لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

قلق مزمن حوّل الخوف جزءاً من الحياة اليومية

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
TT

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

«الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما فرضت الحروب المتكررة واقعاً من الترقب والاستعداد لأي تصعيد مفاجئ». بهذه العبارة، تختصر مريم مرعي ما يعيشه كثير من اللبنانيين وتحديداً في الجنوب، جراء الأنباء عن احتمالات تجدد الحرب.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل تصعيد يعيدنا إلى الدوامة نفسها من القلق والترقب»، مشيرةً إلى أن حقيبة الطوارئ تبقى جاهزة، وأن السؤال الذي يرافقها باستمرار هو: «إذا حصل شيء، ماذا سنفعل؟ وإلى أين سنذهب؟».

وتضيف أن أصعب ما يعيشه اللبناني اليوم هو فقدان الشعور بالأمان داخل منزله، قبل أن تختم بالقول: «كل ما أتمناه هو أن نعود إلى حياة طبيعية، وأن نخطط للغد بدلاً من أن نخطط للهروب، وأن نشعر بأن بيوتنا أماكن آمنة، لا أماكن نخشى أن نُجبر على مغادرتها في أي وقت. ما نأمله ببساطة هو حياة طبيعية».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

ومرعي واحدة من آلاف اللبنانيين الذين يعيدهم خبر أمني أو تهديد محتمل، إلى تنفيذ «الخطة ب»، أي الاستعداد للنزوح. ولم يعد هذا الاستعداد يقتصر على المناطق التي شهدت أي تصعيد، بل امتد إلى معظم اللبنانيين الذين باتوا يتعاملون مع أي تطور أمني بوصفه إنذاراً مبكراً... حقائب الطوارئ، وخطط النزوح، والبحث عن أماكن أكثر أماناً، باتت جزءاً من نمط الحياة، في انتظار تصعيد محتمل.

من الخبر العاجل... إلى خطة الهروب

تقول مروى جابر إن مجرد تداول خبر عن احتمال تجدد التصعيد كان كافياً لإعادة مشاعر الخوف التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب، مؤكدةً أن القلق بات يسبق التحقق من صحة الأخبار.

وتروي أنه بمجرد انتشار أي خبر يبدأ الجميع يتساءل: «هل ستعود الحرب؟»، فيما يغادر بعض الموظفين أعمالهم تحسباً للأسوأ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الخبر لم يكن دقيقاً.

وتضيف: «أدركت أننا لم نفكر إلا في أمر واحد: كيف نستعد للحرب من جديد، ما زلنا نعيش آثار الحرب حتى عندما تكون بعيدة عن الميدان».

وتتحدث فرح سماحة عن المشهد نفسه، موضحةً أن أي تطور أمني ولو كان خارج الحدود، يعيد اللبنانيين تلقائياً إلى ذاكرة النزوح. وتقول: «يتحول التفكير مباشرةً إلى كيفية حماية العائلة، وإلى أين سنهرب؟ وما الذي يجب أن نجهزه؟». وترى أن اللبنانيين «أصبح لديهم دائماً خطة بديلة لاحتمال اندلاع الحرب، في وقت يخطط فيه الآخرون لمستقبلهم»، معتبرة أن «العيش مع الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية».

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنازحين بمنطقة عاليه بجبل لبنان (رويترز)

الحرب لا تنتهي عند وقف إطلاق النار

لا يقف أثر الحروب عند حدود الدمار والخسائر البشرية، بل يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الناس ويعيشون يومهم. وتجد الشهادات السابقة تفسيرها في قراءة المعالجة النفسية الدكتورة ريما حداد، التي ترى أن تكرار الحروب في لبنان لم يترك ندوباً في الذاكرة فحسب، بل خلق حالة من الاستنفار النفسي الدائم، جعلت كثيراً من اللبنانيين يعيشون كأنهم ينتظرون الحرب التالية.

وترى حداد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تكرار الحروب في لبنان ترك آثاراً نفسية عميقة لدى السكان»، مشيرةً إلى أن «كثيراً من اللبنانيين يعيشون في حالة تأهب دائم، حتى خلال فترات الهدوء، نتيجة تراكم الصدمات والخوف المستمر من تجدد المواجهات».

