د. ياسر عبد العزيز
TT

هل فرغ الإعلاميون العرب من الحساب؟

استمع إلى المقالة

كما كان لحرب غزة أثر كبير في الأوضاع الأمنية والجيوسياسية والإنسانية، عبر دينامياتها المُعقدة وتداعياتها الصادمة؛ فإن تأثيراً كبيراً لها ظهر في الإعلام أيضاً، وهو تأثير سيتحدث الناس عنه طويلاً، وسيثير كثيراً من الجدل والاختلاف.

ومن بين أكثر ما فعلته حرب غزة -التي اندلعت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي- في المجال الإعلامي، أنها أعادت طرح أسئلة جوهرية بخصوص الإعلام بوصفه مهنة وصناعة، وأنها ربما تجبرنا على إعادة التذكير بـ«تعريف الصحافة».

لقد ارتاح نُقاد ومحلِّلون، في الشرق وفي الغرب، كثيراً، لخلاصة إعلامية في شأن تلك الحرب، مفادها أن قطاعاً مؤثراً في الإعلام الغربي -صناعةً ونسقَ خدمة وجملةً من الالتزامات والمعايير- أخفق في الحفاظ على مكانته، أو الإقناع بوجاهته، بعدما توالت التقارير عن أخطاء كارثية وقعت فيها مؤسسات مرموقة تعبِّر عنه، ولم يكن من الصعب أبداً رصدها، بينما كان من الصعب جداً الدفاع عنها أو تسويغها.

واستناداً إلى ذلك، فقد وجد البعض أن ثمة فرصة سانحة للتنصل تماماً من الالتزامات المهنية التي اجتهد الغرب، بمؤسساته الإعلامية المرموقة وأكاديمياته الجادة، في إرسائها، وتوضيحها، والحضِّ على تبنيها، بما ينعكس إيجابياً في تعزيز مهنية وسائل الإعلام.

إذ «لا يصح أن نتمسك، نحن في الشرق مثلاً، بقيم ومعايير أخفق من طوَّروها، وصدعوا رؤوسنا بها لعقود طويلة، في الوفاء بها، وتخلوا عنها، عند أول محك صعب»، وفق ما يقول إعلاميون عرب، انفعلوا بما جرى في غزة. ورأوا أن الحديث عن الحياد أو الموضوعية، في مقاربته إعلامياً، لا يعدو كونه «تنطعاً» و«مزايدة عبثية» على من ادعى تلك المعايير، واستباحها ببساطة، ومن دون مساءلة واجبة للذات.

هكذا قال عدد من الإعلاميين الذين شاركوا في «منتدى مصر للإعلام» الذي عُقد بالقاهرة، في الأسبوع الماضي، وهكذا قرأنا وسمعنا كثيرين غيرهم، عزفوا على الوتر ذاته، في منابر عديدة.

وفي هذا المنتدى، أمكن أن نسمع مجدداً عن «سقوط الإعلام الغربي»، و«انقطاعه عن القيم والمعايير المهنية»، وعن تهاوي فكرة الحياد الإعلامي، أو عدم انتمائها للواقع، ومعها قيم مهنية أخرى؛ مثل التوازن والموضوعية وعدم إغفال السياق.

يريد البعض أن يتكئ على إخفاق قطاع كبير من الإعلام الغربي في تلبية الالتزامات المهنية، كما حدث خصوصاً في مواكبته لحرب غزة، في الأسبوع الأول من اندلاعها، لكي يقفز إلى خلاصة مفادها أن «الإعلاميين في الشرق فرغوا من الحساب»، ولم يعُد بمقدور أحد أن ينتقد انحيازاتهم في تقاريرهم الإخبارية المتعلقة بالصراعات.

ويرى هؤلاء أن «الإعلام الغربي الذي ظل يأمر الناس بالبرِّ مهنياً، نسى نفسه، وسقط في مستنقع التحيز، بما لا يترك قيداً أو التزاماً مهنياً على الإعلاميين في مناطق أخرى من العالم، إذا عبروا عن انحيازاتهم في تغطياتهم الإخبارية؛ لأن تعدد الانحيازات وتنوعها يمكن أن يمنح الجمهور فرصة لتكوين رأيه واستخلاص الحقائق».

لا يمكن قبول مثل ذلك الطرح لأسباب عديدة؛ وأول هذه الأسباب أن الاستسلام لهذا الاستخلاص معناه أننا نعيد تعريف الصحافة بوصفها أدوات دعاية لمواقف ومصالح، وأن الفرصة الوحيدة المتاحة للجمهور تكمن في وصوله إلى هذه الانحيازات، ثم إعمال العقل والوجدان للوصول إلى المعلومات الدقيقة والحقائق المُثبتة فيها، وهو أمر يطيح بركائز المهنة، وينقض سبب وجودها، ويغير مهمتها ومهام العاملين بها.

إن المعايير والالتزامات المهنية التي تنطوي عليها مهنة الصحافة؛ مثل الحياد والتوازن والنزاهة والموضوعية والاستقلالية التحريرية، تتسم بقدر واضح من النسبية. وهي حين تَرد في مدوَّنات السلوك ومواثيق الشرف وأكواد المؤسسات؛ فإنها تَرد وفق وصفها هذا كـ«قيمة» و«معيار»؛ والقيمة كما نعلم تُرسَى للحض والتحفيز والإلهام والانتظام في مسار إدراكها، ولا تُطرح كغاية واجبة الاجتراح في كل ممارسة وفي أي سياق.

لا يعني تخلي الداعية عما يدعو إليه من قيَم وفضائل أن تلك القيم والفضائل عاطلة وفارغة، كما لا يعني إخفاقه في الوفاء بالتزاماتها أن الجميع يجب أن ينبذها ولا يقيم لها وزناً، مع الإقرار بأن إخفاق قطاع كبير من الإعلام الغربي في تقديم تغطية موضوعية للحرب في أوكرانيا أو غزة أو السودان، لا يمنحه القدر المناسب من الوجاهة الأخلاقية لكي يحاسب الآخرين بداعي ارتكابهم أخطاء مهنية، أو انتهاك حرية الصحافة.

الصحافة تختلف عن الدعاية، وفي ذلك الاختلاف تكمن أهميتها لهذا العالم؛ إذ يظل التقرير الموضوعي والدقيق الذي يغطي صراعاً ساخناً أفضل ما يمكن أن يحصل عليه الجمهور في أجواء الصراع. وعلى كل مَن يدعي لنفسه الالتزام بقيم الصحافة واستقلاليتها أن يتوخى تلك المعايير في عمله، مهما تخلى الآخرون عنها، ومهما كان الالتزام بها صعباً ومُكلفاً.