هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

استمع إلى المقالة

عادت الحرب إلى شمال إثيوبيا، ولكنها هذه المرة تتجاوز الصراع بين الحكومة وقادة إقليم تيغراي، لتفتح الباب أمام مواجهة تتداخل فيها مصالح دول الجوار. فخلف المعارك على المدن والمطارات، تتحرك خلافات حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر والحرب السودانية، في منطقة تتبدل فيها التحالفات بسرعة، ويتحول حليف الأمس إلى خصم اليوم.

في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، دخلت القوات الاتحادية، بمساندة قوة محلية من تيغراي، مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم. وأعلنت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» انسحابها المؤقت، بعدما كانت قد سيطرت على 3 مطارات شمالية مع بداية الهجوم الجديد. غير أن سقوط المدينة لا يعني حسم الحرب؛ إذ سبق للقوات الحكومية أن استولت عليها عام 2020، ثم خسرتها بعد 7 أشهر.

تعود جذور الانفجار إلى اتفاق بريتوريا الذي أنهى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 حرباً استمرت عامين وأودت بحياة أكثر من 600 ألف شخص، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي. فقد بقيت بنود أساسية من دون تنفيذ، وظل غرب تيغراي خارج سيطرة الإقليم، بينما لم يكتمل تسريح القوات التي ربطت نزع سلاحها بانسحاب القوات الإريترية. وهكذا توقفت المعارك الواسعة، ولكن أسباب النزاع ظلت قائمة.

ثم تعمق الانقسام داخل تيغراي، وانتقل رئيس الإدارة المؤقتة السابق غيتاتشو رضا إلى معسكر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بينما تولى زعيم الجبهة ديبريتسيون غبريمايكل إدارة الإقليم. وزاد التوتر بعد إلغاء تسجيل «الجبهة» حزباً سياسياً وغياب تيغراي عن الانتخابات العامة. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت 7 مجموعات مسلحة، بينها «الجبهة» وميليشيات «فانو» الأمهرية و«جيش تحرير أورومو»، تحالفاً لإسقاط الحكومة.

أبرز التحولات جاء من إريتريا، التي كانت أقرب شركاء آبي أحمد في الحرب السابقة، عندما قاتلت قواتها إلى جانب الجيش الإثيوبي. واليوم تتهمها أديس أبابا بتمويل المتمردين، بينما تنفي أسمرة ذلك. وقد قطعت إريتريا العلاقات الدبلوماسية في 1 أكتوبر الجاري، بعد إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين من إثيوبيا، لتنتقل الأزمة من التوجس إلى القطيعة.

وراء هذا التحول خلاف أعمق بشأن البحر. فإريتريا التي استُبعدت من اتفاق بريتوريا تنظر بقلق إلى مطالبة آبي أحمد بمنفذ بحري سيادي، وتخشى محاولة انتزاع ميناء عصب بالقوة. لذلك تبدو سياستها محكومة بهدف ثابت: منع قيام سلطة إثيوبية قوية تهدد حدودها وساحلها. وفي الحرب السابقة كان خصمها قيادة تيغراي، أما الآن فقد أصبحت حكومة آبي أحمد مصدر الخطر في حساباتها.

وتشير مصادر مطلعة إلى تقارب مصلحي بين أسمرة و«الجبهة»، يهدف إلى إبقاء تيغراي حاجزاً أمام الضغط الإثيوبي. كما تحدثت مصادر محلية عن مرور جنود قيل إنهم إريتريون في بلدات قريبة من الحدود. ولكن هذه المعلومات لم تتأكد بصورة مستقلة، بينما تتهم إريتريا الحكومة الإثيوبية باختلاق مزاعم لتبرير مهاجمتها. وتبقى مسألة التدخل العسكري المباشر فاصلة بين حرب داخلية ومواجهة إقليمية أوسع.

