وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

عدّلت توقعاتها عن «الذروة» وأكدت صحة تحذيرات عبد العزيز بن سلمان

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
TT

وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)

بعد أربع سنوات من الجدل، أعلنت وكالة الطاقة الدولية تراجعاً محورياً عن توقعاتها المتشددة بشأن ذروة النفط، لتؤكد بذلك صحة التحذيرات المتكررة التي أطلقها وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي سبق أن وصف سيناريو الوكالة حول الحياد الكربوني بـ«سيناريو لالا لاند».

فالوكالة أقرت في تقريرها الأخير بأن الطلب العالمي على النفط والغاز يمكن أن يواصل النمو حتى عام 2050، وأن العالم يسير بخطى أبطأ بكثير نحو تحول الطاقة. هذا التقرير شكّل تحوّلاً جديداً في نبرة وكالة الطاقة الدولية التي كانت قد قالت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إن ثمة حاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع جديدة للنفط والغاز، وذلك بعد أن تعرّضت سابقاً لانتقادات حادّة عندما اعتبرت أن مثل هذه الاستثمارات تتعارض مع أهداف المناخ، مما دفع مشرّعين جمهوريين إلى مهاجمة الوكالة والمطالبة بوقف تمويلها.

منذ عام 2021، اتخذ الأمير عبد العزيز بن سلمان موقفاً ثابتاً ومتحدياً لتقرير وكالة الطاقة الدولية المطالب بوقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز. ووصف الوزير هذا السيناريو حينها بأنه «استكمال لسيناريو فيلم لالا لاند» لكونه بعيداً تماماً عن الواقع ولا يستند إلى بيانات حقيقية، محذراً من أن الترويج لهذا «المسار غير الواقعي» سيؤدي حتماً إلى انزلاق العالم إلى أزمة طاقة. وقال للصحافيين في الأول من يونيو (حزيران) 2021 بعد اجتماع وزراء «أوبك بلس»: «أُعبّر عن رأيي بأن هذا جزء ثانٍ لفيلم (لا لا لاند). لماذا عليّ أن آخذه على محمل الجد؟».

ظل وزير الطاقة السعودي متمسكاً برأيه، مؤكداً في عديد من المناسبات أن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى»، وأن المملكة ماضية في زيادة طاقتها الإنتاجية، معتبراً أن التحالف الموثوق والفعال، وهو «أوبك بلس»، هو الضامن الرئيسي لاستقرار الأسواق، وليست التكهنات.

وزير الطاقة السعودي خلال اجتماع سابق لـ«أوبك» في فيينا (رويترز)

مبادرات استراتيجية

لم يقتصر موقف الأمير عبد العزيز بن سلمان على وصف سيناريو الحياد الكربوني لوكالة الطاقة الدولية بـ«لالا لاند» فحسب، بل عزَّز رؤيته الواقعية لأسواق الطاقة بمجموعة من المواقف والمبادرات الاستراتيجية التي أكدت ضرورة استمرارية النفط والغاز. فقد أكد مراراً وتكراراً أن دعوات وكالة الطاقة الدولية إلى وقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز مبنية على التفكير الحالم، مشدداً على أن تطبيق هذه المطالب كان سيؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية على نحو خطير وإلى تهديد أمن الطاقة، مشيراً إلى أن مثل هذه السياسات تتجاهل الواقع العملي لنمو الطلب على النفط.

كما انتقد وزير الطاقة السعودي بحدة توجه وكالة الطاقة الدولية، متهماً إياها بالتحول من كونها محللاً حيادياً للطاقة يعتمد على البيانات والحقائق إلى «داعية سياسي» يروِّج لأجندة معينة. وأكد أن هذا التحول هو السبب وراء فشل توقعات الوكالة المتكررة بشأن «ذروة الطلب»، ودعاها إلى العودة إلى الأساسيات التحليلية الموثوقة.

ورغم الضغوط المتنامية للحد من الوقود الأحفوري، وتوقعات الوكالة بوصول الطلب إلى الذروة، أصر عبد العزيز بن سلمان على المضيّ قدماً في خطط السعودية لزيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام. وقد عبّر عن هذه الاستراتيجية بمقولته الشهيرة إن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى» في عام 2023، مشدداً على أن المملكة تهدف إلى أن تكون مورداً عالمياً للطاقة بأقل التكاليف وبجميع أشكالها، بما في ذلك الهيدروجين والطاقات المتجددة، دون التخلي عن مواردها النفطية.

