أعاد إعلان الجيش الإسرائيلي رصد نشاط عسكري لـ«حزب الله» في منشأة ببلدة كفرا (جنوب لبنان)، وهي منشأة سبق للجيش اللبناني أن دخلها، وفق ما قالت إسرائيل، طرح أسئلة بشأن إجراءات التعامل مع المواقع العسكرية جنوب نهر الليطاني وآليات التحقق من عدم إعادة استخدامها. وجاء الإعلان بالتزامن مع المفاوضات العسكرية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية، التي تُعقد يومَي الثلاثاء والأربعاء برعاية أميركية، وتركز على الجوانب الأمنية من «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل.
اتهامات إسرائيلية وتساؤلات بشأن التحقق
وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، إن الجيش اللبناني تلقى، عبر آلية المراقبة الأميركية، طلباً في ديسمبر (كانون الأول) 2025 لمعالجة منشأة في كفرا قالت إن «حزب الله» يستخدمها لتخزين أسلحة. وأضافت أن الجيش أعلن اتخاذ الإجراءات اللازمة، لكن «الحزب» واصل، وفق الرواية الإسرائيلية، استخدام الموقع ونقل معدات منه.
ونشرت الناطقة الإسرائيلية مشاهد قالت إنها تُظهر عناصر من «الحزب» ينقلون أسلحة إلى شاحنة استهدفها الجيش الإسرائيلي لاحقاً. واتهم البيان جهات داخل الجيش اللبناني بالتنسيق مع «الحزب» بما أتاح له إخلاء معدات عسكرية قبل تنفيذ الإجراءات الأمنية. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الاتهامات أو تاريخ تصوير المشاهد، فيما لم يتوفر رد لبناني فوري بشأنها.

اتهامات للضغط على الجيش وإعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر
رأى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو أن «توقيت الإعلان الإسرائيلي عن رصد نشاط لـ(حزب الله) داخل منشأة في بلدة كفرا، قبل ساعات من انعقاد المفاوضات العسكرية في تامبا، يهدف إلى الضغطِ على الجيش اللبناني والتشكيكِ في قدرته على تنفيذ مهامه، وفرضِ شروط إضافية تعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر»، عادّاً أن «إسرائيل تستخدم مثل هذه الإعلانات في توقيت سياسي وعسكري مدروس، بصرف النظر عن طبيعة النشاط المعلن عنه أو حجمه».
وأوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلانات الإسرائيلية عن تحركات (حزب الله) تتكرر عادة بالتزامن مع المفاوضات أو انتشار الجيش اللبناني، في محاولة لإظهار المؤسسة العسكرية (اللبنانية) بمظهر العاجز عن أداء مهامها، رغم أن الإسرائيليين يعلمون تماماً أن ذلك غير صحيح»، لافتاً إلى أن «إسرائيل نفسها تعرقل الانتشار الفعلي للجيش في الجنوب».
واستشهد بما يجري في بلدة زوطر، قائلاً: «الجيش اللبناني ينتشر في زوطر الغربية، بينما توجد القوات الإسرائيلية في زوطر الشرقية وتنفذ عمليات تفجير وتدمير، وكلما تحرك الجيش تعرّض للاستهداف أو للقصف في محيط مواقعه».
وعدّ أن إسرائيل تتصرف على أساس أن الحرب لم تنتهِ، وربط ذلك بالانتخابات الإسرائيلية ومواقف وزراء يَدعون إلى ضم أراضٍ لبنانية. واستشهد بملف الأنفاق التي حفرها «حزب الله» بين عامَي 2014 و2018، مشيراً إلى أن إسرائيل كانت على علم بوجودها قبل إعلانها عنها. ورأى أن «توقيت التصريحات والإعلانات الإسرائيلية يحمل دلالات سياسية وعسكرية، ولا يمكن النظر إلى كل إعلان بمعزل عن الظروف التي يصدر فيها».

الصور قد تُستخدم لفرض شروط إضافية للانسحاب
بدوره، عدّ العميد المتقاعد خالد حمادة أن الإعلان الإسرائيلي «يأتي في توقيت مقصود، ويهدف إلى استخدام هذه المعطيات ورقة ضغط على الوفد اللبناني؛ لفرض شروط إضافية تتعلق بآليات التحقق من خلو المناطق الجنوبية من الوجود العسكري لـ(الحزب)، وربط الانسحاب الإسرائيلي بضمانات أمنية قد تؤدي إلى إطالة أمد الاحتلال».
وأوضح حمادة لـ«الشرق الأوسط» أن «المسألة الأساسية لا تتعلق فقط بالصور التي نشرها الجيش الإسرائيلي، وإنما بتاريخ التقاطها ومدى ارتباطها بالوضع الميداني الحالي»، متسائلاً: «هل هذه الصور حديثة أم تعود إلى مرحلة سابقة؟ وهل التُقطت اليوم أم خلال الحرب الماضية؟ لا يمكن الجزم بذلك من دون التحقق من توقيتها ومضمونها».
وأشار إلى أن «الجيش اللبناني قد لا يكون قادراً على تأكيد الرواية الإسرائيلية أو نفيها بصورة قاطعة، خصوصاً إذا لم يكن موجوداً في المنطقة المعنية أو قادراً على الوصول إليها للتحقق ميدانياً».
وقال: «إذا كان الجيش اللبناني قد أعلن سيطرته على جنوب الليطاني، ثم جاءت إسرائيل لتقول إن (حزب الله) يواصل نشاطه العسكري بمنشأة في كفرا، فإنها ستستخدم ذلك للتشكيك في فاعلية الإجراءات اللبنانية، والقول إن السيطرة المعلنة لم تمنع استمرار النشاط العسكري لـ(الحزب)».
وأضاف: «لا أعتقد أن (حزب الله) في وارد شن حرب جديدة انطلاقاً من هذه المنطقة، لكن المشكلة تكمن في كيفية استخدام إسرائيل هذه المعطيات، بصرف النظر عن مدى صحتها، لإعادة فتح النقاش بشأن إجراءات التحقق، والمطالبة بضمانات إضافية قبل تنفيذ الانسحاب».
ورأى حمادة أن «غياب جهة موثوقة ومتفق عليها للتحقق من هذه الادعاءات يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة؛ إذ تستطيع التذرع باستمرار وجود نشاط عسكري لـ(حزب الله) لرفض الانسحاب، فيما لا يمتلك الجانب اللبناني أوراق ضغط كافية لإلزامها تنفيذ تعهداتها».
وحذّر بأن ربط الانسحاب بمطالب أمنية إضافية قد يعيد طرح جدول زمني طويل، قائلاً إن «الاتفاق الذي جرى التوصل إليه يفترض أن يقود إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، لكن منح إسرائيل ذرائع إضافية قد يفتح الباب أمام إعادة طرح انسحاب تدريجي طويل الأمد، ربما يمتد إلى 5 سنوات؛ بذريعة إعطاء الدولة اللبنانية الوقت الكافي لإزالة البنية التحتية العسكرية لـ(حزب الله) ومصادرة أسلحته».








