تمضي السعودية في إدخال الطاقة النووية ضمن مزيجها الوطني، بالتوازي مع تطوير مواردها المحلية من اليورانيوم وبناء سلسلة قيمة متكاملة للمعادن تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج «الكعكة الصفراء»، في توجه يستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية لثرواتها الطبيعية وتعزيز أمن الإمدادات.
وقال وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في كلمة ألقاها أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، إن المملكة تمتلك موارد معدنية واسعة ومتنوعة، وتعمل على تطويرها ضمن منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، بالتوازي مع دورها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
وتكتسب كلمة الأمير عبد العزيز بن سلمان أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 108 دولارات للبرميل، واستمرار نمو الطلب على الطاقة بفعل التوسع الاقتصادي والتقني والصناعي، ما يعزز أهمية تنويع مصادر الطاقة ورفع موثوقية الإمدادات واستدامتها.
سمو وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية، رئيس مجلس إدارة مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، رئيس مجلس إدارة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، خلال كلمة المملكة في الدورة (70) للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية:«حبا الله المملكة ثروات معدنية كبيرة... pic.twitter.com/pO5cfvjVFb
— وزارة الطاقة (@MoEnergy_Saudi) September 14, 2026
وقال وزير الطاقة إن تنامي الطلب على الطاقة والتوسع الاقتصادي والتقني والصناعي يجعل تنويع مصادرها وتعزيز موثوقيتها واستدامتها من ضرورات دعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات، مؤكداً أن المملكة تعمل على بناء مزيج وطني أكثر تنوعاً واستدامة وفق اعتبارات اقتصادية وتنموية متكاملة، من بينها إدخال الطاقة النووية ضمن هذا المزيج في إطار تنظيمي يتوافق مع التزاماتها الدولية.
وأضاف أن المملكة رسَّخت على مدى عقود مكانتها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، بالتوازي مع توجهها إلى تطوير مواردها الطبيعية وتعظيم قيمتها الاقتصادية والصناعية.
وأوضح أن المملكة، التي تعد ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً، تمضي في برنامجها الوطني لاستكشاف موارد اليورانيوم عبر مسارات عدة، من بينها استخلاصه كمنتج مصاحب لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، واستكشاف الموارد في منطقة جبل صايد، إلى جانب مواصلة أعمال المسح والاستكشاف للموارد التقليدية.
ثروات معدنية واسعة
وقال وزير الطاقة إن المملكة، وهي تستعرض ما تتمتع به من مقومات وموارد، تمتلك ثروات طبيعية ومعدنية واسعة ومتنوعة، تشمل خامات الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والفضة والبوكسيت والمغنيسيوم وخام الحديد والرصاص والنيكل والمعادن الأرضية النادرة والمعادن الانتقالية واليورانيوم والسيليكا والجبس وغيرها. وأكد أن المملكة تعمل على تعظيم الاستفادة من هذه الثروات وتحويلها من موارد طبيعية إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، بما يعزز مرونة سلاسل إمدادات المعادن الحرجة والاستراتيجية على المستوى العالمي.
استكشاف اليورانيوم
وفي إطار المسار الأول، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة تعمل على استخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك ضمن عمليات إنتاج الأسمدة الفوسفاتية في شمال المملكة، مستفيدة من مكانتها ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً.
وأشار إلى أن الأعمال التجريبية التي أُجريت بالتعاون مع شركة «أورانو» الفرنسية أظهرت مؤشرات اقتصادية واعدة لإعادة استخلاص اليورانيوم من هذه العمليات، وتوّج التعاون بتوقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في أغسطس (آب) الماضي.
وفي المسار الثاني، كشفت أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة عن موارد تقديرية تبلغ نحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصاً العناصر الثقيلة منها، مصحوبة بتركيزات واعدة من اليورانيوم.
وقال الأمير عبد العزيز إن ذلك يضع المشروع بين مواقع الموارد المعدنية الأرضية النادرة المهمة التي يجري تطويرها على مستوى العالم.
وفي المسار الثالث، تواصل المملكة جهودها من خلال مبادرة مسح الغطاء الرسوبي لاستكشاف خامات اليورانيوم من مصادرها التقليدية.
وتعزز هذا التوجه خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حيث وقع البلدان إطاراً للتعاون في مجال المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، أعقبته شراكة بين شركة «معادن»، الشركة السعودية الرئيسية في قطاع التعدين، وشركة «إم بي ماتيريالز» الأميركية لتطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب.

من التعدين إلى سلسلة قيمة متكاملة
وأكد وزير الطاقة أن أهمية هذه الثروات تتعاظم عند النظر إليها ضمن منظومة أوسع من المقومات التي تتمتع بها المملكة، بما في ذلك موارد معدنية واعدة، وإمدادات طاقة تنافسية، وبنية تحتية متطورة، وقدرات صناعية واستثمارية متنامية، وموقع استراتيجي، وشراكات دولية فاعلة.
وقال إن هذه المقومات مجتمعة تفسر جوهر توجه المملكة، موضحاً أن طموحها لا يقف عند إنتاج الخامات أو تصدير المركزات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية وصناعية متكاملة للمعادن، تبدأ من الاستكشاف والتعدين، وتمر بالمعالجة والفصل والتكرير وإنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، واستخلاص اليورانيوم المصاحب وتطوير تقنياته، وصولاً إلى إنتاج «الكعكة الصفراء» وتطوير سلسلة القيمة المرتبطة بها.
