رانيا المشاط
وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)
TT

لقد عادتِ الجغرافيا... وبقوة

استمع إلى المقالة

لقد عادتِ الجغرافيا وبقوة، ورغم أنَّ التكنولوجيا والعولمةَ ساهمتا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، فإنَّهما لم تلغيا الحواجز الجغرافية، التي ظهرت بشكلٍ جليّ في الأزمة الراهنة التي تمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط. كانَ هذا محور مساهمتي في جلسة مجلس الأمن التي عقدت بصيغة «آريا»، بدعوةٍ من مملكة البحرين، تحت عنوان «بحار آمنة، أمن مشترك، حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة».

إنَّ الاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية بمنطقة الشرق الأوسط لا تشكل تحدياً أمنياً فقط، لكنَّها تحمل تداعيات مباشرة على التجارة والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد وفرص العمل، ومسارات التنمية الشاملة في المنطقة والعالم، وينتقل أثرها إلى المستهلك.

ولعلَّ أبرز ما تكشفه هذه الأزمة أنَّ الجغرافيا عادت وبقوة، فمن الخليج عبر مضيق هرمز، إلى البحر الأحمر عبر باب المندب، تتصل الموانئ والممرات البحرية في شبكة واحدة تحمل الطاقة والغذاء والسلع إلى الأسواق العالمية. وأي اضطراب في إحدى حلقات هذه الشبكة يمكن أن ينتقل سريعاً إلى بقية الحلقات. وفي هذه الحالة، فإن المسارات البديلة لا تضمن استمرار الإمدادات، بل تكاملها هو ما يصنع الفارق.

وتتجاوز أهمية هذه الممرات حدود المنطقة. فمضيق هرمز يمر عبره نحو 25 في المائة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ونحو 19 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. كما تمثل دول مجلس التعاون الخليجي ما بين 20 في المائة و40 في المائة من صادرات الأمونيا والأسمدة والكبريت والألمنيوم. ومن شأن هذه الأرقام أن تفسر لنا لماذا لا يمكن التعامل مع أمن الملاحة باعتباره قضية إقليمية، لكنه يتصل اتصالاً مباشراً بالأمن والسلم الدوليين، فالتهديد لا يبدأ عندما يغلق الممر البحري، بل حيث يصبح المرور فيه مخاطرة لا تستطيع شركات النقل والتأمين تحملها، وحينها تتراجع حركة التجارة وترتفع تكلفة الشحن والتأمين، وتصل هذه الزيادات في سلسلة متوالية إلى المستورد، ثم المنتج والمستهلك. وعندما يحدث كل هذا، تظهر التكلفة الاقتصادية الحقيقية للأزمات الجيوسياسية، وينعكس تأثيرها السلبي على الاستثمار، وتراجع الإنتاج، وتدني فرص العمل، وزيادة الأعباء على المالية العامة.

وتكشف تقديرات «الإسكوا» أنَّ الشهر الأول من الأزمة تسبب في خسائر بلغت نحو 150 مليار دولار، تعادل نحو 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، لكن هذه التكلفة لا تتوزع بالتساوي بين دول المنطقة، فالدول التي تدخل الأزمات وهي تعاني بالفعل من ضعف البنية الأساسية أو ضيق الحيز المالي أو هشاشة المؤسسات تكون أكثر عرضة لتداعيات الصدمات الخارجية. وقبل الأزمة الراهنة، كانت تسع دول عربية من أصل 22 دولة تمر بنزاعات أو خارجة منها. وعندما ترتفع أسعار الطاقة والأسمدة والشحن، فإنَّ مساحة الحركة أمام هذه الدول تصبح أضيق، وقد تتراجع قدرتها على حماية المواطنين أو مواصلة الإنفاق على التنمية.

وهنا نؤكد أن الصراع لا يعبر الحدود بالسلاح وحده، بل من خلال سلاسل الإمداد والأسعار وارتفاع أسعار الطاقة وغيرها من الآثار السلبية.

وبينما تبذل اقتصادات المنطقة جهوداً إصلاحية دؤوبة لتنويع هياكلها الاقتصادية، تأتي الأزمة لتهدد الاستثمارات وفرص العمل، وتهدر ثمار سنوات من الإصلاح.

إنَّ الأرقام والسياسات والإجراءات التي نفذتها بلدان المنطقة تعكس اضطرابات حادة في حركة السفن وتدفقات الطاقة وتعطل المسارات وارتفاع التكلفة، كما أنَّها تروي قصة منطقة راكمت قدرات ومؤسسات وبنى أساسية استطاعت من خلالها مواجهة التحديات، عبر إعادة توجيه الشحنات، وتفعيل النقل متعدد الوسائط، واستخدام مسارات برية وبحرية مساندة تم الاستثمار فيها مسبقاً.

إنَّ الأمن البحري جزء أساسي من الأمن الجماعي، ولا تستطيع دولة، مهما تعاظمت قدراتها، أن تواجه التحديات بمفردها.

لذلك، فإنَّ التصديَ لهذه التحديات يتطلب استجابة فعالة ومنسقة تقوم على ثلاث ركائز مترابطة، أولاً: صون حرية الملاحة وضمان سلامة السفن المدنية والتجارية وأمن الممرات البحرية وفقاً للقانون الدولي، ثانياً: منع اتساع الصراع واحتواء تداعياته العابرة للحدود للحد من آثاره الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، ثالثاً: تعزيز الجاهزية الإقليمية والقدرة على الصمود لحماية الإمدادات واستمرار الخدمات.

وفي سبيل ذلك، فقد أطلقت «الإسكوا» - فور اندلاع الأزمة - فريق عمل إقليمياً للنقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد، لمساندة الاستجابة وفتح حوار فني حول المرونة واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر، ويعمل على استكشاف آليات للتنسيق والرصد المبكر، بما يشمل تطوير غرفة عمليات لإدارة الأزمات يمكن تفعيلها عند الحاجة، ويرفع الجاهزية، ويساعد على اتخاذ قرارات أسرع. لقد عملت «الإسكوا» على بناء القدرات وتعزيز التواصل والتقارب في المنطقة العربية، من خلال النهوض بالتعاون الإقليمي، لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز التكامل بين بلدان المنطقة العربية.

بالتوازي مع ذلك، فإنَّ المنطقة ما زالت في حاجة إلى مضاعفة الاستثمار في الموانئ والربط البري والسككي والبحري، وتعزيز شبكة متكاملة من المسارات الأصلية والمساندة، تتيح للدول، ولا سيَّما الأقل قدرة، خيارات متعددة لاستمرار تدفق السلع والإمدادات، وما يدار وطنياً يبقى وطنياً، وما يتجاوز الحدود يحتاج إلى تخطيط وتنسيق وتعاون إقليمي مشترك.

ورغم ما تضعه الجغرافيا من حواجز، فإنَّنا ينبغي أن نواجه ذلك بقوة التعاون، فنجعل من قوة الموقع قوة في الربط، ومن تعدد الممرات قدرة على الاستمرار، ومن التعاون الإقليمي درعاً يحمي التنمية من الارتداد.

* وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)