إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

هل كانت زها عراقية؟

هل كان على زها حديد أن تموت لكي تنطلق الأسئلة التي كانت غائبة أو خافتة في حياتها؟ يتردد المرء في الاختيار بين عدة مفردات: وفاة، غياب، رحيل، انطفاء. ثم يجد أن الموت هو الكتلة الأثقل في هذه الحياة. وقد يكون الوصف الأقل شاعرية والأكثر واقعية لإنسانة شيّدت حياتها على تحدي العادي والواقعي لكل ما تراه من أشكال على هذه الأرض. ويُخيّل إليّ، أن زها، لو أرادت تصميمًا هندسيًا لمرورها في الدنيا، لما اختارت سوى علامة الاستفهام، فهي شكل ذو انحناءات انسيابية واستدارات جميلة، يُحلّق فوق نقطة ارتكاز وحيدة من دون رابط بينهما، مثل معمارها.
ما أن ماتت حتى جاء السؤال من زميل لها: «هل صممت قبرًا لها يا ترى؟». ثم انفلت سيل الجدل في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحف حول حياتها وموتها ومشاريعها وآرائها. وقيل إنه «لا علاقة لنجاح زها حديد ولإنجازاتها بالعراق والعراقيين، ولا بتاريخ بلدها. إنها شخصية عالمية عصامية تصادف أنها ولدت في بغداد، وبهذا الحدث البعيد انتهت علاقتها بمهد الحضارة». إن الجدل مفيد دائمًا. وكل الآراء جديرة بالاهتمام. حتى تلك التي مضت في صراحتها حد تحليل رأي زها حديد بالعمارة الإسلامية وبالمعماريين العراقيين. وكتب صديق أنها لم تكن تهتم بالشؤون التي عصفت بالبلد بعد مغادرتها له. ولاحظ أنها لم تشارك في أي مناسبة وطنية أو مظاهرة سارت في لندن ضد غزو وطنها الأم. ولكن، هل كانت تستطيع أن تخلع وجهها وتمسح مكان الميلاد من هويتها؟ زها عراقية. لا يُذكر اسمها إلا مقرونًا بأصلها وبمسقط رأسها. وهذه في حد ذاتها مهمة عظيمة تعجز كل وزارات الإعلام وميزانيات الدعاية عن تحقيقها.
هل يكون «اللاموقف» هو موقف في حد ذاته؟ هل كانت مثل كثيرين انتبهوا لخواء السياسة وسئموا الحناجر ذات النبرة العالية فانسحبوا إلى نشاطهم الشخصي ورزقهم، يجمعون الرحيق بدأب نحل يصنع عسلاً؟ هل ندعوها لاجتماعات ومسيرات «يعيش ويسقط» أم نتركها ترسم جسرًا وبرجًا وملعبًا وقاعات أوبرا تصدح فيها الموسيقى؟ الأسئلة كثيرة ومثيرة. وأظن أن من المجحف القول إن زها أنكرت عراقيتها. وهي قد صرحت في مقابلة نشرت في هذه الصحيفة أن كونها امرأة وعربية ومسلمة لم يسهل مهمتها. وكان هناك من تحدث عن حدة لسانها وصراحتها ونسي أنها كانت وحيدة في غابة الإسمنت والذئاب. حسمت اللياقات ولم تكن تُجامل. وهذه فضيلة لم نتعودها في مجتمعاتنا وقد نعتبرها رذيلة. كما أنها لم تكن تُخفي، عندما تُسأل، آراءها في بعض زملائها وبينهم معماريون كبار. «فلان تعجبني أعماله وفلان لا يعجبني». مهندسة مختلفة ومتفردة، من مدرسة معمارية تتجاوز التراث وتجنح نحو الحداثة التفكيكية. قالت في مقابلة مع الـ«بي بي سي» إنها تحب الاستماع إلى «البيتلز» وإلى «أطلال» أم كلثوم.
والتفكيكية، كما شرحوها لي، تقوم على فصفصة الأشكال الهندسية بدل لملمتها. أي أن تفكك المُكعّب، مثلاً، أو أن تقلبه وتعكس قاعدته وتديره جانبا، منحرفًا عن شكله المألوف. لكن زها لم تتوقف عند هذا الهاجس الأول بل تجاوزته بحيث مضت نحو تحدٍ أبعد. أن تخلخل الاستقرار الظاهري للكتل. ولهذا قيل إنها كانت تتحدى الجاذبية الأرضية وترسم مشاريع عصيّة على التنفيذ. وكان ردّها أنها جمعت في مكتبها مهندسين شركاء تكفلوا بإيجاد الحلول وتحقيق المستحيل. ولنتصور عينين تفتحتا على حضارات تركت لنا نماذج هندسية خالدة، كالزقورة والحدائق المعلقة والملوية والهرم. وكلها أشكال تستقر على قواعد عريضة راسخة. ثم تقرر تلك العينان أن تتلاعبا بالرواسخ فلا تتهدم بل تزداد تماسكًا. وهو نوع من اللعب الخلاق لا العبث. واجتهدت سليلة الحضارات لأن تضيف لبنة إلى ما أنجزه الأجداد، أولئك الذين بهروا الدنيا بإبداعهم قبل آلاف السنين. وهي ليست بأقل منهم. تحلم بأن تبهر معاصريها وتقدم رؤيتها التي تناسب هذا الزمان وتبقى لأجيال مقبلة. وقد كان لها ما أرادت. يشهق الناظر إلى تصاميمها. يتفرج عليها ويسأل: أي عقل فذ تخيّل وحقّق هذه الكتل الخراسانية والزجاجية التي توحي بالخفة، الواقفة على إبهام القدم أو خنصر الكف؟
كانت زها تلعب هنا والقَدَر يلعب هناك. وفي ذروة هذا التوهج، توقف قلبها فنامت ملء جفونها عن شوارد دنياها، تاركة معمارها يتحدث عنها، وغيرها يتجادل ويختصم.