استنفار نفسي دائم

وتقول إن المجتمعات التي تتعرض لحروب متكررة تدخل في حالة استنفار نفسي دائم، موضحةً أن «الدماغ يصبح كأنه في حالة إنذار مستمر، فيراقب أي صوت أو حدث جديد، ويجري باستمرار عملية تفقد لما إذا كان هناك خطر يقترب». وأضافت أن «هذه الحالة تنعكس على القدرة على التركيز والعمل والتخطيط للمستقبل، إذ يفقد كثيرون شعورهم بالأمل رغم توقف الحرب، ويبقى الخوف والتوتر والقلق مرافقاً لهم بصورة يومية».

وأشارت إلى أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الضغط النفسي المزمن (Chronic Stress)»، مؤكدةً أن «الحروب المتتالية دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى العيش في حالة قلق مزمن، فيبقون مترقبين لأي تطور، متوترين، سريعي الانفعال، وفاقدين للشعور بالاستقرار».

ورأت حداد أن هذه الحالة النفسية لا تقتصر على الجانب العاطفي، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، إذ «تؤثر في الإنتاجية، والقدرة على العمل، واتخاذ القرارات، والتخطيط للمستقبل، كما تنعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية والعلاقات الاجتماعية».

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أ.ف.ب)

تهديد مستمر وقلق مزمن

وأوضحت حداد أن هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان ناتج عن عاملين متداخلين، يتمثل الأول في «التهديد المستمر الذي يعيشه اللبنانيون»، فيما يتمثل الثاني في «القلق المزمن الذي تولِّده الصدمات المتكررة»، محذرةً من أن استمرار هذه الحالة «يؤدي إلى تراجع القدرة على رسم المشاريع المستقبلية واتخاذ القرارات، لأن الشخص يصبح منشغلاً بتوقع الخطر أكثر من انشغاله ببناء مستقبله».

وعن سبل الحد من هذه الآثار النفسية، دعت حداد إلى التقليل قدر الإمكان من التعرض المستمر للأخبار، والابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية، وممارسة النشاط البدني بانتظام، ووضع أهداف صغيرة وقريبة يمكن تحقيقها تدريجياً لاستعادة الشعور بالسيطرة والاستقرار. كما شددت على أهمية عدم كبت المشاعر، مؤكدةً أن «التحدث مع اختصاصي نفسي، أو مع أشخاص موثوقين من العائلة أو الأصدقاء، يساعد على تخفيف الخوف والقلق ومنع تراكمهما».


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

المشرق العربي مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

اقترب القضاء اللبناني من ختم التحقيق الأولي في ملف متفجرات ضهر البيدر التابعة لـ«حزب الله»؛ تمهيداً للادعاء على المشتبه بتورطهم في القضية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)

ماذا طبّق لبنان من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

يعيد توقيف شحنة المتفجرات في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان أخيراً، النقاش حول قرار الحكومة اللبنانية الشهير بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف وأحرقت منازل في جنوب لبنان، بالتزامن مع قصف مدفعي طال بلدات عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي خلال استقباله ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولاينا ليندهولم بيلينغ (صفحة رجي على إكس)

لبنان يشدّد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

شدّد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي على ضرورة إنهاء ملف عودة النازحين السوريين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عون مستقبلاً وزيرة الخارجية والدفاع الآيرلندية هيلين ماكنتي (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: إسرائيل تضع العراقيل أمام تطبيق الاتفاق... والاتصالات مع واشنطن بلا نتيجة

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أن الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل تطبيق اتفاق واشنطن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

اقترب القضاء اللبناني من ختم التحقيق الأولي في ملف متفجرات ضهر البيدر التابعة لـ«حزب الله»؛ تمهيداً للادعاء على المشتبه بتورطهم في القضية، في حين جدّد وزير العدل عادل نصار إصراره على إحالة الملف إلى المجلس العدلي، عادَّاً أن «خطورة الملف تتجاوز نقل المتفجرات وتخزينها إلى تهديد الأمن الوطني والسلم الأهلي».

