«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

النفط تجاوز 82 دولاراً والغاز قفز 30 % بعد تعليق إنتاج «قطر للطاقة»... وآسيا في «عين العاصفة»

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تعيش أسواق الطاقة حالة من الاستنفار القصوى في أعقاب التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط. فقد أدى اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى شل حركة الملاحة فعلياً في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ أكثر من 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما أثار مخاوف من «صدمة إمدادات».

يُعدُّ مدى سرعة عودة حركة ناقلات النفط إلى وضعها الطبيعي في مضيق هرمز أمراً بالغ الأهمية لأسواق الطاقة، إذ ينقل هذا المضيق خُمس إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات «جي بي مورغان» إلى أن توقف حركة الناقلات لمدة 25 يوماً سيؤدي إلى امتلاء خزانات التخزين لدى الدول المنتجة، مما سيجبرها على خفض الإنتاج.

وشهد يوم الاثنين قفزات سعرية حادة في أول جلسة تداول منذ شن الهجوم يوم السبت، ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة تصل إلى 13 في المائة ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وفي الوقت ذاته، أعلنت شركات التأمين عن إلغاء بعض وثائق التأمين لتغطية السفن في المنطقة. بينما أعلنت وكالة «إس آند بي غلوبال بلاتس»، المتخصصة في تقارير أسعار النفط، تعليق عروض الشراء والبيع لتقييمات أسعار المنتجات المكررة في الشرق الأوسط التي تعبر مضيق هرمز؛ بسبب اضطرابات الشحن الناجمة عن النزاع الأميركي الإيراني. وأضافت الوكالة، التي تُعدّ من أكبر مزوِّدي معلومات الأسعار والمعاملات في أسواق النفط والوقود، أنها تُجري مراجعةً لآلية تسعير النفط الخام بالشرق الأوسط.

وعلى صعيد التوقعات، حذَّر محللو «سيتي غروب» من استقرار الأسعار في نطاق 80-90 دولاراً، بينما رفع «مورغان ستانلي» توقعاته للربع الثاني إلى 80 دولاراً للبرميل. وفي حال استمر إغلاق المضيق، حذَّرت «وود ماكنزي» من أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ«أوبك بلس» ستصبح غير متاحة، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز 100 دولار للبرميل.

أزمة الغاز

لم تتوقف الأزمة عند النفط، بل انتقلت إلى الغاز الطبيعي، حيث سادت حالة من الذعر في الأسواق الأوروبية مع قفزة تجاوزت 30 في المائة في أسعار الغاز، عقب إعلان «قطر للطاقة» تعليق عمليات الإنتاج والتصدير. وأكَّدت وزارة الدفاع القطرية أن طائرة مسيَّرة إيرانية استهدفت منشأة معالجة الغاز البرية في مدينة «رأس لفان» الصناعية، مما أدى إلى توقف العمليات.

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)

وتُعد هذه الضربة قوية لأوروبا التي تعتمد على قطر كبديل استراتيجي للغاز الروسي. وأشار أولي هفالباي، محلل السلع في بنك «إس إي بي»، إلى أن اضطراب تدفقات هرمز -التي تمر عبرها 20 في المائة من إمدادات الغاز المسال عالمياً - سيؤدي إلى تنافس شرس بين المشترين الآسيويين والأوروبيين على شحنات الغاز الأميركية، مما سيؤدي لارتفاع الأسعار بشكل حاد في حوض الأطلسي.

وتتوقف بوصلة الأسعار على مدى استمرار هذه الحرب. ويرى محللون أن السيناريو الأساسي يعتمد على تطورات المشهد السياسي في طهران؛ حيث يأمل المجتمع الدولي في تغيير جوهري في القيادة أو تدخل دبلوماسي أميركي لخفض التصعيد خلال أسبوع إلى أسبوعين. ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة يهدد بإشعال موجة تضخمية عالمية تضع البنوك المركزية في مأزق تاريخي بين مكافحة التضخم ودعم النمو.