وأكد أن تطوير هذه السلسلة سيتم وفقاً للجدوى الاقتصادية وبأعلى معايير الشفافية، وفي إطار التزامات المملكة الدولية.
وأوضح الأمير عبد العزيز أن المقومات والموارد والقدرات والظروف الاقتصادية والأولويات الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن ثم فإن النظر إلى خيارات الدول من خلال نموذج واحد لا يعكس بصورة كاملة هذه الاختلافات، خصوصاً عند المقارنة بدول أخرى في المنطقة لا تتوفر لديها قاعدة الموارد نفسها أو القدرات والصناعات المرتبطة بها بالقدر ذاته.
وقال إن تكامل هذه المقومات في المملكة يوفر أساساً اقتصادياً وصناعياً واضحاً للانتقال من مجرد استخراج المواد إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تعظم القيمة المحلية، باعتبار ذلك جزءاً من منظومة التوطين في المملكة.
وأضاف أن تطوير هذه السلسلة ليس هدفاً منفصلاً عن واقع المملكة الاقتصادي والصناعي، وإنما امتداد مباشر له، تدعمه موارد متاحة وقدرات يجري تطويرها واستثمارات وشراكات تتحول إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع.
وأكد أن هذا النهج يعكس توجه المملكة إلى تعظيم الاستفادة من مقوماتها الوطنية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، مشيراً إلى أن ذلك يميز نموذج المملكة عن نماذج أخرى في المنطقة، في ظل اختلاف قاعدة الموارد والخيارات الاقتصادية والأولويات الوطنية من دولة إلى أخرى.
برنامج نووي شفاف
وفي الوقت نفسه، أكد وزير الطاقة أن خيارات المملكة في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تسير جنباً إلى جنب مع أعلى مستويات السلامة والشفافية، اتساقاً مع الحق الأصيل للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تمييز.
وقال إن المملكة تنتهج في ممارسة هذه الحقوق نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتاح والتعاون الدولي، ولا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي أو من خلال أنشطة سرية أو منشآت مخفية، وإنما تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي.
أضاف: «في ممارسة هذه الحقوق، تنتهج المملكة نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتَاح والتعاون الدولي؛ فهي لا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي، أو من خلال أنشطة تُدار في مخابئ في الخفاء وفي أعماق الجبال، بل تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي».
اتفاقية 123 مع واشنطن
وفي هذا الإطار، قال الأمير عبد العزيز إن الشراكة مع الولايات المتحدة تمثل نموذجاً لهذا التوجه، إذ يمتد التعاون بين البلدين إلى المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، فضلاً عن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وأضاف أن هذا المسار تُوّج في يوليو (تموز) الماضي بتوقيع اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، المعروفة باسم «اتفاقية 123».
وتستمد الاتفاقية اسمها من المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، وتشكل الإطار القانوني الذي ينظم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة وشركائها، بما في ذلك نقل المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية، في إطار متطلبات تتعلق بالاستخدامات السلمية وعدم الانتشار والضمانات النووية. ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية الاتفاقية في يوليو 2026، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، وفق وزارة الطاقة الأميركية.
وفي إطار التزامات المملكة الحالية بموجب اتفاق الضمانات الشاملة، ووفقاً لسياساتها الوطنية المعلنة ونهجها القائم على الشفافية، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة وضعت ترتيبات خاصة للضمانات مع الولايات المتحدة تتعلق بالتعاون المشترك بين البلدين، انطلاقاً من أهمية تعزيز هذه الشراكة وترسيخ موثوقيتها.
وأكد أن تنفيذ هذه الترتيبات الخاصة للضمانات سيخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفقاً لنظامها ودور مجلس محافظي الوكالة.
وبالتوازي، تواصل المملكة تعزيز منظومتها الوطنية وأنظمتها الرقابية للطاقة النووية وتطبيقاتها، انطلاقاً من أن بناء الثقة يعتمد على المؤسسات الوطنية والأطر التنظيمية الراسخة والكفاءات الوطنية.
كما تواصل المملكة تعزيز جاهزيتها للاستجابة للحوادث النووية والإشعاعية، وترسيخ الثقة في منظومة السلامة والأمن النوويين، وتعزيز التعاون التقني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الدوليين.
«دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد»
وفي ختام كلمته، جدد وزير الطاقة دعم المملكة الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً الحرص على مواصلة التعاون البناء معها ومع الدول الأعضاء بما يعزز الثقة الدولية ويسهم في تحقيق مستقبل أكثر أمناً واستدامة وازدهاراً للجميع.
وفي رسالة مباشرة إلى المنتقدين، قال الأمير عبد العزيز: «أرسلها لكل صوت مأجور ولكل قلم مستعجل»، معتبراً أن ما صدر خلال الفترة الأخيرة من تعليقات يعكس، في رأيه، عدم فهم للاتفاقيات وإمكانات المملكة وما تقوم به من نموذج لتحقيق مكتسبات وطنية من دون اللجوء إلى أنشطة سرية أو منشآت مخفية.
وأكد أن المملكة تعمل «بكل شفافية» وستواصل ذلك مع شركائها وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس محافظيها، بهدف الوصول إلى منهجية يمكن أن تمثل نموذجاً للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة الشمسية والطاقة النووية.
وختم بالتأكيد على أهمية تسخير الثروات المعدنية في الدول لخدمة القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها توفير الطاقة، قائلاً: «لأنه دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد».