وينتظر أن يتسلّم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، خلال ساعات قليلة، محاضر التحقيقات الأولية التي أجرتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، لدرسها والادعاء على المتورطين في القضية، بما يتناسب مع الجرائم التي تتطابق مع أفعالهم.

7 مطلوبين

وبينما تحدثت معلومات عن توقيف شخص جديد، إضافة إلى الشخصين اللذين كانا داخل الشاحنة التي تنقل المتفجرات، وهما ع. ك. وه. أ. أوضح المصدر القضائي أن التوقيفات «لا تزال تقتصر على شخصين». لكنّه أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن التحقيق «كشف هويات خمسة أشخاص آخرين يُشتبه بصلتهم بالقضية، من بينهم المدعو (ساجد) وهو شخصية أمنية تنتمي إلى (حزب الله)، ويُشتبه بأنه سلّم المتفجرات في بعلبك، والآخر باسم (ذو الفقار) وله حيثية أمنية أيضاً، وكان يُفترض أن يتسلّم المتفجرات في الضاحية الجنوبية لبيروت، بالإضافة إلى زوجة ه. أ. وصاحب الشاحنة التي كانت تحمل المتفجرات».

مناصرون لـ«حزب الله» بمسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت مساء الجمعة اعتراضاً على توقيف الضالعين بنقل المتفجرات (أرشيفية - المركزية)

وإلى أن تتخذ الحكومة قرارها بإحالة الملف على المجلس العدلي من عدمه، يفترض أن يستمر المسار القضائي في هذا الملفّ أمام المحكمة العسكرية، وأعلن المصدر القضائي أن القاضي كلود غانم «سيعكف على دراسة المحاضر ومطابقة الاعترافات والأدلة مع النصوص القانونية المنطبقة على الأفعال المنسوبة إلى المشتبه بهم؛ تمهيداً لتحديد الأوصاف الجرمية التي سيستند إليها في الادعاء على الموقوفين والفارّين».

وتوقع أن «يتم الادعاء يوم الخميس على الأشخاص الذين حُددت مسؤولياتهم في هذا الملف». وشدد على أن التحقيق الأولي «توصل إلى كشف الأسماء الحقيقية للمتورطين بالقضية، وبعضهم صدرت مذكرات إحضار وبحث وتحرّ بحقهم وهي قيد التنفيذ».

وزير العدل

بالتوازي مع انتهاء التحقيق الأولي وانتقاله إلى القضاء العسكري صاحب الاختصاص للنظر في مثل هذه الجرائم، تمسّك وزير العدل عادل نصّار بإصراره على إحالة الملف على المجلس العدلي، مؤكداً أن هذا الموقف «لا يعني التشكيك بالقائمين على التحقيق، خصوصاً مفوض الحكومة لديها القاضي كلود غانم».

وشدّد نصار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن القضية «لا تتعلق فقط بنقل المتفجرات، بل تنطوي على بُعد أوسع يهدّد الأمن الوطني والسلم الأهلي، وهو ما يستند إليه في المطالبة بالإحالة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير العدل عادل نصار في القصر الرئاسي الأربعاء (الرئاسة اللبنانية)

وكشف وزير العدل عن أنه أعدّ مطالعة قانونية سلّمها إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، خلص فيها إلى أن «استلام متفجرات بهذه الخطورة يشكّل خرقاً للأمن الوطني والقومي، كما أن تخزينها ونقلها يهدّدان سلامة اللبنانيين وحياتهم»، عادَّاً أن «اعتراف الفريق المعني (حزب الله) بحيازته هذه المواد واستخدامها في (جبهة إسناد جديدة) يشكّلان إقراراً بأنه شريك في تهديد الأمن الداخلي اللبناني، وبالتالي هناك مسؤولية تترتب على احتمال انفجار هذه المواد خلال تخزينها أو نقلها، لما قد ينجم عن ذلك من كارثة تطول المدنيين».