الشمس تغرب خلف مضخة نفط بحقول النفط الصحراوية في الصخير - البحرين (أ.ب)

آسيا الأكثر انكشافاً

وفي السياق نفسه، تجد القارة الآسيوية، التي تعد «محرك النمو العالمي»، نفسها اليوم في قلب العاصفة؛ فهي الطرف الأكثر انكشافاً على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، نظراً لكونها المعتمد الأول والأكبر على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. إن ما يحدث ليس مجرد اضطراب تجاري، بل هو تهديد مباشر لـ«الأمن القومي للطاقة» في عواصم القارة.

وتعتمد دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والهند بشكل شبه كلي على ممرات الشحن في الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها الأساسية. ففي اليابان، يمر حوالي 70 في المائة من النفط المستورد عبر مضيق هرمز، مما يجعلها «رهينة» لأي توتر جيوسياسي في هذا الممر. أما الصين، رغم تنوع مصادرها، فإنها تظل المشتري الأكبر للنفط الإيراني والغاز المسال القطري، مما يجعل من أمن هذه التدفقات مسألة حياة أو موت لصناعاتها الكبرى.

ولهذا الغرض، تسارع الحكومات الآسيوية حالياً إلى تقييم مخزوناتها الاستراتيجية. فبينما تمتلك اليابان مخزونات تكفي لقرابة 250 يوماً، وتتمتع كوريا الجنوبية بوضع مشابه بفضل احتياطيات القطاعين العام والخاص، غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها «قلقاً استراتيجياً». فالمخزونات ليست أداة لتعويض الإنتاج على المدى الطويل، بل هي «صمام أمان» لمواجهة صدمات قصيرة الأجل. وفي حال تحول الصراع إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف مخزوناتها التي قد لا تعوض بالسرعة الكافية، أو الرضوخ لأسعار السوق الفورية المشتعلة.

ومع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، بدأت آسيا تدخل في منافسة شرسة مع أوروبا على شحنات الغاز الأميركية والأسترالية. هذا التهافت على المصادر البديلة يؤدي إلى تضييق الخناق على المعروض العالمي، وهو ما يرفع الفواتير الطاقوية للأسواق الناشئة في آسيا بشكل جنوني. وبالنسبة للهند وبعض دول جنوب شرق آسيا، يعني ارتفاع الأسعار زيادة فورية في فاتورة الاستيراد، مما يضع ضغوطاً هائلة على موازين المدفوعات ويؤدي إلى تضخم مستورد قد ينهي طموحات النمو الاقتصادي للعام الحالي.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط الخام؛ فالمصافي الآسيوية - التي تُعد الأضخم في العالم - تعتمد في عملياتها على خامات الشرق الأوسط الثقيلة والمتوسطة. ومن شأن تعطل تدفق هذه الخامات أن يدفع المصافي الآسيوية إلى خفض معدلات التكرير، مما سيؤدي إلى نقص حاد في الوقود المكرر (الديزل، والبنزين، ووقود الطائرات) داخل القارة نفسها، وهو ما يضرب قطاع النقل والخدمات اللوجيستية.


مقالات ذات صلة

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
الاقتصاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث في قمة لبلاك روك (أ.ف.ب)

وزير الطاقة الأميركي: الجيش «غير جاهز» لمرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الجيش الأميركي «غير جاهز» لمرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع العلم التايلاندي تحترق بعد إصابتها بصواريخ إيرانية في مضيق هرمز (إ.ب.أ) p-circle

تحليل إخباري لماذا أخفقت أكبر عملية إطلاق نفطي بالتاريخ في تهدئة الأسواق؟

لم يفلح إطلاق كميات قياسية من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في كبح جماح أسعار النفط التي استأنفت صعودها يوم الأربعاء مع تصعيد إيران لهجماتها على منشآت النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)

وكالة الطاقة: العالم يواجه أكبر اضطراب في الإمدادات بسبب حرب الشرق الأوسط

قالت وكالة الطاقة الدولية يوم الخميس إن الحرب في الشرق الأوسط تُسبب أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (د.ب.أ)

