرة للجهود التي يبذلها الاتحاد لتذليل العقبات أمام التجار السوريين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع) p-circle

العراق يعيد ترتيب علاقاته الخارجية

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

تجدد الاحتجاجات جنوب العراق للمطالبة بفتح منفذ مع إيران

تجددت المظاهرات في محافظة ميسان، جنوب العراق، السبت، للمطالبة بإعادة فتح منفذ الشيب الحدودي مع إيران.

حمزة مصطفى (بغداد)
تحليل إخباري رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)

تحليل إخباري لماذا تولى الزيدي رئاسة المخابرات العراقية؟

لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد.

حمزة مصطفى (بغداد)

فلسطينيون يعودون إلى منازلهم المتضررة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخليل

أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيون يعودون إلى منازلهم المتضررة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخليل

أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

عاد فلسطينيون إلى منازلهم المتضررة في الخليل بالضفة الغربية المحتلة، الاثنين، بعد أن أنهى الجيش الإسرائيلي عملية استمرت 10 أيام، قالت الأمم المتحدة إنها تسببت في نزوح أكثر من 3 آلاف من المدينة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتنفيذ العملية بعد أن قتل مسلحان فلسطينيان جنديين إسرائيليين عند نقطة تفتيش في الخليل في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقُتل المسلحان في الهجوم.

وقال الجيش الإسرائيلي، نقلاً عن مسؤول عسكري لم يكشف عن اسمه، إن القوات انسحبت، الاثنين. وأضاف المسؤول أن الجنود «أجروا عمليات تفتيش دقيقة في مواقع متعددة، واحتجزوا واستجوبوا مشتبهاً بهم، وعثروا على 4 قطع سلاح وعدد من السترات ومعدات عسكرية إضافية، وصادروها».

خلال عودة السكان إلى منازلهم بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (رويترز)

عمليات هدم

بكت تمارا عبيد لدى عودتها إلى منزلها لتجد الأثاث محطماً، والألعاب والمتعلقات الأخرى متناثرة على الأرض، وقالت عن اللحظة التي داهمت فيها القوات الإسرائيلية منزلها في 23 أكتوبر: «دخلوا علينا بطريقة مرعبة جداً».

وتابعت قائلة: «دخلوا علينا فجّروا الباب... دخلوا علينا بطريقة مرعبة جداً... يعني ما قدرناش نتحمّل الولاد، الأطفال... الصريخ. لحقونا على غرفة النوم، أنا شخصياً حطوا السلاح في راسي هددونا. كلبشوا جوزي، أخدوه على بره».

وقال الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، إنه هدم منزلَي منفذي الهجوم، وأحدهما على مسافة قصيرة من منزل تمارا.

غرفة نوم أطفال بعثرت القوات الإسرائيلية محتوياتها خلال عملية عسكرية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وذكر مسؤولون محليون أن الجيش الإسرائيلي هدم منازل أخرى ومتاجر وطرقاً ومصانع في الخليل منذ بدء الهجوم، لكن حجم عمليات الهدم لا يزال غير واضح.

وفي الموقع، الاثنين، أزالت جرافة أنقاضاً وحواجز طرق، ووقف عاملون مع الدفاع المدني الفلسطيني وأفراد من قوات الأمن وآخرون في ممر ضيق تتناثر فيه الأنقاض، وطوّق أفراد من قوات الأمن مدخل إحدى البنايات.

وتسببت تلك العملية الإسرائيلية في خروج احتجاجات فلسطينية في الخليل، الأسبوع الماضي، وهي مدينة تاريخية يعيش فيها مئات المستوطنين اليهود بين عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

وقال سكان إن المنازل التي هدمت، يوم الجمعة، تقيم فيها أُسر المهاجمين قبل أن يجبر الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين على مغادرة المنطقة.

عناصر من «الإطفاء الفلسطيني» وخبراء تفكيك المتفجرات يتفقدون منزلاً فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتصاعد العنف في الضفة الغربية منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من هجوم عسكري إسرائيلي على قطاع غزة.