إقرار «حزب الله»

ويستمرّ السجال بين المراجع الرسمية التي تحمّل الحزب مسؤولية المغامرة بأمن اللبنانيين، سواء في الداخل أو في تلويحه الدائم بفتح جبهة مواجهة جديدة مع إسرائيل، وعدَّ وزير العدل اللبناني أن «إقرار منظومة أمنية وعسكرية بأنها تستورد هذه المواد لاستخدامها في الحرب خارج إطار الدولة يشكّل أكبر تهديد للأمن القومي الداخلي اللبناني». وربط خطورة القضية بـ«طبيعة المواد المضبوطة وباستخدامها بعيداً عن سلطة الدولة». ورأى أن «المضيّ في هذا المسار والتمسّك بعمل المؤسسات» يمثّل «انتصاراً لقلم الشرعية على السلاح غير الشرعي».


لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
TT

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

«الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما فرضت الحروب المتكررة واقعاً من الترقب والاستعداد لأي تصعيد مفاجئ». بهذه العبارة، تختصر مريم مرعي ما يعيشه كثير من اللبنانيين وتحديداً في الجنوب، جراء الأنباء عن احتمالات تجدد الحرب.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل تصعيد يعيدنا إلى الدوامة نفسها من القلق والترقب»، مشيرةً إلى أن حقيبة الطوارئ تبقى جاهزة، وأن السؤال الذي يرافقها باستمرار هو: «إذا حصل شيء، ماذا سنفعل؟ وإلى أين سنذهب؟».

وتضيف أن أصعب ما يعيشه اللبناني اليوم هو فقدان الشعور بالأمان داخل منزله، قبل أن تختم بالقول: «كل ما أتمناه هو أن نعود إلى حياة طبيعية، وأن نخطط للغد بدلاً من أن نخطط للهروب، وأن نشعر بأن بيوتنا أماكن آمنة، لا أماكن نخشى أن نُجبر على مغادرتها في أي وقت. ما نأمله ببساطة هو حياة طبيعية».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

ومرعي واحدة من آلاف اللبنانيين الذين يعيدهم خبر أمني أو تهديد محتمل، إلى تنفيذ «الخطة ب»، أي الاستعداد للنزوح. ولم يعد هذا الاستعداد يقتصر على المناطق التي شهدت أي تصعيد، بل امتد إلى معظم اللبنانيين الذين باتوا يتعاملون مع أي تطور أمني بوصفه إنذاراً مبكراً... حقائب الطوارئ، وخطط النزوح، والبحث عن أماكن أكثر أماناً، باتت جزءاً من نمط الحياة، في انتظار تصعيد محتمل.

من الخبر العاجل... إلى خطة الهروب

تقول مروى جابر إن مجرد تداول خبر عن احتمال تجدد التصعيد كان كافياً لإعادة مشاعر الخوف التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب، مؤكدةً أن القلق بات يسبق التحقق من صحة الأخبار.

وتروي أنه بمجرد انتشار أي خبر يبدأ الجميع يتساءل: «هل ستعود الحرب؟»، فيما يغادر بعض الموظفين أعمالهم تحسباً للأسوأ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الخبر لم يكن دقيقاً.

وتضيف: «أدركت أننا لم نفكر إلا في أمر واحد: كيف نستعد للحرب من جديد، ما زلنا نعيش آثار الحرب حتى عندما تكون بعيدة عن الميدان».

وتتحدث فرح سماحة عن المشهد نفسه، موضحةً أن أي تطور أمني ولو كان خارج الحدود، يعيد اللبنانيين تلقائياً إلى ذاكرة النزوح. وتقول: «يتحول التفكير مباشرةً إلى كيفية حماية العائلة، وإلى أين سنهرب؟ وما الذي يجب أن نجهزه؟». وترى أن اللبنانيين «أصبح لديهم دائماً خطة بديلة لاحتمال اندلاع الحرب، في وقت يخطط فيه الآخرون لمستقبلهم»، معتبرة أن «العيش مع الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية».

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنازحين بمنطقة عاليه بجبل لبنان (رويترز)

الحرب لا تنتهي عند وقف إطلاق النار

لا يقف أثر الحروب عند حدود الدمار والخسائر البشرية، بل يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الناس ويعيشون يومهم. وتجد الشهادات السابقة تفسيرها في قراءة المعالجة النفسية الدكتورة ريما حداد، التي ترى أن تكرار الحروب في لبنان لم يترك ندوباً في الذاكرة فحسب، بل خلق حالة من الاستنفار النفسي الدائم، جعلت كثيراً من اللبنانيين يعيشون كأنهم ينتظرون الحرب التالية.

