لبنان تحت ضغوط لتفكيك «الاقتصاد الموازي»... والخروج من اللائحة الرمادية

مسؤول مالي لـ«الشرق الأوسط»: لا تعافي من دون تلازم الاستحقاقات السياسية والإصلاحات

جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان تحت ضغوط لتفكيك «الاقتصاد الموازي»... والخروج من اللائحة الرمادية

جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

​لم يحدث قرار مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)، تجديد تصنيف لبنان ضمن القائمة «الرمادية» للدول التي تعاني قصوراً في مكافحة «تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، أي ارتدادات مستجدة على التعاملات المالية عبر الحدود، بقدر ما أنذر السلطات الحكومية والنقدية بقرب نفاد مهلة السماح، لاستكمال اتخاذ التدابير القانونية والإجرائية لتفكيك ظاهرة «الاقتصاد الموازي» والتدفقات النقدية غير المشروعة خارج نطاق القطاع المالي.

وإذ شكَّلت النتائج الكارثية للحرب الأخيرة، على المستويات الإنسانية والإعمارية والاقتصادية، حزمة أعذار تخفيفية، وفق مسؤول مالي معني، لتبرير بطء المعالجات المطلوبة من السلطات المعنية، لا سيما بينها الإدارية والقضائية والأمنية وسواها، فإنَّها لا تحجب بالتبعية، المخاطر الكامنة لتمديد «الإقامة» السيادية في حيز الشبهات المتكاثرة التي ينتجها الاقتصاد «الموازي»، واستغلال الضعف المتواصل للنظام المالي الهش.

تداخل المسارين

وليس خافياً، حسب المسؤول المالي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، التداخل الشائك بين المسارين السياسي والاقتصادي إلى حدود التوازي، وربما التزامن، بين هدفَي «حصرية السلاح» واستعادة «شرعية» الأنشطة المالية والتجارية، ما يفرض على السلطات الالتزام الصريح بالمتطلبات والشروط الدولية التي تضمن حشد الدعم الخارجي لإنهاء الحرب بوصفه أولوية، والانخراط في مرحلة الإنقاذ والتعافي، عبر بوابة صندوق النقد الدولي، واستتباعاً الخروج الآمن من الانحدار الكارثي لأغلب التصنيفات السيادية والمالية.

وتلحّ الضغوط الدولية، السيادية والمؤسساتية، على أولوية محاصرة القنوات المالية غير المشروعة، بما يشمل المهن والأعمال غير المالية المحددة وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية، وبالتحديد بينها العائدة أو المرتبطة بـ«حزب الله»، خصوصاً ملف جمعية «القرض الحسن»، وما يماثلها من أنشطة مستهدفة من قبل المجتمع الدولي ومؤسساته المالية.

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

تقييم إيجابي للقطاع المالي الشرعي

ورغم التصنيف المتدني ضمن اللائحة الرمادية، فإنَّ القطاع المالي الشرعي يحظى بتقييم إيجابي متقدم يستند إلى منظومة متكاملة، قانونية وإدارية، تستجيب للمعايير الدولية الأكثر تشدداً، مع التنويه المستمر بإجراءات البنك المركزي التي تستهدف التحقق الدقيق من مصادر الأموال ووجهاتها، وحصر المدفوعات النقدية والإلكترونية والمعاملات المالية والتحويلات عبر شبكات البنوك والشركات المرخصة، وتنشيط الدور القضائي المحوري في كبح مجمل تصنيفات الجرائم المالية.

وتقرُّ السلطة النقدية، وفق إفصاح حاكم البنك المركزي، كريم سعيد، بأنَّ إخراج لبنان من اللائحة الرمادية يُشكِّل أولويةً أساسيةً، لأن البلد لا يستطيع أن يؤدي دوراً موثوقاً في النظام المالي العالمي ما لم يحقِّق هذا الهدف. في حين لا يقتصر أثر تمديد تصنيفه على السمعة فحسب، بل يتسبّب بتقييد علاقات المراسلة المصرفية، ويرفع تكلفة المعاملات المالية.

مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)

بالتالي، يؤكد الحاكم أنه «لا يمكن لأي رواية صادقة لهذه الأزمة أن تتجاهل الاقتصاد الموازي، بما يشمله من تدفقات غير مشروعة، وعمليات تبييض أموال، وممارسات فساد أسهمت في اختراق النظام المالي اللبناني وإضعافه». كذلك، الالتزام الثابت، وغير القابل للمساومة، بمبادئ الإفصاح والشفافية والمساءلة.