في المقابل، تجمع مصر خلافاتها مع إثيوبيا ضمن شبكة تعاون مع إريتريا والصومال، انضم إليها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان. وفي اجتماع بالعلمين الجديدة يوم 4 أكتوبر الجاري، أكد القادة أن إدارة البحر الأحمر تخص الدول الساحلية، ورفضوا الإجراءات الأحادية التي تضر بدول المصب، وأقروا آلية دورية لتنسيق الأمن الإقليمي، من دون تسمية إثيوبيا صراحة.

تقرأ أديس أبابا هذه المواقف على خلفية النزاع بشأن «سد النهضة»، الذي افتتحته في سبتمبر 2025 من دون اتفاق ملزم لتدفقات المياه. وردت بتأكيد أن أراضيها تسهم بنحو 85 في المائة من مياه النيل، وأنها قريبة من البحر الأحمر، محذرة من استخدام أطراف مسلحة ضدها. أما القاهرة فترى أن أمن المياه لا ينفصل عن توازن القوى في محيط إثيوبيا.

وتزيد الحرب السودانية المشهد تعقيداً. فمصادر مطَّلعة تحدثت عن معسكر في غرب إثيوبيا لتدريب نحو 4300 مقاتل لصالح «قوات الدعم السريع»، بينما يتهم الجيش السوداني أديس أبابا بدعم خصومه. وفي الاتجاه المعاكس، تتهم إثيوبيا السودان ومصر بمساندة المتمردين، من دون تقديم أدلة علنية. وتنفي الدولتان هذه الاتهامات، ولكن تبادلها يكشف كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تصبح أدوات ضغط بين الحكومات.

عسكرياً، يحتفظ الجيش الإثيوبي بتفوق جوي بفضل المقاتلات والمُسيَّرات، بينما سلَّمت قوات تيغراي أسلحتها الثقيلة بعد الاتفاق السابق. ومع ذلك، توسعت قدرات التحالف المتمرد، وسط معلومات عن هجمات بمُسيَّرات وانفجارات بعيداً عن جبهات الشمال. كما أن انضمام قوى كانت تحارب إلى جانب الحكومة يوسع نطاق المواجهة، ويجعل السيطرة على المدن أقل أهمية من القدرة على تأمين الطرق واستنزاف الخصوم.

وتتجاوز آثار القتال حدود إثيوبيا؛ إذ تشير مصادر مطلعة إلى خطط لسحب أكثر من 3 آلاف جندي إثيوبي من الصومال؛ حيث يشاركون في مواجهة «حركة الشباب». ومن شأن إعادة هذه القوات أن تخفف الضغط على الجيش في الداخل، ولكنها قد تترك فراغاً أمنياً لدى الجار الصومالي، وتزيد مخاوفه من انعكاسات الحرب على استقرار المنطقة.

وتبرز هنا هشاشة الاقتصاد. فطريق وسكة حديد جيبوتي، اللذان يحملان معظم الواردات وبينها الوقود، يعبران إقليم عفر الذي تقدم إليه المتمردون. وأي اضطراب في هذا الممر قد يرفع الأسعار ويعطل الإمدادات. كذلك تهدد الحرب إنتاج الذهب في تيغراي، وتضغط على برنامج تمويل دولي بقيمة 3.4 مليار دولار، بالتزامن مع إعادة ترتيب ديون إثيوبيا ومواعيد سدادها.

لذلك لا يتوقف مستقبل الأزمة على من يرفع علمه فوق ميكيلي؛ بل على قرار إريتريا بشأن التدخل، وسلامة ممر جيبوتي، وقدرة الحكومة على تحمل التكلفة المالية. ومصر قد تجد مصلحة في انشغال الجيش الإثيوبي شمالاً من دون دخول الحرب مباشرة. أما استمرار التعبئة والاتهامات، فيهدد بتحويل النزاع إلى سلسلة مواجهات مترابطة، يصعب احتواؤها باتفاق محلي؛ لأن أطرافها باتت تربط أمنها بموازين القوة خارج حدودها.