وترى حداد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تكرار الحروب في لبنان ترك آثاراً نفسية عميقة لدى السكان»، مشيرةً إلى أن «كثيراً من اللبنانيين يعيشون في حالة تأهب دائم، حتى خلال فترات الهدوء، نتيجة تراكم الصدمات والخوف المستمر من تجدد المواجهات».

استنفار نفسي دائم

وتقول إن المجتمعات التي تتعرض لحروب متكررة تدخل في حالة استنفار نفسي دائم، موضحةً أن «الدماغ يصبح كأنه في حالة إنذار مستمر، فيراقب أي صوت أو حدث جديد، ويجري باستمرار عملية تفقد لما إذا كان هناك خطر يقترب». وأضافت أن «هذه الحالة تنعكس على القدرة على التركيز والعمل والتخطيط للمستقبل، إذ يفقد كثيرون شعورهم بالأمل رغم توقف الحرب، ويبقى الخوف والتوتر والقلق مرافقاً لهم بصورة يومية».

وأشارت إلى أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الضغط النفسي المزمن (Chronic Stress)»، مؤكدةً أن «الحروب المتتالية دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى العيش في حالة قلق مزمن، فيبقون مترقبين لأي تطور، متوترين، سريعي الانفعال، وفاقدين للشعور بالاستقرار».

ورأت حداد أن هذه الحالة النفسية لا تقتصر على الجانب العاطفي، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، إذ «تؤثر في الإنتاجية، والقدرة على العمل، واتخاذ القرارات، والتخطيط للمستقبل، كما تنعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية والعلاقات الاجتماعية».

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أ.ف.ب)

تهديد مستمر وقلق مزمن

وأوضحت حداد أن هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان ناتج عن عاملين متداخلين، يتمثل الأول في «التهديد المستمر الذي يعيشه اللبنانيون»، فيما يتمثل الثاني في «القلق المزمن الذي تولِّده الصدمات المتكررة»، محذرةً من أن استمرار هذه الحالة «يؤدي إلى تراجع القدرة على رسم المشاريع المستقبلية واتخاذ القرارات، لأن الشخص يصبح منشغلاً بتوقع الخطر أكثر من انشغاله ببناء مستقبله».

وعن سبل الحد من هذه الآثار النفسية، دعت حداد إلى التقليل قدر الإمكان من التعرض المستمر للأخبار، والابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية، وممارسة النشاط البدني بانتظام، ووضع أهداف صغيرة وقريبة يمكن تحقيقها تدريجياً لاستعادة الشعور بالسيطرة والاستقرار. كما شددت على أهمية عدم كبت المشاعر، مؤكدةً أن «التحدث مع اختصاصي نفسي، أو مع أشخاص موثوقين من العائلة أو الأصدقاء، يساعد على تخفيف الخوف والقلق ومنع تراكمهما».


الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
TT

الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع دعمه جهود رئيس الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن البلدين أمام فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين تحميان مصالحهما وتحققان التنمية والازدهار.

‏وجاءت تصريحات الشرع خلال مقابلة مع قناة «دجلة» العراقية، بُثت مساء الثلاثاء، في أول ظهور إعلامي له أمام الجمهور العراقي منذ توليه الرئاسة في يناير (كانون الثاني) 2025. واللافت، حسب مراقبين، إجراء المقابلة عبر قناة «دجلة»، التي يُشاع أنها مملوكة لرئيس الحكومة العراقية أو أحد أشقائه، بدلاً من التلفزيون الرسمي.

وأكد الشرع أن مصير العراق وسوريا مرتبط تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، داعياً إلى تنظيم العلاقات بينهما وفق قواعد ثابتة تراعي الروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة بعيداً عن المزاجية.

وأشار إلى أن سوريا تُمثل منفذاً استراتيجياً للعراق على البحر المتوسط، وممراً يربطه بالغرب وصولاً إلى الخليج العربي.