ويضاف إلى كل ذلك أن وزير الطاقة أكد مراراً المسؤولية الحقيقية لتحالف «أوبك بلس» كونه التنظيم الموثوق والفعال الذي يعمل لضمان استقرار الأسواق العالمية وتلبية الطلب الحقيقي للمستهلكين، وليس للتكهنات أو الأهداف الآيديولوجية. ورأى أن التحالف، بقراراته المدروسة، أصبح «ضامناً رئيسياً» لاستقرار أسعار الطاقة، مؤكداً أن القرارات يجب أن تستند إلى حقائق العرض والطلب لا إلى مسارات «غير واقعية».

الناصر يُحذر من نقص الاستثمارات

في سياق متصل بتأكيد الحاجة إلى الاستثمار، كانت تحذيرات الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، حاضرة بقوة. إذ حذّر من أزمة وشيكة في إمدادات النفط العالمية، ربطاً بينها وبين تراجع الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والإنتاج على مدى السنوات العشر الماضية. وأكد أن حجم الإنفاق الحالي على الاستكشاف منخفض للغاية، في وقت يستمر فيه الطلب العالمي على النفط في النمو، محذراً من أن العالم يواجه أزمة إمدادات إذا لم يُستأنف الاستثمار بشكل جدي.

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» خلال مشاركته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض (أ.ف.ب)

جاء رد منظمة «أوبك» مرحِّباً بتراجع وكالة الطاقة الدولية عن توقعاتها السابقة، وعدّته «مصالحة مع الواقع»، وتأكيداً للرؤية طويلة الأمد التي تتبناها «أوبك». وأكدت أن «هوس الذروة» قد أعاق التحليل السليم ووضع سياسات فعالة في الماضي.

كما أكدت أن هذا التراجع هو المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي تعترف فيها الوكالة بأن النفط والغاز «يمكن أن يلعبا دوراً كبيراً في مسارات الطاقة المستقبلية المتطورة»، خصوصاً في سيناريو «السياسات الحالية» الذي أظهر نمو الطلب حتى عام 2050.

كان الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، قد انتقد وكالة الطاقة الدولية مراراً، قائلاً إنها تروّج لـ«خطابٍ معادٍ للنفط».

الأمين العام لمنظمة «أوبك» هيثم الغيص (أ.ف.ب)

موقف واشنطن

تعرضت الوكالة لضغوط من الولايات المتحدة على خلفية تحولها نحو التركيز على سياسات الطاقة النظيفة، في الوقت الذي يدعو فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشركات الأميركية لزيادة التوسع في إنتاج النفط والغاز. في ظل إدارة جو بايدن، توقعت الوكالة أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته هذا العقد، وقالت إنه لا حاجة إلى مزيد من الاستثمار، وهو ما أثار حفيظة واشنطن بشدة.

وقد وجّه وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، انتقادات حادة إلى توقعات الوكالة بـ«ذروة النفط» قبل عام 2030، واصفاً إياها بأنها «هراء مطلق». وبلغ التهديد ذروته عندما أعلن رايت في يوليو (تموز) الماضي أنه يتعين على الولايات المتحدة فعل أحد أمرين: «إما أن نصلح طريقة عمل وكالة الطاقة الدولية، وإما أن ننسحب»، مفضلاً خيار الإصلاح.

يحمل هذا التهديد وزناً كبيراً، حيث تعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في ميزانية الوكالة (بنحو 18 في المائة)، وقد أيَّد هذا الموقف مشرّعون جمهوريون طالبوا بوقف تمويلها.

وزير الطاقة الأميركي خلال زيارته السعودية وإلى جانبه الأمير عبد العزيز بن سلمان (الشرق الأوسط)

كما وجّه رايت اتهاماً أخلاقياً للوكالة، مشيراً إلى أن توقعاتها بوقف الاستثمار في النفط والغاز تجعلها تتبنى موقفاً يجحف بحق المليارات من البشر في الدول النامية.

وأوضح كبير مستشاري وزير الطاقة السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، لـ«الشرق الأوسط»، أن تراجع وكالة الطاقة الدولية عن تقاريرها السابقة، وللمرة الأولى، جاء بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقطع حصة واشنطن المالية في الوكالة والانسحاب منها، بعد أن ادّعت أن ذروة الطلب على النفط ستكون في عام 2030، وهو ما أربك الأسواق وأدى إلى انخفاض الاستثمارات في استكشاف مزيد من النفط، والتنبؤ بأزمة عرض عالمي من النفط.

وقال الصبان إن وكالة الطاقة تراجعت وذكرت أن الطلب العالمي على النفط سيستمر لما يقل عن 25 عاماً قادمة، مشيراً إلى أن «المملكة كانت أول من نبّه إلى خطورة مقولة الوكالة على أمن الطاقة، وقاطعت السعودية و(أوبك بلس) الاعتماد على أرقام الوكالة ضمن المصادر المعتمد عليها».