وبالفعل، اتخذ مصرف لبنان سلسلةً واسعةً من الإجراءات المتناسقة مع هذه الرؤية، شملت الاعتماد على شركات متخصصة في مكافحة «الاقتصاد الأسود»، واعتماد أدوات متطورة لرصد العمليات المالية، وتعزيز متطلبات «اعرف عميلك»، وإجراءات العناية الواجبة المعززة، وتطبيق متطلبات الشفافية المتعلقة بالمستفيد الحقيقي، وتحسين نوعية تقارير العمليات المشبوهة بصورة ملموسة، وتعزيز التعاون مع المجموعات المالية الإقليمية والدولية ذات الاختصاص.

تدقيق جنائي

كما أطلق البنك المركزي، بالتنسيق مع وزارتَي المالية والعدل، عملية تدقيق جنائي تتولى تنفيذها شركة «الفاريز أند مارشال»، والمخولة بنطاق عمل واسع يتعدّى مراجعة الأموال التي دفعها «المركزي» بناءً على طلب الحكومات السابقة لتمويل برنامج الدعم، ليشمل كامل المدفوعات للفترة السابقة وحتى نهاية عام 2023، والأموال المحولة إلى المصارف عبر التحويلات الدولية، والأموال المدفوعة بالنيابة عن الدولة.

ويتعاون البنك المركزي، بتأكيد الحاكم، مع السلطات القضائية، ويضع بتصرفها كل ما يجيزه القانون من معلومات وتحليلات مالية دعماً لأي ملاحقات قضائية. كما يتعاون مع سلطات قضائية أجنبية في سويسرا وفرنسا وألمانيا وليختنشتاين ولوكسمبورغ وبريطانيا وغيرها من الدول التي تشهد إجراءات قضائية مرتبطة بأموال لبنانية محوّلة بصورة غير مشروعة.

رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (إكس)

التزامات لبنان

وبموجب التقييم الأحدث الصادر عن مجموعة «فاتف» الدولية، بنهاية الأسبوع الماضي، يلتزم لبنان على أعلى المستويات السياسية، بالعمل معها لتعزيز فاعلية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، رغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي يواجهها البلد، مما يقتضي مواصلة التنسيق على تنفيذ خطة العمل لمعالجة أوجه القصور الاستراتيجية.

وتشمل الخطة 10 نقاط أساسية تمَّ تحديدها في تقرير التقييم المتبادل،، يتصدَّرها بند إجراء تقييمات محددة لمخاطر تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وضمان وجود السياسات والتدابير اللازمة للتخفيف من هذه المخاطر، وتعزيز الآليات التي تكفل التنفيذ الفعّال وفي الوقت المناسب لطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، وتسليم المطلوبين، واسترداد الموجودات والأصول.

ومن دون تدرج في الأهمية، ينبغي على السلطات المعنية، تعزيز فهم المهن والأعمال غير المالية المحددة للمخاطر، وتطبيق عقوبات فعّالة ومتناسبة ورادعة على المخالفات المرتبطة بالتزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كذلك ضمان تحديث معلومات المستفيد الحقيقي بصورة مستمرة، والتأكد من وجود عقوبات كافية وتدابير مناسبة للحد من المخاطر المتعلقة بالأشخاص الاعتباريين، لا سيما الشركات والكيانات القانونية.

رجل يتفقد الأضرار بموقع مبنى مصرف لبنان المركزي الذي استُهدف في غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وفي النطاق عينه، يتعيَّن تعزيز استخدام السلطات المختصة للمعلومات المالية والتقارير والمنتجات التحليلية الصادرة عن وحدة التحقيق الخاصة، وإثبات زيادة مستدامة - كماً ونوعاً - في التحقيقات والملاحقات القضائية والأحكام الصادرة عن المحاكم في قضايا غسل الأموال بما يتناسب مع مستوى المخاطر المحددة.

كما تشمل الموجبات، تحسين نهج استرداد الأصول، وتعزيز القدرة على كشف وضبط عمليات النقل غير المشروعة عبر الحدود للعملات النقدية والمعادن والأحجار الكريمة. وبالمثل متابعة تحقيقات تمويل الإرهاب وتعزيز تبادل المعلومات مع الشركاء الأجانب بشأن هذه التحقيقات، وفقاً لما أوصى به تقرير التقييم المتبادل.

وفي بُعد إضافي، يتوجَّب تعزيز التطبيق الفوري والفعّال للعقوبات المالية المستهدفة، لا سيما لدى المهن والأعمال غير المالية المحددة وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية. إضافة إلى تنفيذ رقابة مستهدفة، وقائمة على المخاطر، على المنظمات غير الهادفة للربح ذات المخاطر المرتفعة، مع الحرص على عدم تعطيل أو تثبيط الأنشطة المشروعة لهذه المنظمات.


