إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

المطبعي في «البرافدا»

ليس أصعب من أن تسمع عن عزيز يرقد عليلاً دون أن تملك إليه سبيلاً. وها هو حميد المطبعي يعارك المرض في بغداد، وحيدًا قد تسلّيه الذكريات. والذي أخذ لقبه من مهنته الأولى، لا يحتاج لأوصاف أخرى من نوع الأديب والمؤرخ والفيلسوف. يكفي القول إنه صاحب مجلة «الكلمة» التي صدرت في النجف واخترقت كالشهاب الأوساط الأدبية العراقية والعربية، ونشرت لمبتدئين سرعان ما صاروا قامات يُشار إليها. كاتب بسيط ظاهرًا، ذو كهوف ومسارب تشبه متاهات الأزقة في مدينته وسراديبها المؤثثة بالمخطوطات وكتب الفقه. كان حركة لا تهدأ، وجدلاً لا يُملّ، وضحكة ماكرة يطلقها كالسهم حينًا، أو يشهرها كالدرع الواقية.
في مثل هذا الوقت من أواخر يناير (كانون الثاني)، وفي العام الأخير من عقد الستينات، أصدر المطبعي «الكلمة» على شكل ملفات صغيرة الحجم. وكانت وزارة الإرشاد قد رفضت منحه الامتياز المطلوب للصحف. فتحايل على قانون المطبوعات وأصدرها على شكل كتاب. ثم تناسى أن يشير على الغلاف إلى أنها مطبوعة دورية وكتب تحت العنوان «حلقات أدبية». من أين ينفق عليها وهو ورفاقه من شباب المتأدبين خالي الوفاض؟ الحل أن تصدر بما تيسّر وبمن حضر، وأن تُطبع على ورق أسمر رخيص، تمهد لها 500 رسالة إلى الأدباء خارج العراق للمساهمة في «الكلمة». وراح المطبعي ينتظر ولم يتلقَ سوى ردود قليلة، قلّة الكرام. فالذين أجابوا كانوا طه حسين وميخائيل نعيمة وسليمان العيسى وسعدي يوسف ومحمد عبد الحي والبياتي ونزار قباني. صار يمكن تركيب جناحين للحلم، لا سيما أن المطبعة متوفرة وصاحبها هو أخوه، ومنضّد الحروف موجود وهو المطبعي نفسه. وهكذا حلّقت «الكلمة» برأسمال قدره 30 دينارًا، وصدر عددها الأول بألف نسخة، لا من العاصمة بل من النجف، المدينة الصارمة الحافظة للتقاليد، ذات المدينة التي طلع منها أكثر أدباء العراق تجديدًا وتمردًا.
وصلت نسخ المجلة إلى بيروت فكتب غسان كنفاني مقالاً طيبًا عنها. وأهداها نزار قباني قصيدة بالمجان، وهو الذي لا يهدي قصائده. وكتب لصاحبها يقول: «منذ الخمسينات لم تسقط على حياتنا الشعرية قطرة مطر واحدة. وجاءت مجلتكم مطرًا أو وعدًا بسقوط المطر. أنتم تحملون غرابة نباتات البحر ورطوبة المناديل المبللة وحماسة البحارة العائدين بصناديق اللؤلؤ. إياكم أن تسقطوا أو تتراجعوا». وأجرى أدونيس لقاء مع المطبعي نشره في مجلة «الأحد». ولما زار العراق ذهب ليرى المكان الذي تصدر منه «الكلمة». ويروي المطبعي أنه قابل طه حسين وسأله: «كيف يكون عنوانك هو: طه حسين، القاهرة» فقط؟ وأجاب عميد الأدب العربي بأنها من فضائل الشهرة. وعاد المطبعي وقد قرر أن يكون عنوانه «حميد المطبعي، النجف». فبفضل المجلة صار معروفًا لدى موزعي البريد.
واصل صاحب «الكلمة» لعبة القط والفار مع الرقيب. ولأنه كان موهوبًا في الود والتوليف فقد جمع في أعدادها أدباء بعثيين وشيوعيين. وقد جرى اعتقاله مرتين، مرة بسبب قصة لبرهان الخطيب عن ضابط شرطة فاسد، ومرة بسبب نص لغائب طعمة فرمان، الأديب العراقي الذي كان يقيم في الاتحاد السوفياتي. ونشرت «البرافدا» تقريرًا عن تلك الحادثة جعل المطبعي يرقص من الفرح وهو في المحنة. فالرقيب قدّم له هدية لم يكن يحلم بها ووصل اسمه إلى موسكو. كان شغفه أرحب بكثير من مساحة الغرفة التي يحرر فيها مجلته. فقد كانت له مراسلات مع كثيرين، منهم جان بول سارتر في باريس وآرنستو تشي غيفارا في كوبا. وأرسل له الأخير دعوة لحضور المؤتمر العالمي للثوريين في هافانا. لكنه فشل في الحصول على موافقة للسفر. ولما اغتيل غيفارا أصدر المطبعي عددًا خاصًا عنه، طُبع ثلاث طبعات وبيعت منه 9 آلاف نسخة.
استمرت المغامرة 8 سنوات. وسعت وزارة الإعلام إلى احتواء «الكلمة». واتخذ صاحبها قرارًا بوقفها وانتقل من النجف إلى بغداد ليعمل في جريدة «الثورة». وفيها كان تعارفنا. نسقي حماسة الشباب ويعيرني الكتب والسخرية السوداء ووصفات الطرشي. ثم أراد المطبعي ترك الوظيفة. نورس لا يحتمل أن يُحبس في قفص الدوام الرسمي. وسمعت أنه ادعى الجنون لكي يحيلوه على التقاعد. لا أستغرب شيئًا منه. لكنه في تقاعده أنجز أهم عمل له بعد «الكلمة»، وهو «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين»، في 3 أجزاء. وكم كان متواضعًا حين قال: «أديت الزكاة لأولئك المعلمين».