وشمل العنف في الضفة الغربية ارتفاعاً حاداً في هجمات المستوطنين المتشددين على الفلسطينيين، فضلاً عن حملات المداهمة العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق وهجمات فلسطينية على إسرائيليين.


تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلته، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية التي تحتلها لتشمل مدن النبطية وصيدا وصور إذا عاود «حزب الله» إسناده لإيران في حال تجدّد الحرب بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. وهذه المرة ستحظى بإسناد غير مسبوق للأخيرة من إسرائيل التي تخطّط لتضييق الخناق على الحزب باستهداف الضاحية الجنوبية وبعض الأحياء في بيروت، ما يعني أن تحييدهما بضغط أميركي لم يعد قائماً.

ويواكب لبنان، على المستويين الرسمي والشعبي، استمرار تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران عبر الوسيطين القطري والباكستاني، اللذين يسعيان لتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات الأميركية – الإيرانية على نحو يبدد القلق اللبناني، مع أن التواصل مع «حزب الله» يبقى محصوراً بجناحه السياسي، ما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد شقّه العسكري للتجاوب، مع تحييد لبنان عن تجدد الحرب، باعتبار أنه صاحب الكلمة الفصل على حدّ اتهام خصومه له بأنه يتبع مباشرة «الحرس الثوري» في إيران.

اتصالات دولية وداخلية

على رغم أن تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران يتلازم مع إصرارهما على رفع السقوف السياسية استعداداً لمعاودة المفاوضات، في ضوء الحديث عن حصول تقدّم في الوساطات، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون بادر إلى تشغيل علاقاته السياسية بكل الاتجاهات المحلية والعربية والدولية منذ أن تلقى تحذيراً من وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة اليدين إذا عاود «حزب الله» إسناده لإيران، وستبادر إلى توسيع اعتداءاتها وصولاً لربط جنوب نهر الليطاني بشماله امتداداً إلى البلدات الواقعة في نطاق قرى قضاء صيدا - الزهراني.

وكشف مصدر وزاري أن عون بادر فوراً للاتصال برئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، ووضعهما في أجواء التحذير الإسرائيلي الذي نقله إليه روبيو. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن بري سارع لتكثيف اتصالاته بـ«حزب الله»، ناقلاً إليه مضمون التحذير الذي تبلغه من روبيو بالإنابة عن إسرائيل، إضافة إلى أن الحزب أُحيط به عبر التواصل غير المباشر بين عون وعدد من النواب الأعضاء في كتلة «الوفاء للمقاومة».

ولفت المصدر إلى أن التواصل غير المباشر بين عون ونواب من «حزب الله» لا يزال في بداية التأسيس لعله يعيد الحرارة إلى حوارهما المباشر، وقال إن الوسيط الذي التقاهم، بعلم عون وبمواكبته شخصياً، تبلّغ منهم بأن إيران ليست في حاجة لإسناد الحزب، ولديها من القدرات ما يتيح لها التصدي للهجمات الأميركية التي تستهدفها، وهذا ما أكده لهم نائب وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، عندما التقاهم إلى جانب نواب من كتلة «التنمية والتحرير» برئاسة بري.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

بري حلقة الوصل

وأكّد أن تدخّل بري لدى قيادة «حزب الله» من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي هو على تواصل دائم مع نظيره حسين خليل، المعاون السياسي لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، كان وراء إبلاغه بأن الحزب لن يتدخّل إسناداً لإيران التي رفعت من منسوب استعداداتها للتصدّي للولايات المتحدة وإسرائيل إذا قررتا معاودة الحرب عليها. وقال إن بري أبلغ بدوره عون ورئيس الحكومة نواف سلام بمضمون التحذير، وبحصيلة التواصل بين الخليلين يستبعد إسناد الحزب لإيران.