مقالات ذات صلة

رسائل لبنانية إلى واشنطن: الضغط على إسرائيل ودعم الجيش وتعهد بتنفيذ الإصلاحات

المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر (الرئاسة اللبنانية)

رسائل لبنانية إلى واشنطن: الضغط على إسرائيل ودعم الجيش وتعهد بتنفيذ الإصلاحات

اجتمعت مواقف المسؤولين اللبنانيين خلال لقاءاتهم مع عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر، حول مجموعة عناوين أساسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النائب جبران باسيل مستقبلاً وفداً من «حزب الله» سلّمه دعوة لحضور تشييع أمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في شهر فبراير 2025 (حساب باسيل على «فيسبوك»)

لبنان: الهوة تتسع بين جمهوري «الوطني الحر» و«حزب الله»

لا تزال تداعيات تصريحات رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الذي وصف خلالها واقع «حزب الله» والبيئة الشيعية بعبارة «مهجّرين ومفلسين»، مستمرة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية ماركو روبيو يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في مقر وزارة الخارجية يوم الاثنين 28 سبتمبر 2026 في واشنطن (أ.ب)

مساعٍ أميركية لاجتماع عسكري لبناني - إسرائيلي قبل انتخابات الكنيست

يترقّب اللبنانيون عودة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بيروت قادماً من واشنطن للوقوف منه على نتائج اجتماعه بوزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

وصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، الاثنين، بأنه كان «تمام»، في أول تعليق مقتضب له بعد الاجتماع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب) p-circle

عودة «الليطاني» إلى الخطاب الإسرائيلي... تكتيك سياسي أم «جولان» آخر؟

أعاد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، طرح نهر الليطاني في الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ إذ نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنه أنه يريد ضم أراضٍ لبنانية...

صبحي أمهز (بيروت)

ملك إسبانيا: التعامل مع عبور المهاجرين لسبتة مسؤولية الاتحاد الأوروبي

الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
TT

ملك إسبانيا: التعامل مع عبور المهاجرين لسبتة مسؤولية الاتحاد الأوروبي

الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)

قال ملك ‌إسبانيا فيليبي السادس، الثلاثاء، إن الدول الأوروبية كان يجب أن تبدي مزيدا من التضامن مع مدريد وتقدم لها دعما أكبر عقب ​العبور الجماعي لعشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة.

وكان الملك يتحدث خلال حفل عشاء أقيم بمناسبة زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء حديثه صريحا على غير المعتاد مما يعكس حجم الأزمة التي تواجه إسبانيا في أعقاب تدفق المهاجرين عبر حدود سبتة الذي وقع قبل شهرين.

الملك فيليبي السادس

وقال الملك إن ما حدث في الجيب الواقع على ساحل ‌شمال أفريقيا «غير ‌مقبول» وأدى إلى تحد هائل ​للأمن ‌والنظام ⁠العام ​وكذلك الجانب الإنساني.

وتابع«إنه ⁠موقف وجب أن يؤدي إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في الموارد والمساندة».

وأضاف «لا يمكن للدول الأوروبية التي تتعرض لأكبر قدر من الضغوط لكونها تقع على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أن تتحمل بمفردها مسؤولية تقع أيضا على عاتق الجميع».

وتحدث الملك خلال مأدبة عشاء أقيمت في القصر الملكي ⁠في مدريد حضرها أيضا رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو ‌سانتشيث، وهو أحد المؤيدين الأوروبيين ‌القلائل لفوائد الهجرة، والذي أطلق حملة ​كبيرة لتسوية أوضاع المهاجرين غير ‌النظاميين انتهت في الصيف.

غير أن سانتشيث يقترح تغييرات ‌على قواعد اللجوء لإعادة الوافدين بشكل أسرع، وهو ما تقول منظمات غير حكومية ومحامون إن من شأنه أن ينتهك اتفاقيات حقوق الإنسان.

وردا على سؤال في مؤتمر صحافي حول هذه الخطط، قال ‌وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس إن الحكومة «تدرس إمكانية» إجراء تعديل تشريعي، لكنه أشار إلى ⁠أن الأمر «ليس ⁠سهلا» بسبب مسائل تتعلق بالقانون الدولي.

وفي أعقاب عبور نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة في 30 يوليو تموز، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالإجراءات السريعة التي اتخذتها إسبانيا لإعادة معظم الوافدين إلى المغرب. غير أن قادة آخرين أبدوا تفهما أقل، وعلقت إيطاليا ترتيبات اتفاقية شنجن الخاصة بحرية التنقل مع إسبانيا لمدة شهر.

