خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
TT

من آثار الشعر على العرب

اشتهر الخليفة المأمون بالعلم والأدب وتقريب العلماء والأدباء إلى مجلسه، وأورد المؤرخون حكايات كثيرة في هذا الميدان، فقيل إنه بعث بالجيش لإخماد فتنة، فتوفق عساكره إلى اعتقال أحد الثائرين على الخلافة فجيء به إلى مجلسه، فقال له المأمون: يا عدو الله الذي تفسد في الأرض بغير حق. ثم أمر الغلام، اسقه كأس الموت، فقال الرجل متوسلا: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تبقيني حيا حتى أؤيدك بمال، فقال المأمون: ليس إلى ذلك سبيل. قال: يا أمير المؤمنين فدعني أصلي ركعتين أختم بهما عملي في هذه الدنيا، فقال المأمون: ليس إلى ذلك سبيل. قال الرجل: فدعني أنشد أبياتا من الشعر، فقال له الخليفة: هات، فأنشد قائلا:
زعموا بأن الصقر صادف مرة
عصفور برّ ساقه المقدور
فتكلم العصفورُ تحت جناحه
والصقرُ منقض عليه يطير
ما كنت يا هذا لمثلك لقمة
ولئن شويتُ فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدل بصيده
وأفلت ذلك العصفور
أدرك المأمون الحكمة من وراء هذه الأبيات الوجيزة، فقال للرجل: أحسنت ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية من عمرك، وأطلق سراحه وخلع عليه وأوصله.
وهذه حكاية في غاية الغرابة تدل على أثر الشعر في العرب. فها هو ذا خليفتهم، أمير المؤمنين، لا يعطي رجلا مسلما فرصة ليصلي ركعتين قبل موته، ولكنه يعطيه الفرصة لينشد له شيئا من الشعر، ثم يعفو عنه بفضل أربعة أبيات من الشعر، بل يخلع عليه ويوصله. الحمد له أنه لم يعينه وزيرا عنده أيضا، ولكنني لا أدري ما إذا كان المؤرخون والرواة قد أكثروا وبالغوا عموما في تأثير الشعر وسحره في العرب.
بيد أن ذلك بالذات مما فعلوه وشغفوا به يدل على المكانة السامية للشعر والكلام المسجوع والمقفى في قلوب العرب، الخاصة منهم والعامة، فأكثر الكتَّاب في سرد مثل هذه الحكاية، وما أكثرها في كتبنا التراثية.
بغير ذلك امتاز المأمون بالحكمة وسعة الأفق ومشاورة أهل العلم والفضل في شؤون الدين والدولة.
روى المؤرخون أن الواشين رفعوا إليه سبعمائة قصة في بشر المريسي تقول بزندقته، فجمعهم وسألهم: ما الذي ظهر من أمره؟ قال أحدهم: إنه يقول: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فهو من نفسك، فقال الخليفة: قد شهد الله بذلك.