تثير عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من دون مقاومة تذكر الكثير من التساؤلات حول الظروف التي أدت إلى هذه النتيجة المبهرة على حد قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أصدر أمر الاعتقال، وحدد بدوره كيف سيتم التعامل مع فنزويلا في مقبل الأيام، حيث ستدير واشنطن الأمر بصورة مباشرة، وفق ثلاث قواعد؛ أولها أن يكون رئيس البلاد الجديد متعاوناً مع متطلبات واشنطن، وأن تخضع القدرات النفطية الفنزويلية للشركات الأميركية لإدارتها وتطويرها وتقسيم عوائدها بشكل ما لكل من واشنطن وكاراكاس، وثالثاً أن تتعاون الحكومة المقبلة مع أجهزة إنفاذ القانون الأميركي في مكافحة عصابات المخدرات الفنزويلية وعصابات تهريب الأشخاص وغسل الأموال.
بعبارة أخرى، أن تُعاد هيكلة فنزويلا بما يتوافق مع الأهداف الأميركية التي ورد ذكرها في الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي الصادرة في 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي جسدت أفكار الرئيس ترمب خير تجسيد من حيث الأولويات؛ كمكافحة الهجرة غير المشروعة، وضبط الهجرة القانونية وتقنينها بشدة، وأمن الحدود، والمفاوضات الاقتصادية مع دول العالم بلا استثناء وفقاً للمنطق الذي يؤمن به الرئيس ترمب نفسه، ومواجهة مصادر التهديد التي يمكن أن تتعرض لها الولايات المتحدة، لا سيما اقتصادياً وتكنولوجياً.
هيكلة فنزويلا وفق مقاييس الرئيس ترمب، هي جزء من كل، أو لنقل هي أول تطبيق عملي لما ورد في استراتيجية الأمن القومي التي جعلت من هيمنة واشنطن على أميركا اللاتينية بدولها ومواردها ونظمها السياسية أولوية قصوى، وأعادت التذكير بـ«مبدأ مونرو» الصادر قبل قرنين من الزمان، والذي اعتبر أميركا اللاتينية بمثابة حديقة خلفية للولايات المتحدة، وكان عبارة عن التزام متبادل بين الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الاستعمارية آنذاك، وأبرزها بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وفرنسا، حيث تتعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في شؤون القارة الأوروبية، حتى لو حارب بعضها بعضاً، مقابل وقف أي محاولة من الدول الأوروبية في الحصول على مواقع نفوذ جديدة أو إعادة استعمار دول أميركا اللاتينية التي أعلنت استقلالها في 1823 عن الاستعمارين الإسباني والبرتغالي، مع احترام واشنطن للقواعد الاستعمارية القائمة آنذاك في القارة ولكن من دون أي محاولة للتوسع، حيث ستنظر إليها واشنطن كعمل عدائي.
حين صدر «مبدأ مونرو» لم تكن الولايات المتحدة قوة عسكرية بحرية وجوية كما هي الآن، إذ كانت بريطانيا هي القوة العظمى البحرية بلا منازع، والتي قبلت آنذاك المبدأ بصورة رمزية ولم تُعلن تحديه. وكذلك فعلت دول أوروبا التي كانت تُعرف بالحلف المقدس. مع تغير الأحوال طوال القرنين الماضيين، بخاصة صعود أميركا كقوة عظمى سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية بلا منازع، باتت لـ«مبدأ مونرو» قوة جبارة قادرة على تطبيقه من دون توقع أي مقاومة من داخل القارة أو من خارجها، وهو ما أكدت عليه استراتيجية الأمن القومي الأميركي المُشار إليها، والتي باتت تنظر لأميركا اللاتينية في أوضاعها الحالية كمصدر تهديد مختلف الحدة بين حالة وأخرى، ولكنها جميعاً تتطلب عملية ضبط لحماية الأمن القومي الأميركي، حيث توجد حكومات يسارية كما في كولومبيا وفنزويلا، ودول صاعدة اقتصادياً كالبرازيل والمكسيك، ولكنها تتحالف مع أكبر منافسي الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً كالصين وروسيا، ودول ثالثة تشكل صداعاً لواشنطن بسبب عمليات غسل الأموال وصناعة المخدرات وتهريبها إلى الداخل الأميركي.
وبالرغم من هذه الاختلافات تظل القارة ككل وفق رؤية الرئيس ترمب مجالاً استراتيجياً فائق الأهمية للولايات المتحدة، وهو ما يتطلب بدوره سياسة خاصة تستند إلى القوة والحسم وضبط التوجهات المعاكسة، وإبعاد المنافسين من الوجود إن أمكن، أو على الأقل محاصرة أي نفوذ مُعاكس إلى الحد الذي لا يشكل أي تهديد للمصالح الأميركية الكبرى، سواء النفط أو غيره من الموارد التي تتمتع بها دول القارة.
هذه الرؤية الاستراتيجية للرئيس ترمب تُعد بمثابة ضغط استراتيجي على كل دول القارة اللاتينية، وهنا يثور التساؤل حول كيف يمكن المواجهة، هل عبر تحدٍ جماعي، أم محاولة للتكيف واحتواء المخاطر وفق صيغ تعاونية، أم انصياع من دون تردد؟ في كل الأحوال تبدو أميركا اللاتينية في مأزق حقيقي، وهو نفسه أحد مكونات مآزق مناطق عديدة في العالم تتقاطع مصالحها مع المصالح الأميركية، بخاصة إذا واجهت تباين الرؤى أو المنافسة حول أمر ما. ولذا فمسألة الربط بين الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال رئيسها ومحاكمته أمام القضاء الأميركي، بكونه انتهاكاً للقانون الدولي وكسراً لقواعد وميثاق الأمم المتحدة، وإن كانت تصيب كبد الحقيقة كما يُقال، فإن انتظار التراجع الأميركي تجاه فنزويلا من المستحيل حدوثه، وحتى بعض المواقف التي أدانت أو انتقدت عملية الاعتقال ومحاصرة فنزويلا، فلم تكن آسفة على مصير مادورو نظراً لسجله غير المقبول في حكم البلاد، مما جعل التفكير يدور حول كيفية إجراء عملية انتقال سلطة تضع البلاد على مسار جديد يحترم حقوق الناس وحريتهم، ويؤدي إلى تحسن أوضاعهم المعيشية المتردية، وتوظيف الثروة النفطية الهائلة لهذا الغرض، والتي تبخرت سابقاً بفعل الفساد.
الأمر على هذا النحو لا يعني أن الولايات المتحدة تملك كل الأوراق وتسيطر تماماً على مسارات الأمور، فهناك تحدٍ رئيسي، تكمن جذوره في فشل كل محاولات أميركا السابقة في بناء الدول، وأفغانستان خير دليل، فهل تنجح هذه المرة في فنزويلا؟ علينا أن ننتظر.