وعلى الرغم من الاعتراضات التي أبدتها قوى وفصائل حليفة لإيران في العراق للتقارب مع سوريا، بعد إطاحة نظام بشار الأسد عام 2024، فإن الشرع أشاد بموقف الحكومة العراقية ووصفه بالإيجابي، وذكر أن «الحكومة ‏العراقية السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، اتخذت توجهاً صائباً، وأن التطورات ‏اللاحقة أسهمت في تصحيح المسار الذي كانت بعض القوى السياسية تدفع باتجاهه».‏

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

‏حصر السلاح بيد الدولة

وقدَّم الشرع دعمه لجهود رئيس الوزراء علي الزيدي في ملفي الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن الزيدي «جاد في ذلك»، مؤكداً دعم بلاده لتوجه الزيدي نحو تحقيق هذا الهدف. وقال الشرع إن «بناء جيش موحد وقوي يُشكل ‏مصدر قوة وحماية للجميع».

وبالنسبة للشأن المتعلق بالمخاوف الأمنية المشتركة بين البلدين، أشار الشرع ‏إلى أن «الحكومة العراقية التقطت الرسائل السورية منذ اللحظات ‏الأولى، رغم محاولات التشويش على موقفها، مؤكداً وجود تنسيق أمني عالٍ بين ‏البلدين»، لافتاً إلى أن الحدود تشهد حالة من الاستقرار والأمان، مع استمرار التواصل بشأن أي ‏ملاحظات أو مخاوف».

‏ ‏وفيما يتعلق بتنظيم «داعش» وبقية الجماعات المتطرفة، قال، إن «التهديدات تراجعت تدريجياً مقارنة بما كانت عليه في مراحل ‏سابقة، من دون أن يعني ذلك الوصول إلى حالة من الاطمئنان الكامل».

شاحنات نفط قادمة من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية بسوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

روابط اقتصادية ‏ ‏

وفي الشأن الاقتصادي، أكد الشرع أن سوريا والعراق قطعا شوطاً خلال الفترة الماضية. وقال إن «المسار الطبيعي لبلدين متجاورين مثل سوريا والعراق يتمثل في بناء مصالح مشتركة يصعب فكها مستقبلاً، تشمل القضايا الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تبقى هذه المصالح مقدمة على أي سياسات مزاجية أو تغيرات سياسية».

وفيما يتعلق بمشروع الربط النفطي، أشار الشرع إلى أن شركات عدة زارت سوريا خلال العام الماضي، باستثمارات بمئات ملايين الدولارات، وبحثت فرصاً تحقق منفعة متبادلة، مشدداً على «ضرورة إعادة بناء خطوط النفط إلى بانياس لأهميتها للعراق وما يمكن أن تحققه من منفعة لسوريا».

وخلال الأشهر الأخيرة، تواصل السلطات العراقية تنويع منافذ تصدير النفط، خصوصاً عبر الأراضي السورية وميناء بانياس، بعدما اعتمدت بدرجة كبيرة على مياه الخليج ومضيق هرمز، الذي ألحق إغلاقه أضراراً فادحة بالاقتصاد العراقي وقطاع النفط.

علاقات اجتماعية

وأكد الرئيس الشرع انفتاح سوريا الكبير على تعزيز العلاقات الاجتماعية مع العراق ‏وتسهيل السفر وتنقل الأفراد بين البلدين، مشدداً على أن العلاقة السورية العراقية «لا ‏تقوم على منظور طائفي أو عرقي»، وإنما تستند إلى المشتركات التاريخية والاقتصادية ‏والروابط العميقة بين الشعبين.‏

‏‏دخول العراق

وتطرقت المقابلة مع الشرع إلى دخوله العراق قبل وصول القوات الأميركية عام 2003 بنحو أسبوع أو 10 أيام، بمبادرة شخصية، بدافع ما وصفه بشعوره بالمسؤولية تجاه الشعب العراقي. وأوضح أنه دخل السجن في العراق عام 2005، وبقي فيه حتى عام 2011، قبل أن يعود إلى سوريا مع بداية الثورة السورية، من دون أن يتدخل في القتال الذي شهدته الساحة العراقية خلال تلك السنوات.