الجمعة - 29 شعبان 1438 هـ - 26 مايو 2017 مـ - رقم العدد14059
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/26
loading..

الدبلوماسية الأميركية... بين البيت الأبيض والخارجية

الدبلوماسية الأميركية... بين البيت الأبيض والخارجية

الثلاثاء - 21 رجب 1438 هـ - 18 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14021]
نسخة للطباعة Send by email
بعيد الاحتفال برحيل أوباما من البيت الأبيض، ذهبت إلى الخارجية الأميركية لكي ألمس بنفسي التغييرات السياسية التي طرأت على السياسة الخارجية لواشنطن تحت إدارة ترمب، خاصة أنني على يقين بأن سياسة أوباما ووزير خارجيته كيري جلبت الكوارث للشرق الأوسط، وأسوأها تلك التي أصابت الأرض السورية، فنجم عنها نصف مليون قتيل وملايين الجرحى والمشردين، كما أدت إلى تعبيد الطريق لتوسع ونفوذ إيرانيين غير مسبوقين في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما أن علاقات إدارة أوباما باللوبي الإيراني في واشنطن كانت حميمة للغاية، حيث توجت بإبرام اتفاقة نووية لصالح طهران، تلقت بموجبها مليارات الدولارات، وسمح للملالي ببيع أكثر من 4 ملايين برميل نفط يومياً، ليقوموا بتمويل ميليشياتهم الطائفية في العراق وسوريا واليمن ولبنان بشكل أفضل، وأصبح كل من إران وروسا سماسرة السلطة في المنطقة.

من قبيل الصدفة، دعيت مؤخراً إلى الخارجة، لمناقشة قضايا المصالح المتبادلة مع دبلوماسيين أميركيين معنيين بشؤون إيران والشرق الأوسط. وكانت هذه زيارتي الأول بعد انتخاب دونالد ترمب، إلا أن هذه الزيارة أثارت استغرابي، وكانت تختلف بشكل كبير عن آخر زاراتي للخارجية الأميركية العام المنصرم خلال رئاسة أوباما.

لقد تعاملت مع الخارجة لعقود، وذلك من خلال عملي في البنتاغون، حيث كنت لسنوات أتقاسم أنا كمستشار علمي مع المستشار السياسي للقائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا مكتب القيادة، حيث لكل قائد أعلى من الجنرالات مستشار سياسي تعينه وزارة الخارجية، أما المستشار العلمي فيتم تعيينه من قبل وزارة الدفاع.

ولكن رغم تقاعدي فإني ما زلت أتواصل مع الخارجية الأميركية بصفتي مديراً تنفيذياً لمنظمة غير حكومية وناشطاً في مجال حقوق الإنسان، وعلاقتي جيدة جداً بالدبلوماسيين في هذه الوزارة، الذين هم أساساً مهنيون وغير حزبيين.

أما عودة إلى أسباب استغرابي، فإنني وجدت هدوءاً ممزوجاً بتريث يسود هؤلاء الدبلوماسيين المهنيين، حيث مناصب أساسية في الخارجية لا تزال فارغة، ولا يعرفون من الذي سيحتل هذه المناصب!

ركس تلرسون وزير الخارجية الذي تولى في 2 فبراير (شباط) مهامه، هو في واقع الأمر رجل أعمال ورئيس تنفيذي سابق لشركة «إكسون موبيل»، ولم يعمل في أي منصب حكومي من قبل، ورغم ذلك فإني معجب بحكمته الرائعة في إدارة «إكسون». إلا أن تيلرسون ليس في عجالة من أمره لملء المناصب الشاغرة في وزارة الخارجية، هل يريد تحويل مهام هذه المناصب الدبلوماسية إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي؟ الشائعات التي تتردد في جميع دوائر الخارجية، تقول إن تيلرسون قد لا خطط لملء المناصب الشاغرة، حيث ليس لديه حتى الآن نواب ولا معاونون، وكان قد رشح إليوت إبرامز نائباً له، ولكن ترمب رفضه، وهو لا يزال يبحث عمن ينوب عنه في إدارة الوزارة.

وعادة فإن موظفي البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي معينون سياسياً، حيث يأتون مع كل إدارة جديدة ويذهبون معها، بنما العاملون في السلك الدبلوماسي في الخارجية هم موظفون مهنيون وخبراء في شؤون دول العالم وتواريخها، ومتخصصون في المناطق الموكلة إليهم، وذلك بغض النظر عن الحزب الحاكم في الولايات المتحدة، لهذا السبب لا يرغبون أن يشاهدوا البيت الأبيض ينافسهم في مهامهم التخصصية، كما كان الوضع في فترة إدارة أوباما.

