لارا ويليامز
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

إنجلترا أمام موجة حر عاتية

استمع إلى المقالة

أهلاً بكم في «القبة الحرارية»؛ ذلك المزيج البائس من درجات الحرارة الحارقة، والرطوبة العالية، والليالي الاستوائية، التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة عن 20 درجة مئوية (68 فهرنهايت)، والتي تطبق حالياً على أجزاء واسعة من أوروبا. اللافت أن هناك ميلاً عاماً للتعامل مع موجات الحر كأنها طقس ممتع، مع حرص الصحف على تزيين تقاريرها بصور الآيس كريم، والناس الذين يتوافدون على الشواطئ.

إلا أنه مع إصدار مكتب الأرصاد الجوية البريطاني (الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية بالمملكة المتحدة) ثاني تحذير باللون الأحمر على الإطلاق، جراء الحرارة الحارقة -مما يعني وجود «خطر يهدد الحياة، حتى للأصحاء»- من الواضح أن الوضع أبعد ما يكون عن المتعة.

والآن، أكتب هذه السطور ولم أحظَ إلا بقسط ضئيل للغاية من النوم، بعد ليلة مضطربة في شقتي بلندن، والتي ترتفع حرارتها بسهولة. وبحلول نهاية الأسبوع، وبعد أربع ليالٍ استوائية متتالية، أخشى التفكير في شكل المقال الذي أكتبه. ولا أجد عزاءً كبيراً في معرفة أن غالبية سكان لندن سيكونون في نفس وضعي؛ فنقص النوم يرتبط بتدهور الوظائف الإدراكية، وزيادة الحوادث، والسلوكيات الاندفاعية.

كما تشهد منطقتي المحلية ومناطق أخرى عديداً من الإغلاقات المرتبطة بموجة الحر؛ فهناك مخبز في نهاية الشارع يعمل بساعات عمل مخفضة من دون تقديم خبز، مع إنتاجه معجنات أقل -أمر جيد للعاملين، لكنه يمثل ضربة للمبيعات. كما تغلق دور الحضانة والمدارس أبوابها، خوفاً على سلامة الأطفال، مما يترك الآباء -والأمهات على وجه الخصوص- في حالة تخبط لتنسيق مواعيد تسلم أطفالهم مبكراً أو العثور على من يرعاهم في المنزل.

ويعني ذلك لكثيرين استهلاك أيام الإجازات السنوية الثمينة، أو الاضطرار إلى الحصول على إجازة غير مدفوعة الأجر. وقد يكون إبقاء الأطفال في المنازل، الخيار الأفضل إذا لم تكن حضاناتهم أو مدارسهم مجهزة للتعامل مع هذه الظروف. ويسلط هذا الاضطراب الذي يواجه العاملين، الضوء على مدى ضعف استعداد كثير من الدول لمواجهة موجات الحر الشديدة، والتي لن تزداد إلا تكراراً مع استمرارنا في زيادة احترار الكوكب.

وينطبق الأمر نفسه على النقل. لقد جرى تصميم بنيتنا التحتية، حسب معايير تستند إلى بيانات مناخية تاريخية. وعليه، فهي لا تبلي بلاءً حسناً في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، الناجمة عن أزمة المناخ. ولذلك، تتشقق قضبان السكك الحديدية وتلتوي، وتترهل خطوط الكهرباء العلوية، وتتآكل الطرق الإسفلتية وتتشوه تحت وطأة المركبات الثقيلة. كما أن الجسور الترابية -هياكل هندسية تحمل خطوط السكك الحديدية والطرق في جميع أنحاء البلاد- قد تضعف هي الأخرى، بفعل الحرارة مع جفاف التربة وذبول الغطاء النباتي.

في هذا الصدد، أعلنت خدمة المساعدة المعنية بأعطال السيارات على الطريق، التابعة لنادي السيارات الملكي (RAC) في المملكة المتحدة، أن دورياتها تتعامل حالياً مع أعطال أكثر بنسبة 10 في المائة من المعدل المعتاد ليوم ثلاثاء عادي في يونيو (حزيران) الجاري، وتتوقع زيادة الطلب بشكل ملحوظ مع ارتفاع درجات الحرارة.

ومع ذلك، ربما يكون التأثير الذي سيثير غضب مستخدمي الطرق في جميع أنحاء المملكة المتحدة، ازدياد تكوّن الحفر، نتيجة دورات متكررة من الحرارة الشديدة، تليها فترات من الطقس البارد والرطب.

ومع ذلك، لا تقارَن فداحة هذه القائمة من الاضطرابات الخفية بالتداعيات السيئة الصحية. يُذكر أن فرنسا، التي أطلقت تحذيرات من موجة حر شديدة على نصف أراضيها، شهدت سقوط ما لا يقل عن 18 حالة وفاة بسبب الحرارة، بينهم طفلان صغيران عثرت عليهما والدتهما فاقدَي الوعي داخل سيارة العائلة.

وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، الثلاثاء الماضي، غرق 40 شخصاً خلال السباحة في مناطق غير مراقَبة منذ 18 يونيو.

في الواقع، يجب أن نتعامل مع موجة الحر بجدية، وأن نتخذ خطوات عاجلة للتكيف معها. ويمكن لإجراءات بسيطة، مثل تركيب مصاريع النوافذ، وطلاء قضبان السكك الحديدية وأسطح المنازل باللون الأبيض، وتوعية الناس بكيفية الحفاظ على سلامتهم، أن تكون فاعلة للغاية في حماية الأرواح والاقتصاد على حد سواء. والأهم من ذلك، أن ظاهرة «قبة الحرارة» تُعدّ تحذيراً صارخاً آخر بأننا لا نتحرك بالسرعة الكافية، لخفض انبعاثات الكربون لوقف الاحتباس الحراري العالمي، وهذا الوضع يستدعي التغيير.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»



عاجل المغرب يتأهل برفقة البرازيل لدور 32 في كأس العالم بفوز مثير على هايتي