كانت «أوبك» قد أعلنت في عام 2022 التوقف عن استخدام بيانات وكالة الطاقة الدولية لتقييم التزام الدول الأعضاء بحصص الإنتاج. وأبدلت بها شركتي الاستشارات «وود ماكنزي» و«ريستاد إنرجي» كمصادر ثانوية لتقييم مستويات إنتاج النفط الخام للدول الأعضاء.

وأضاف الصبان: «هذا مختصر النقاش حول لعبة الوكالة السياسية ومحاولة تمريرها، بل طالبت (أرامكو) السعودية، وشركات نفط دولية بالتوقف عن استكشاف وإنتاج مزيد من النفط».

وذكر أن الرياض كانت أول من طالبت بعدم الوثوق بالأرقام الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، كونها تعي الطبيعة السياسية في تقاريرها، وقال إن وزير الطاقة، الأمير عبد العزيز بن سلمان، كان حريصاً في كل مرة على إيصال رسائل مضمونها «أن الوكالة غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها، والمملكة طالبت الدول الأعضاء بعدم الاعتماد على هذه التقارير».

تقرير الوكالة

في تقديراتها السنوية لآفاق الطاقة العالمية التي نُشرت يوم الأربعاء، توقعت وكالة الطاقة الدولية في ظل سيناريو السياسات الحالية أن يصل الطلب على النفط إلى 113 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن بزيادة نحو 13 في المائة عن استهلاك عام 2024. وتوقعت أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بمقدار 90 إكساغول بحلول عام 2035، بزيادة 15 في المائة عن المستويات الحالية.

وأشار التقرير إلى ارتفاع قرارات الاستثمار النهائية في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة خلال عام 2025. وستبدأ عمليات لنحو 300 مليار متر مكعب من الطاقة التصديرية السنوية الجديدة للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030 بما يمثل زيادة بواقع 50 في المائة في الإمدادات المتاحة.

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

وفي ظل سيناريو السياسات الحالية، ستنمو السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال من نحو 560 مليار متر مكعب في عام 2024 إلى 880 مليار متر مكعب في عام 2035 وإلى 1020 مليار متر مكعب في عام 2050، مدفوعة بارتفاع الطلب في قطاع الطاقة الذي يغذيه نمو مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وذكر التقرير أنه من المتوقع أن يصل الاستثمار العالمي في مراكز البيانات إلى 580 مليار دولار في عام 2025، وأشار إلى أنه إذا تحقق ذلك فإنه سيتجاوز مبلغ 540 مليار دولار الذي يتم إنفاقه سنوياً على إمدادات النفط على مستوى العالم.

في الختام، يمثل تغيير وكالة الطاقة نهاية لحقبة «هوس الذروة» وبداية لنهج تحليلي جديد يأمل قطاع الطاقة أن يكون أكثر استناداً إلى حقائق السوق واحتياجات التنمية العالمية.


مقالات ذات صلة

السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

الاقتصاد وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (إ.ب.أ) p-circle 00:40

السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

تمضي السعودية في إدخال الطاقة النووية ضمن مزيجها الوطني، بالتوازي مع تطوير مواردها المحلية من اليورانيوم وبناء سلسلة قيمة متكاملة للمعادن.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد ظِل رجل على شاشة أسهم متراجعة (رويترز)

السوق السعودية تتراجع 1.3 % وتسجل أدنى إغلاق في شهر

تراجعت الأسهم السعودية 1.3 % إلى أدنى إغلاق في شهر، بضغط الأسهم القيادية، بينما تصدر «أرماح» المكاسب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

خاص الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تشهد مشاريع الطاقة المتجددة في السعودية نمواً متسارعاً يعكس تنامي الاستثمارات، وتوسع المملكة في تطوير مصادر الطاقة النظيفة.

بندر مسلم (الرياض)
الخليج المسؤول السعودي أكد أن الجهات المختصة تواصل التعامل مع تداعيات الاستهدافات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المنشآت والعاملين (أرامكو السعودية)

السعودية: استهداف منشآت ومرافق للطاقة وتوقّف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية

أفاد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية باستهداف عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية من المملكة صباح اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص من النفط إلى النقل والتكرير... قطاع الطاقة السعودي ينوّع محركات النمو

لم يعد أداء قطاع الطاقة السعودي مرتبطاً بحركة أسعار النفط وحدها، إذ كشفت النتائج المالية للنصف الأول من عام 2026 عن تنوع متزايد في محركات الأداء.

محمد المطيري (الرياض)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.