وكشف مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماجنوس برونر اليوم الثلاثاء عن خطة لتعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للتكتل ​في أعقاب التدفق الفوضوي للمهاجرين ​إلى سبتة.

وستعزز الخطة، التي تتطلب موافقة الدول الأعضاء، صلاحيات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) وستزودها بقوة جاهزة للانتشار الفوري.


«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
TT

«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)

وقّعت شركتا «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة»، التابعتان لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، اتفاقيتين استراتيجيتين للتعاون مع مؤسسة صندوق الأمانة الإسلامي لبروناي (TAIB)، تستهدفان توسيع مجالات التعاون الاستثماري والتطويري بين السعودية وبروناي دار السلام، واستكشاف فرص جديدة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبروناي.

وجرى توقيع الاتفاقيتين في بندر سري بكاوان، عاصمة بروناي، من جانب الرئيس التنفيذي لشركة «رؤى الحرم المكي» بامبانغ كاجايري، والرئيس التنفيذي لشركة «رؤى المدينة القابضة» المهندس أحمد بن وصل الجهني، والأمينة الدائمة الثالثة في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة والعضو المنتدب لصندوق (TAIB)، حسنة بنت حاج إبراهيم.

وشهد مراسم التوقيع رئيس الإدارة العامة للاستثمارات العقارية المحلية في صندوق الاستثمارات العامة سعد الكرود، ومدير إدارة المحفظة العقارية في المنطقة الغربية بالصندوق ورئيس مجلس إدارة شركة «رؤى المدينة القابضة» نايف الحمدان، إلى جانب وزير الشؤون الدينية ومستشار مؤسسة صندوق الأمانة الإسلامي لبروناي (TAIB)، بنغيران داتو سيري سيتيا الحاج محمد تاشم بن بنغيران حاج حسن.

وتستهدف الاتفاقيتان توسيع مجالات التعاون بين المؤسسات السعودية والبروناوية، وفتح مسارات جديدة للاستثمار والتطوير في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بما يشمل مشاريع مرتبطة بالضيافة والسكن وتطوير الوجهات، إلى جانب استكشاف فرص للاستثمار المتبادل في بروناي.

وبموجب الاتفاقية الأولى، ستبحث شركة «رؤى الحرم المكي» وصندوق «TAIB» إمكانية الاستثمار في مشروع مشترك ضمن «بوابة الملك سلمان» في مكة المكرمة، يتضمن مقترحاً لتطوير عقارات مخصصة لاستخدامات الضيافة والسكن، بقيمة تطوير إجمالية تقديرية تبلغ نحو 9.7 مليار ريال (2.6 مليار دولار).

ويظل المضي في المشروع مرهوناً باستكمال الفحص النافي للجهالة، والحصول على الموافقات اللازمة، واستكمال ترتيبات التمويل، وصولاً إلى إبرام الاتفاقيات النهائية بين الأطراف.

وتتولى «رؤى الحرم المكي»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، دور المطور الرئيس لمشروع «بوابة الملك سلمان»، وتسعى من خلاله إلى استقطاب المؤسسات الدولية للمشاركة في الفرص الاستثمارية المرتبطة بالمشروع، بالتوازي مع قيادة عمليات تطويره وتنفيذ رؤيته الشاملة.

وتتيح الاتفاقية لصندوق «TAIB» إمكانية الانضمام إلى «بوابة الملك سلمان» بصفته شريكاً دولياً استراتيجياً، ضمن توجه «رؤى الحرم المكي» لتوسيع تعاونها مع مؤسسات استثمارية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وفي مسار موازٍ، ستبحث «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة»، بموجب اتفاقية منفصلة مع صندوق «TAIB»، فرص التعاون في مجالي الاستثمار والتطوير في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبروناي دار السلام، بما يتيح ربط الفرص الاستثمارية والتطويرية في المدينتين بالاستثمارات والخبرات القادمة من بروناي، ويفتح المجال أمام استثمارات متبادلة بين الجانبين.

وتعمل «رؤى المدينة القابضة» على عدد من مبادرات التطوير والاستثمار العقاري في المدينة المنورة، تشمل مجالات التخطيط الحضري والضيافة والتطوير التجاري والبنية التحتية.