الدولار يكتسح الأسواق العالمية ويحلق قرب ذروة 2026

واصل الدولار الأميركي صعوده القوي ليحوم حول أعلى مستوياته منذ بداية العام الحالي، مستفيداً من تدفق المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«ستاندرد آند بورز» تشيد بمتانة اقتصاد السعودية

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز» تشيد بمتانة اقتصاد السعودية

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أشادت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، بمتانة الاقتصاد السعودي، وحددت التصنيف الائتماني السيادي للمملكة عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن هذا التصنيف «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن}.

ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع {ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».


كوريا الجنوبية لم تستورد أي نفط من إيران في فبراير

استوردت كوريا الجنوبية 11.1 مليون طن من النفط الشهر الماضي ارتفاعاً من 10.1 مليون طن تم استيرادها قبل عام (رويترز)
استوردت كوريا الجنوبية 11.1 مليون طن من النفط الشهر الماضي ارتفاعاً من 10.1 مليون طن تم استيرادها قبل عام (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية لم تستورد أي نفط من إيران في فبراير

استوردت كوريا الجنوبية 11.1 مليون طن من النفط الشهر الماضي ارتفاعاً من 10.1 مليون طن تم استيرادها قبل عام (رويترز)
استوردت كوريا الجنوبية 11.1 مليون طن من النفط الشهر الماضي ارتفاعاً من 10.1 مليون طن تم استيرادها قبل عام (رويترز)

أظهرت بيانات أولية صادرة عن مصلحة الجمارك في كوريا الجنوبية، السبت، أن البلاد لم تستورد أي نفط من إيران في فبراير (شباط)، كما كان الحال في الشهر ذاته قبل عام.

وأظهرت البيانات أيضاً أن خامس أكبر مشترٍ للخام في العالم استورد في المجمل 11.1 مليون طن من النفط الشهر الماضي ارتفاعاً من 10.1 مليون طن تم استيرادها قبل عام.

ومن المقرر في وقت لاحق من الشهر الحالي صدور البيانات النهائية لواردات كوريا الجنوبية من الخام الشهر الماضي من مؤسسة النفط الوطنية الكورية التي تديرها الحكومة.

وبيانات المؤسسة هي المعيار الذي يعتمده القطاع بشأن واردات كوريا الجنوبية النفطية.


العراق: ارتفاع إمدادات الغاز الإيرانية من 6 إلى 18 مليون متر مكعب الأسبوع الماضي

محطة كهرباء جنوب بغداد الغازية الأولى (وزارة الكهرباء العراقية)
محطة كهرباء جنوب بغداد الغازية الأولى (وزارة الكهرباء العراقية)
TT

العراق: ارتفاع إمدادات الغاز الإيرانية من 6 إلى 18 مليون متر مكعب الأسبوع الماضي

محطة كهرباء جنوب بغداد الغازية الأولى (وزارة الكهرباء العراقية)
محطة كهرباء جنوب بغداد الغازية الأولى (وزارة الكهرباء العراقية)

قال المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية أحمد موسى، إن إجمالي إمدادات الغاز الإيرانية إلى العراق ارتفعت من 6 ملايين متر مكعب إلى 18 مليوناً خلال الأسبوع الماضي، حسبما ذكرت «رويترز».

وأضاف موسى أن الكميات الإضافية خُصصت لجنوب البلاد.

وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً على إيران، التي ردت بدورها على عدة أهداف بالمنطقة، وسط زيادة وتيرة الصراع بالشرق الأوسط.

كان العراق، الذي يعاني من نقص في الإمدادات، قد أعلن خطة طوارئ في بداية الأزمة، من خلال تفعيل بدائل الغاز، وبحث مقترحات خطة الطوارئ لتجهيز المحطات بـ«زيت الغاز»، وتأمين خزين استراتيجي لمواجهة الحالات الطارئة، وتوفير المحسنات والزيوت التخصصية لرفع كفاءة الوحدات التوليدية.