وسأل المصدر عما إذا كان الحزب على استعداد هذه المرة للالتزام بما تعهد به لبري، بعدم إسناده لإيران، أم أنه سيكرر تفلّته من التزامه له على غرار ما حصل في 2 مارس (آذار) الماضي بإطلاقه 6 صواريخ على إسرائيل انتقاماً لاغتيالها المرشد الإيراني علي خامنئي، وتبنّي الإعلام الحربي للحزب مسؤولية إطلاقها؟

الجناحان السياسي والعسكري

في السياق، قال المصدر إن الجناح السياسي للحزب هو من أبلغ بري التزامه بعدم التدخل إسناداً لإيران، وسأل؛ هل ينسحب تعهده هذا على الجناح العسكري الذي يتبع مباشرة المجلس الجهادي في الحزب الذي كان وراء إطلاق الصواريخ، بخلاف ما كان تعهد به قاسم لبري؟

ويأمل المصدر أن يلتزم الحزب بعدم إسناد إيران، آخذاً بعين الاعتبار الاختلال في ميزان القوى العسكري واضطراره لإخلائه منطقة جنوب نهر الليطاني امتداداً إلى ما بعد الحافة الأمامية لشمال النهر التي تطل على جنوبه. وقال إن المزاج الشيعي العام أخذ يتبدّل ولم يعد يشكّل، كما كان في السابق، حاضنة للمقاومة.

ولفت إلى أن الحزب هو الآن في موقع الدفاع عن النفس، ولم يعد يمتلك القدرات العسكرية واللوجستية للدخول في مواجهة مع إسرائيل على نطاق واسع، وهو يتحصّن الآن بين مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان لمنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية. وقال إن البيئة الشيعية لم تعد تتحمل وزر إقحامها في حرب جديدة مع إسرائيل إسناداً لإيران واضطرارها للنزوح مجدداً من معظم البلدات الواقعة بين جنوب النهر وشماله امتداداً إلى حدود منطقة الزهراني، إضافة إلى أنها ستدفع أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر طالما أن إسرائيل تواصل جرف البلدات وتدمير المنازل بشكل منهجي، ما يرفع فاتورة إعادة إعمار الجنوب.

صواريخ إيرانية وصور للمرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في الحرب خلال معرض عسكري بطهران في سبتمبر 2026 (أ.ب)

وتوقف المصدر أمام إصرار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على وحدة الساحات ورفضه التقيُّد بحدودها الجغرافية، وسأل؛ هل يتوخى من كلامه رفع سقوفه السياسية استعداداً لمعاودة المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع أن أذرع محور الممانعة إلى تراجع في أماكن وجودها؟ وتمنى على قيادة «حزب الله» أن تعيد النظر في حساباتها، وألا تقدم على خطوة غير مدروسة، في ظل الاختلال في ميزان القوى بينها وبين إسرائيل. وقال: لم يعد من خيار أمامها سوى الانخراط في مشروع الدولة ووقوفها خلف عون في خياره الدبلوماسي بوضع سلاحها بتصرفه لتقوية موقف لبنان في المفاوضات، بعد أن جرّبت الحل العسكري الذي رتّب أكلافاً بشرية ومادية. وأكد أن مشكلتها تكمن في أنها ليست في وارد التكيّف مع دخول لبنان في مرحلة سياسية أمنية جديدة، غير تلك التي كانت قائمة قبل إسنادها لغزة وإيران.

ويبقى السؤال؛ هل يلتزم الحزب بعدم التدخل إسناداً لإيران، أم أن كلمة الفصل تبقى لجناحه العسكري الذي هو على تواصل مع «الحرس الثوري»، خصوصاً أن التواصل بين بري وقيادة الحزب كان وما زال محصوراً بجناحه السياسي، وهذا ما ينسحب أيضاً على التواصل غير المباشر بين عون وعدد من نواب الحزب؟


محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
TT

محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)

تركزت محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق، الاثنين، على معالجة الملفات العالقة بين البلدين؛ وأفادت مصادر مطلعة في العاصمة السورية «الشرق الأوسط» بأن الأهمية المحورية لهذه المباحثات تتمثل في الانتقال من الإطار العام إلى بحث الإجراءات العملية والتنفيذية المطلوبة، مبيّنة أن الجانب السوري ركز على ملف ضبط الحدود والتعاون والتنسيق الأمني المشترك، في حين ركز الجانب اللبناني بشكل أساسي على ملف اللاجئين السوريين في لبنان.

واستقبل وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد حسن الشيباني، في العاصمة دمشق، وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري.

