لم يكن متابعو مسيرة اليوناني جورجيوس دونيس والكرواتي زلاتكو داليتش في الملاعب السعودية يتوقعون أن يلتقي المدربان مجدداً، لا بوصفهما خصمين في مواجهة محلية بين الأندية، بل على رأس الجهازين الفنيين لمنتخبي السعودية والإمارات في نهائي كأس الخليج العربي «خليجي 27» بمدينة جدة.
وتحمل المواجهة المنتظرة مفارقة لافتة؛ فالمدربان اللذان يقودان طرفي النهائي الخليجي تشكّلت تجربتهما في المنطقة عبر الملاعب السعودية، قبل أن تتوسع رحلة داليتش في الإمارات ثم تصل إلى أعلى مستويات كرة القدم العالمية، بينما بقي دونيس على تماس مباشر مع اللاعب السعودي وتفاصيل المنافسة المحلية خلال محطات متعددة.
وتولى دونيس قيادة المنتخب السعودي في أبريل (نيسان) 2026، خلفاً للفرنسي هيرفي رينارد، مستفيداً من معرفته الواسعة بالكرة السعودية، بعدما عمل مع عدد من أنديتها، واختبر مستويات مختلفة من المنافسة والضغوط والتطلعات.
وبدأت رحلة المدرب اليوناني في السعودية مع الهلال عام 2015، في تجربة تعد الأبرز في مسيرته المحلية، بعدما قاد الفريق إلى الفوز بكأس خادم الحرمين الشريفين وكأس السوبر السعودي وكأس ولي العهد. ورغم نجاحه في إعادة الفريق إلى منصات التتويج، انتهت التجربة في الموسم التالي عقب تراجع النتائج، خصوصاً على الصعيد الآسيوي.
وعاد دونيس إلى السعودية من بوابة الوحدة عام 2021، في مهمة قصيرة لم يتمكن خلالها من إنقاذ الفريق من الهبوط، قبل أن ينتقل إلى الفتح، ويقدم معه تجربة مختلفة بين عامي 2022 و2023. وتميز الفريق تحت قيادته بالنزعة الهجومية والقدرة على منافسة الأندية الكبرى، ليعيد المدرب اليوناني تقديم نفسه بوصفه أحد أكثر المدربين معرفة بتفاصيل الدوري السعودي.
وخاض دونيس بعد ذلك تجربة جديدة مع الوحدة، قاد خلالها الفريق إلى نهائي كأس السوبر، قبل أن ينتقل إلى الخليج في آخر محطاته مع الأندية السعودية. وبذلك لم يصل إلى قيادة «الأخضر» من تجربة واحدة ناجحة، بل من رحلة طويلة جمع فيها بين الأندية المنافسة على البطولات والفرق التي تصارع من أجل تحسين موقعها والبقاء.
وبعد سنوات، واجه خلالها تقلبات النتائج وضغوط العمل اليومي في الأندية، انتقل دونيس إلى أعلى منصب فني في الكرة السعودية، وقاد المنتخب في كأس العالم 2026، قبل أن يصبح على بُعد مباراة واحدة من إحراز أول ألقابه الدولية، وإعادة كأس الخليج إلى السعودية بعد غياب دام 23 عاماً.
وعلى الطرف الآخر، وصل داليتش إلى قيادة المنتخب الإماراتي في أغسطس (آب) 2026، بعد 9 أعوام مع منتخب كرواتيا، حقق خلالها وصافة كأس العالم 2018 والمركز الثالث في مونديال 2022. ورغم الصورة العالمية التي ارتبطت به، فإن بدايات صعوده التدريبي تشكّلت في الملاعب السعودية والخليجية قبل انتقاله إلى المسرح الدولي.
وكان الفيصلي أولى محطاته البارزة في المنطقة بين عامي 2010 و2012، حين قاد الفريق إلى مستويات لافتة، وحصل على جائزة أفضل مدرب في الدوري السعودي عام 2011، بعدما أنهى الموسم في المركز السادس، في تجربة رفعت اسمه داخل الكرة السعودية.
وانتقل داليتش بعدها إلى الهلال، حيث بدأ مع الفريق الأولمبي قبل أن يتولى قيادة الفريق الأول عام 2013، ونجح في الفوز بكأس ولي العهد، ولم تستمر تجربته طويلاً، إلا أنها شكلت محطة إضافية في مسيرته قبل أن يغادر إلى الإمارات لقيادة العين.
ومع العين بين عامي 2014 و2017، عاش المدرب الكرواتي إحدى أنجح مراحله على مستوى الأندية، بعدما تُوج بالدوري الإماراتي وكأس رئيس الدولة، وقاد الفريق إلى نهائي دوري أبطال آسيا عام 2016. ومن تلك المحطة انتقل إلى قيادة منتخب بلاده، ليصنع الإنجاز الأكبر في تاريخه بوصول كرواتيا إلى نهائي كأس العالم في روسيا، ثم إحراز برونزية مونديال قطر.
وبعد انتهاء رحلته الطويلة مع كرواتيا، عاد داليتش إلى الخليج من بوابة المنتخب الإماراتي، واحتاج إلى فترة قصيرة ليقود «الأبيض» إلى نهائي «خليجي 27» دون خسارة، مستنداً إلى خبرته الدولية ومعرفته السابقة بطبيعة اللاعب الإماراتي وأجواء الكرة الخليجية.
ولا تقتصر مواجهة جدة على الصراع بين المنتخبين، إذ تجمع أيضاً مدربين يعرفان الملاعب السعودية جيداً، وسبق لهما اختبار ضغوطها وتقلباتها، كما أن كليهما غادر أندية سعودية في مراحل سابقة، قبل أن يعود الآن قائداً لمشروع منتخب يبحث عن الذهب الخليجي.
ويعتمد دونيس على انضباطه التكتيكي ومعرفته الدقيقة بإمكانات اللاعب السعودي، بعدما درب أجيالاً متعددة في الهلال والوحدة والفتح والخليج. وفي المقابل، يدخل داليتش النهائي بخبرة متراكمة من البطولات الكبرى، وقدرة على إدارة المباريات الإقصائية والتعامل مع اللحظات الحاسمة، إضافة إلى معرفته بالكرة الإماراتية التي اكتسبها خلال تجربته الطويلة مع العين.
وبين رغبة دونيس في تحقيق أول ألقابه مع المنتخب السعودي، وطموح داليتش إلى استهلال عودته الخليجية ببطولة مع الإمارات، يقدم نهائي جدة مواجهة تتجاوز حدود الملعب؛ فالمدربان اللذان صنعا جانباً مهماً من اسميهما في السعودية يعودان إليها من بوابة المنتخبين، بحثاً عن كأس لا تتسع إلا لأحدهما.
