تمثل رحلاتُ الحافلة على طريق الرياض ذكرياتٍ خاصةً لطلبة جامعة الملك سعود، وبالذات في فترة التسعينات. فبالنسبة لأمثالي الذين لا يحسنون النومَ في الحافلة، فإنَّ مدةَ الساعات الأربع تحتاج لما يجعلُها تمضي بشيءٍ من البهجة، واكتسابِ الخبرات. القراءة لا تكون سهلةً بين أصواتِ الركاب، وإن توفَّر الهدوء فإنَّ الإضاءةَ حتماً ستغيب؛ وعليه تنوَّعتِ الأنشطة بين الجدالات الشبابية حول موضوعاتٍ كبرنا ورأينا أنَّها كانت أبسطَ من صرفَ الساعاتِ لإثبات صحّتها، أو خطئها.
من أبرز القصصِ التي ما زلت أذكرها، جلوسي إلى جانب السَّائق للظَّفر ببعض الشاي الذي يختزنه في دلته. وكانت إحدى الضَّرائب التي لا مناصَ من دفعها، الاستماع معه إلى الأغاني الغريبة التي لن تجدَها إلا عند سائقي الحافلات.
أتذكر جيداً أغنية لمطرب شعبي يمني قال فيما قاله فيها: «الحب مثل شاي ليبتون». وعندما سألت أحد الأصدقاء عن تفسير هذا التشبيه، قال ببساطة: «لعله لم يجرب في حياته إلا أنواعاً سيئة من الشاي، إلى أن جرب الليبتون فأغرم به وجعله مقياساً للجودة». راق لي هذا التفسير، خصوصاً بعدما تعرفت لاحقاً إلى مجموعة من الأصدقاء يقيسون الجمال بقوام «ليلى علوي»؛ فكل شيء جميل يصفونه بهذه الفنانة التي لديها مقاييس معينة من الجمال لا تتوفر في ديارهم.
شاي ليبتون وليلى علوي يمثلان معيار الجودة لفئات لم تعرف في حياتها شيئاً جيداً غيرهما، فراحت تقارن كل ما يسرها بأول شيء راق لها بعد سنوات من الحرمان.
محدودية الخبرة هذه تكشف عن ضيق أفق أصحابها قبل حرمانهم؛ فالنموذج الجيد يجب أن يكون محفزاً لكسر الصندوق، والخروج للعالم الواسع، ولكن العقل الضيق يظل حبيساً رغم وجود مثال كاسر لذلك الجمود.
فلنفتش حولنا لنرى من لا يستطيع تخطي النماذج المعرفية البسيطة التي قابلها في حياته؛ فعندما تتحدث عن الشعر، لا يمكن له إلا أن يذكر شاعراً معيناً، وعندما تتحدث عن الفكر لا يمكن إلا أن يذكر كاتباً معيناً، حتى لو أن محور حديثك لا ينطبق على نموذجه. الخبرة المحدودة تحمل الأفراد على إقحام الشخوص بوصفها معايير جودة لا بد لأي شيء أن يقارن بها، ويحصد النقاط بناءً على مقاربتها... تلك هي بالضبط معيارية شاي ليبتون.