التخوف الآخر الذي يلوح في الأفق هو تحويل المناصب الشاغرة في وزارة الخارجة على شاكلة وزارة الدفاع إلى القطاع الخاص، مثل مراكز التفكير والشركات الاستشارية التي تقوم بتقديم الاقتراحات والنصائح والمشورة للحكومة، في مختلف المجالات السياسية، وتوفر الخبرة لكثير من الوزارات. من هذه المؤسسات يمكن الإشارة إلى «هرتج فاونديشن» و«مك كنزي».

في مثل هذه الحالة سيكون الوضع كارثياً في قراءة شؤون مختلف البلدان، خاصة تلك التي ليس للولايات المتحدة سفارة على أراضيها، مثل إيران. ومن المتوقع أن تقوم هذه الشركات الخاصة بإعادة إنتاج تقارير سابقة حصلت عليها من مصادر عامة ومفتوحة ومن الإعلام.

هنا يتساءل البعض عن فاعلية الأسلوب الذي يتبعه تيلرسون في إدارة وزارة الخارجية کكان تجاري، الأمر الذي أثار حيرة متزايدة بين المسؤولين الأجانب، الذين يحاولون فهم موقف الولايات المتحدة من القضايا الرئيسية في العالم.

يذكر أن إدارة ترمب رفعت ميزانية وزارة الدفاع بـ54 مليار دولار، ولأجل تحقيق هذه الغاية خفضت مزانات 18 وزارة ووكالة، وكان لوزارة الخارجية حصة الأسد من هذا التخفيض وذلك بنسبة 30 في المائة.

إن البعض يبرر هذا الإجراء ويراه متوافقاً مع سياسة التصعيد العسكر الراهن، الذي يهدف إلى تخفيف الأزمات في المستقبل، من خلال إرغام أطراف الصراعات في العالم على الجلوس على طاولة المفاوضات بغية تسوية النزاعات. والمفارقة أن كلاً من وزير الدفاع جمس ماتيس والجنرال ماكماستر مدير مجلس الأمن القومي، يعتبران من مؤيدي استخدام القوة الناعمة!

وخلافاً لدبلوماسيي وزارة الخارجة، يعتقد العاملون في البت الأبض ومجلس الأمن القومي بأنه عندما تصبح الولايات المتحدة غر نشطة بشكل متواصل للحفاظ على النظام العالمي والاستقرار الدولي، عندها سيصبح العالم أكثر خطورة وفوضوة.

وقد بث أسلوب الإدارة عن بعد الذي يمارسه تيلرسون روح عدم الثقة بين الموظفين المهنيين في الخارجة الأميركية، حيث لم يتعود على التعاطي مع البيروقراطة واسعة النطاق في وزارة الخارجية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أمر الوزير باستخدام طائرة صغيرة، وبات عدد مرافقيه نصف العدد الذي يرافق من سبقه من الوزراء.

رغم کل ذلك، فإني لا أوافق على التخوف غير المبرر من أن هذه السياسة ستؤدي إلى تصدع المؤسسات الديمقراطية الأميركية؛ لأن الضوابط والتوازنات هي التي تحكم مؤسسات الدولة، وأن السلطة القضائية الأميركية قوية ومستقلة، وذلك بفضل النظام اللامركزي الفيدرالي، حيث الولايات تتمتع بحكومات مستقلة داخلياً، ويمارس كل من مجلس الشيوخ والكونغرس المراقبة التامة في البلاد، والأهم من ذلك كله السلطة الرابعة التي تتصرف كطرف معارض.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
18/04/2017 - 04:28

لا يزال العالم يحتاج الى دور امريكا الايجابي وليس السلبي ولا الإدارة من الخلف فإن النظام العالمي لم يتطور الى الحد الذي يمكن ان يعمل بطريقة أتوماتيكية. فما زال هناك نقاط ضعف فاضحة في هذا النظام ولابد لوجود دولة عظيمة وعليها أن تكون أخلاقية لتحقق العدل المفقود نتيجة خلل النظام. فأني اويد ما يعتقده موظفوا البيت الأبيض من أن العالم سيكون أكثر خطورة وفوضوية عندما تكون امريكا غير نشطة بشكل متواصل وما حدث في أبان فترة أوباما هو خير دليل. لكني أرى أن فكرةإدارة وزارة الخارجية أشبه بالشركة الخاصة وتعتمد في استنتاجاتها واستشاراتها كليا على مراكز البحوث والاستشارات الخاصة ودون ان تكون للوزارة نفسها آليتها الخاصة ففي ذلك مخاطر جمة وربما كارثية بالرغم من وجود بقية السلطات. فهنا لايجب الاعتماد على النظام بل علينا تحصين النظام ليكون فاعلا عند اللزوم.