ويُعد مشروع «رؤى المدينة» المشروع الرئيس للشركة، وقد جرى التخطيط له ليكون وجهة متكاملة للضيافة والأنشطة التجارية، تسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للمدينة المنورة وإثراء تجربة الزوار، ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

وتأتي الاتفاقيتان في إطار توسيع العلاقات الاستثمارية بين السعودية وبروناي دار السلام، خصوصاً في المشاريع المرتبطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، مع سعي شركتي «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة» إلى استقطاب مؤسسات دولية للمشاركة في مشاريع التطوير والاستثمار في المدينتين، ودعم المشاريع الهادفة إلى رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين تجربة ضيوف الرحمن والزوار.


الذكاء الاصطناعي يقود عملية احتيال بـ95 مليون يورو في بنك إيطالي

شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يقود عملية احتيال بـ95 مليون يورو في بنك إيطالي

شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

استخدم محتالون تقنية استنساخ الصوت ورسالة مزيفة عبر تطبيق «واتساب» لانتحال هوية مسؤولين كبار، وإقناع رئيس مجلس إدارة بنك «فيديرام» الإيطالي بتحويل نحو 95 مليون يورو إلى حسابات خارجية، في عملية تكشف جانباً جديداً من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال المالي.

وبدأت العملية في فبراير (شباط) عندما تلقى باولو موليسيني، الذي كان حينها رئيس مجلس إدارة «فيديرام»، رسالة عبر «واتساب» بدت وكأنها واردة من كارلو ميسينا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إنتيسا سان باولو»، تطلب منه المساعدة بصورة عاجلة في تنفيذ معاملة مالية خارجية، وفق مصدرين مطلعين تحدثا إلى «رويترز».

وبعد الرسالة، تلقى موليسيني اتصالاً هاتفياً من شخص انتحل شخصية شريك كبير في إحدى شركات المحاماة، لتأكيد طلب التحويل. وقالت المصادر إن المحتالين استخدموا تقنية الذكاء الاصطناعي لاستنساخ صوت المحامي، ما أضفى على الطلب مظهراً إضافياً من المصداقية.

وبناءً على اعتقاده بأن الطلب حقيقي، وجّه موليسيني إدارة الشؤون المالية في «فيديرام» لترتيب سلسلة من التحويلات إلى حسابات خارجية، معظمها في الصين وهونغ كونغ، حسب المصادر.

وتبرز العملية كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستغل واحدة من أكثر أدوات التحقق شيوعاً في بيئة الأعمال، وهي التعرف على صوت الشخص أو الثقة في هوية المرسل، بدلاً من اختراق أنظمة الدفع المصرفية مباشرة. وفي هذه الحالة، تمكن المحتالون من جعل تعليمات احتيالية تبدو وكأنها صادرة عن مصدرين موثوقين ومستقلين، أحدهما عبر رسالة مكتوبة والآخر عبر مكالمة صوتية.

وسرعان ما اكتشف «فيديرام» وجود تحويلات غير اعتيادية، وأخطر البنوك والسلطات المعنية في عدد من الدول. وأسهم تعاون السلطات في إيطاليا والصين والبرتغال في استرداد نحو 53 مليون يورو، فيما لا يزال نحو 36 مليون يورو غير متتبع، بعدما مر عبر شبكة من الحسابات الخارجية وحُوّل جزء منه إلى عملات مشفرة، وفق المصادر.

وتخضع القضية لتحقيقات في ميلانو، حيث وضعت السلطات شخصاً أجنبياً يقيم خارج أوروبا قيد التحقيق للاشتباه في ارتكابه جريمة احتيال إلكتروني. وقالت المصادر إن موليسيني ومسؤولين آخرين في «فيديرام» ليسوا قيد التحقيق.

وكان موليسيني قد استقال من رئاسة مجلس إدارة «فيديرام» في مارس (آذار)، مشيراً إلى أسباب شخصية، ولم يقدم البنك حينها تفسيراً إضافياً لاستقالته.

وتسلط الواقعة الضوء على اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات انتحال الهوية والاحتيال المالي، مع انخفاض تكلفة إنتاج أصوات ورسائل قادرة على تقليد أشخاص حقيقيين بصورة مقنعة. كما تكشف أهمية عدم اعتبار المكالمات الهاتفية أو الرسائل الواردة عبر تطبيقات التواصل دليلاً كافياً على صحة تعليمات التحويلات المالية، خصوصاً عندما تتعلق بمبالغ كبيرة أو بطلبات عاجلة.

ولا تعد هذه أول عملية احتيال من هذا النوع في إيطاليا؛ ففي العام الماضي استخدم محتالون الذكاء الاصطناعي لتقليد صوت وزير إيطالي وإقناع رجل الأعمال ماسيمو موراتي بتحويل نحو مليون يورو إلى حساب خارجي، قبل استرداد الأموال لاحقاً، وفق «رويترز».