حضر اللقاء من الجانب السوري كل من: وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي، ووزير التربية والتعليم محمد تركو، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في حين ضم الجانب اللبناني كلاً من وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، ووزير العمل محمد حيدر، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.

وزارة الخارجية السورية أوضحت في بيان لها، الاثنين، أن «اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التنسيق المشترك في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الأمني، وضبط الحدود، إلى جانب توسيع آفاق الشراكة في قطاعات التربية والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية والعمل، ومتابعة عمل اللجان الفنية المشتركة بما يخدم المصالح المتبادلة».

وفد لبناني رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في قصر الشعب بدمشق بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني ومسؤولين سوريين (الخارجية السورية)

وتأتي زيارة الوفد اللبناني إلى دمشق في سياق تعزيز العلاقات الثنائية، واستكمالاً للمحادثات السابقة، ومتابعةً لعمل اللجان المشتركة التي شُكّلت بين الجانبين لمعالجة الملفات المشتركة، وذلك بعد أن اتفق البلدان في يوليو (تموز) الماضي على تشكيل لجنة عليا مشتركة كإطار مؤسسي لتنسيق عمل الوزارات المعنية، وتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، وتعزيز التفاهمات الأمنية.

وفي هذا السياق، عقدت الوزارات الثنائية جلسات تخصصية بحثت الملفات المشتركة، كل واحد وفق اختصاصه، بهدف صياغة الإجراءات المطلوبة لمعالجتها، وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وتضمن الجانب اللبناني وفداً تقنياً مكلفاً من وزارة الداخلية لمناقشة ملف التعاون الأمني بالنيابة عن وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار الذي أبلغ الجانب السوري بتأجيل زيارته إلى دمشق لموعد لاحق، مشيراً في بيان أصدره، الاثنين، إلى أن غيابه عن الاجتماع جاء لأسباب خاصة وطارئة.

توافد النازحين السوريين إلى معبر المصنع لدخول لبنان في 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبحسب المصادر المطلعة في دمشق، فقد تصدر ملف ضبط الحدود السورية ـ اللبنانية، وحركة المعابر الحدودية، والتنسيق الأمني لمكافحة التهريب والتسلّل طليعة المحادثات، بموازاة طرح ملف اللاجئين السوريين وأوضاع المقيمين في لبنان، وبالأخص أولئك الذين دخلوا خلسة؛ حيث سعت النقاشات لتناول ملف اللاجئين من زوايا متعددة؛ اجتماعية وأمنية وحقوقية، كما طُرح ملف التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية، وضرورة معالجة ملف معادلة الشهادات العلمية.

يُذكر أن وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيّد، كانت قد زارت سوريا، منتصف الشهر الفائت، لبحث ملف اللاجئين، وأشارت في حينها إلى أن إجمالي العائدين من لبنان إلى سوريا بلغ 700 ألف شخص، بناءً على البيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2026.

وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد تتوسط مسؤولين في الأمم المتحدة خلال الإشراف على رحلة عودة النازحين السوريين من لبنان (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه التطورات بدء دمشق وبيروت صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقطع مع مرحلة النظام السوري السابق وهيمنته على لبنان، والعمل على معالجة آثار تركة المرحلة السابقة عبر بناء علاقات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين.

وتوجت زيارة الوفد الوزاري اللبناني برئاسة متري، الاثنين، مساراً دبلوماسياً متصاعداً انطلق فعلياً في مارس (آذار) 2025 بلقاء أمني تأسيسي عُقد في مدينة جدة برعاية سعودية، وأثمر اتفاقية بين وزيري دفاع البلدين لتعزيز التنسيق، وضبط الحدود، تلته في أبريل (نيسان) من العام نفسه زيارة تاريخية كانت الأولى لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى العاصمة السورية، صِيغت خلالها أطر تعاون جديدة.

مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بدأ الوزير طارق متري جولة تفاهمات أولية مهدت الطريق لزيارات لاحقة، أبرزها زيارة المتابعة التي قام بها سلام في مايو (أيار) 2026، والتي أعقبها حراك دبلوماسي سوري في يوليو 2026 تمثّل في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وإعلان تأسيس «اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة».