السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

عبد العزيز بن سلمان: لا نطور برنامجنا النووي في الخفاء... بل بشفافية وشراكات دولية وتحت إشراف «الوكالة الذرية»

TT

السعودية ترسم 3 مسارات لاستكشاف موارد اليورانيوم محلياً

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (إ.ب.أ)
وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (إ.ب.أ)

تمضي السعودية في إدخال الطاقة النووية ضمن مزيجها الوطني، بالتوازي مع تطوير مواردها المحلية من اليورانيوم وبناء سلسلة قيمة متكاملة للمعادن تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج «الكعكة الصفراء»، في توجه يستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية لثرواتها الطبيعية وتعزيز أمن الإمدادات.

وقال وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في كلمة ألقاها أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، إن المملكة تمتلك موارد معدنية واسعة ومتنوعة، وتعمل على تطويرها ضمن منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، بالتوازي مع دورها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وتكتسب كلمة الأمير عبد العزيز بن سلمان أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 108 دولارات للبرميل، واستمرار نمو الطلب على الطاقة بفعل التوسع الاقتصادي والتقني والصناعي، ما يعزز أهمية تنويع مصادر الطاقة ورفع موثوقية الإمدادات واستدامتها.

وقال وزير الطاقة إن تنامي الطلب على الطاقة والتوسع الاقتصادي والتقني والصناعي يجعل تنويع مصادرها وتعزيز موثوقيتها واستدامتها من ضرورات دعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات، مؤكداً أن المملكة تعمل على بناء مزيج وطني أكثر تنوعاً واستدامة وفق اعتبارات اقتصادية وتنموية متكاملة، من بينها إدخال الطاقة النووية ضمن هذا المزيج في إطار تنظيمي يتوافق مع التزاماتها الدولية.

وأضاف أن المملكة رسَّخت على مدى عقود مكانتها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً فاعلاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، بالتوازي مع توجهها إلى تطوير مواردها الطبيعية وتعظيم قيمتها الاقتصادية والصناعية.

وأوضح أن المملكة، التي تعد ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً، تمضي في برنامجها الوطني لاستكشاف موارد اليورانيوم عبر مسارات عدة، من بينها استخلاصه كمنتج مصاحب لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، واستكشاف الموارد في منطقة جبل صايد، إلى جانب مواصلة أعمال المسح والاستكشاف للموارد التقليدية.

ثروات معدنية واسعة

وقال وزير الطاقة إن المملكة، وهي تستعرض ما تتمتع به من مقومات وموارد، تمتلك ثروات طبيعية ومعدنية واسعة ومتنوعة، تشمل خامات الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والفضة والبوكسيت والمغنيسيوم وخام الحديد والرصاص والنيكل والمعادن الأرضية النادرة والمعادن الانتقالية واليورانيوم والسيليكا والجبس وغيرها. وأكد أن المملكة تعمل على تعظيم الاستفادة من هذه الثروات وتحويلها من موارد طبيعية إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، بما يعزز مرونة سلاسل إمدادات المعادن الحرجة والاستراتيجية على المستوى العالمي.

استكشاف اليورانيوم

وفي إطار المسار الأول، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة تعمل على استخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك ضمن عمليات إنتاج الأسمدة الفوسفاتية في شمال المملكة، مستفيدة من مكانتها ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال التجريبية التي أُجريت بالتعاون مع شركة «أورانو» الفرنسية أظهرت مؤشرات اقتصادية واعدة لإعادة استخلاص اليورانيوم من هذه العمليات، وتوّج التعاون بتوقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في أغسطس (آب) الماضي.

وفي المسار الثاني، كشفت أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة عن موارد تقديرية تبلغ نحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصاً العناصر الثقيلة منها، مصحوبة بتركيزات واعدة من اليورانيوم.

وقال الأمير عبد العزيز إن ذلك يضع المشروع بين مواقع الموارد المعدنية الأرضية النادرة المهمة التي يجري تطويرها على مستوى العالم.

وفي المسار الثالث، تواصل المملكة جهودها من خلال مبادرة مسح الغطاء الرسوبي لاستكشاف خامات اليورانيوم من مصادرها التقليدية.

وتعزز هذا التوجه خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حيث وقع البلدان إطاراً للتعاون في مجال المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، أعقبته شراكة بين شركة «معادن»، الشركة السعودية الرئيسية في قطاع التعدين، وشركة «إم بي ماتيريالز» الأميركية لتطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب.

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)

من التعدين إلى سلسلة قيمة متكاملة

وأكد وزير الطاقة أن أهمية هذه الثروات تتعاظم عند النظر إليها ضمن منظومة أوسع من المقومات التي تتمتع بها المملكة، بما في ذلك موارد معدنية واعدة، وإمدادات طاقة تنافسية، وبنية تحتية متطورة، وقدرات صناعية واستثمارية متنامية، وموقع استراتيجي، وشراكات دولية فاعلة.

وقال إن هذه المقومات مجتمعة تفسر جوهر توجه المملكة، موضحاً أن طموحها لا يقف عند إنتاج الخامات أو تصدير المركزات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية وصناعية متكاملة للمعادن، تبدأ من الاستكشاف والتعدين، وتمر بالمعالجة والفصل والتكرير وإنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، واستخلاص اليورانيوم المصاحب وتطوير تقنياته، وصولاً إلى إنتاج «الكعكة الصفراء» وتطوير سلسلة القيمة المرتبطة بها.

وأكد أن تطوير هذه السلسلة سيتم وفقاً للجدوى الاقتصادية وبأعلى معايير الشفافية، وفي إطار التزامات المملكة الدولية.

وأوضح الأمير عبد العزيز أن المقومات والموارد والقدرات والظروف الاقتصادية والأولويات الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن ثم فإن النظر إلى خيارات الدول من خلال نموذج واحد لا يعكس بصورة كاملة هذه الاختلافات، خصوصاً عند المقارنة بدول أخرى في المنطقة لا تتوفر لديها قاعدة الموارد نفسها أو القدرات والصناعات المرتبطة بها بالقدر ذاته.

وقال إن تكامل هذه المقومات في المملكة يوفر أساساً اقتصادياً وصناعياً واضحاً للانتقال من مجرد استخراج المواد إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تعظم القيمة المحلية، باعتبار ذلك جزءاً من منظومة التوطين في المملكة.

وأضاف أن تطوير هذه السلسلة ليس هدفاً منفصلاً عن واقع المملكة الاقتصادي والصناعي، وإنما امتداد مباشر له، تدعمه موارد متاحة وقدرات يجري تطويرها واستثمارات وشراكات تتحول إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع.

وأكد أن هذا النهج يعكس توجه المملكة إلى تعظيم الاستفادة من مقوماتها الوطنية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة، مشيراً إلى أن ذلك يميز نموذج المملكة عن نماذج أخرى في المنطقة، في ظل اختلاف قاعدة الموارد والخيارات الاقتصادية والأولويات الوطنية من دولة إلى أخرى.

برنامج نووي شفاف

وفي الوقت نفسه، أكد وزير الطاقة أن خيارات المملكة في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تسير جنباً إلى جنب مع أعلى مستويات السلامة والشفافية، اتساقاً مع الحق الأصيل للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تمييز.

وقال إن المملكة تنتهج في ممارسة هذه الحقوق نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتاح والتعاون الدولي، ولا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي أو من خلال أنشطة سرية أو منشآت مخفية، وإنما تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي.

أضاف: «في ممارسة هذه الحقوق، تنتهج المملكة نهجاً واضحاً يقوم على الشفافية والانفتَاح والتعاون الدولي؛ فهي لا تسعى إلى تطوير برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي، أو من خلال أنشطة تُدار في مخابئ في الخفاء وفي أعماق الجبال، بل تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات دولية موثوقة تعزز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي».

اتفاقية 123 مع واشنطن

وفي هذا الإطار، قال الأمير عبد العزيز إن الشراكة مع الولايات المتحدة تمثل نموذجاً لهذا التوجه، إذ يمتد التعاون بين البلدين إلى المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، فضلاً عن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأضاف أن هذا المسار تُوّج في يوليو (تموز) الماضي بتوقيع اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، المعروفة باسم «اتفاقية 123».

وتستمد الاتفاقية اسمها من المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، وتشكل الإطار القانوني الذي ينظم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة وشركائها، بما في ذلك نقل المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية، في إطار متطلبات تتعلق بالاستخدامات السلمية وعدم الانتشار والضمانات النووية. ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية الاتفاقية في يوليو 2026، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، وفق وزارة الطاقة الأميركية.

وفي إطار التزامات المملكة الحالية بموجب اتفاق الضمانات الشاملة، ووفقاً لسياساتها الوطنية المعلنة ونهجها القائم على الشفافية، أوضح الأمير عبد العزيز أن المملكة وضعت ترتيبات خاصة للضمانات مع الولايات المتحدة تتعلق بالتعاون المشترك بين البلدين، انطلاقاً من أهمية تعزيز هذه الشراكة وترسيخ موثوقيتها.

وأكد أن تنفيذ هذه الترتيبات الخاصة للضمانات سيخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفقاً لنظامها ودور مجلس محافظي الوكالة.

وبالتوازي، تواصل المملكة تعزيز منظومتها الوطنية وأنظمتها الرقابية للطاقة النووية وتطبيقاتها، انطلاقاً من أن بناء الثقة يعتمد على المؤسسات الوطنية والأطر التنظيمية الراسخة والكفاءات الوطنية.

كما تواصل المملكة تعزيز جاهزيتها للاستجابة للحوادث النووية والإشعاعية، وترسيخ الثقة في منظومة السلامة والأمن النوويين، وتعزيز التعاون التقني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الدوليين.

«دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد»

وفي ختام كلمته، جدد وزير الطاقة دعم المملكة الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً الحرص على مواصلة التعاون البناء معها ومع الدول الأعضاء بما يعزز الثقة الدولية ويسهم في تحقيق مستقبل أكثر أمناً واستدامة وازدهاراً للجميع.

وفي رسالة مباشرة إلى المنتقدين، قال الأمير عبد العزيز: «أرسلها لكل صوت مأجور ولكل قلم مستعجل»، معتبراً أن ما صدر خلال الفترة الأخيرة من تعليقات يعكس، في رأيه، عدم فهم للاتفاقيات وإمكانات المملكة وما تقوم به من نموذج لتحقيق مكتسبات وطنية من دون اللجوء إلى أنشطة سرية أو منشآت مخفية.

وأكد أن المملكة تعمل «بكل شفافية» وستواصل ذلك مع شركائها وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس محافظيها، بهدف الوصول إلى منهجية يمكن أن تمثل نموذجاً للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة الشمسية والطاقة النووية.

وختم بالتأكيد على أهمية تسخير الثروات المعدنية في الدول لخدمة القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها توفير الطاقة، قائلاً: «لأنه دون الطاقة لن يكون هناك اقتصاد».


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تتراجع 1.3 % وتسجل أدنى إغلاق في شهر

الاقتصاد ظِل رجل على شاشة أسهم متراجعة (رويترز)

السوق السعودية تتراجع 1.3 % وتسجل أدنى إغلاق في شهر

تراجعت الأسهم السعودية 1.3 % إلى أدنى إغلاق في شهر، بضغط الأسهم القيادية، بينما تصدر «أرماح» المكاسب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

خاص الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تشهد مشاريع الطاقة المتجددة في السعودية نمواً متسارعاً يعكس تنامي الاستثمارات، وتوسع المملكة في تطوير مصادر الطاقة النظيفة.

بندر مسلم (الرياض)
الخليج المسؤول السعودي أكد أن الجهات المختصة تواصل التعامل مع تداعيات الاستهدافات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المنشآت والعاملين (أرامكو السعودية)

السعودية: استهداف منشآت ومرافق للطاقة وتوقّف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية

أفاد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية باستهداف عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية من المملكة صباح اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص من النفط إلى النقل والتكرير... قطاع الطاقة السعودي ينوّع محركات النمو

لم يعد أداء قطاع الطاقة السعودي مرتبطاً بحركة أسعار النفط وحدها، إذ كشفت النتائج المالية للنصف الأول من عام 2026 عن تنوع متزايد في محركات الأداء.

محمد المطيري (الرياض)
خاص «مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

خاص خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

دشنت السعودية سوقاً جديدة لتخزين الطاقة عبر 4 مشروعات بطاريات باستثمارات تتجاوز 1.16 مليار دولار، لتعزيز موثوقية الشبكة ودعم نمو الطاقة المتجددة.

دانه الدريس (الرياض)

ترمب: «مؤامرة مريضة» تستهدف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة أثناء توجهه من آيرلندا إلى قاعدة أندروز الجوية في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة أثناء توجهه من آيرلندا إلى قاعدة أندروز الجوية في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب: «مؤامرة مريضة» تستهدف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة أثناء توجهه من آيرلندا إلى قاعدة أندروز الجوية في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة أثناء توجهه من آيرلندا إلى قاعدة أندروز الجوية في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعوات إلى فرض مزيد من الضوابط على تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل صلاحيات تنظيمية وجنائية كافية للتعامل مع أي تجاوزات من شركات التكنولوجيا.

وقال ترمب -في منشور على منصة «تروث سوشيال» يوم الاثنين- إن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضوابط إضافية، معتبراً أن «الرئيس القوي والذكي» هو الضمانة اللازمة للحد من المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا.

وأضاف أن إدارته تملك «صلاحيات جنائية وتنظيمية هائلة» تجاه شركات الذكاء الاصطناعي؛ مشيراً إلى أنها سبق أن منعت شركة «أنثروبيك» من القيام بأمور وصفها بأنها «سيئة أو يحتمل أن تكون سيئة».

وتأتي تصريحات ترمب في أعقاب دعوات من مسؤولين في شركات تكنولوجية كبرى -بينها «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»- إلى تعزيز الأطر التنظيمية للذكاء الاصطناعي، بما يضمن تطويره بصورة أكثر أماناً، ويحدد المسؤولية القانونية عن استخداماته، ويحمي الأمن القومي.

ويري ترمب أن تشديد القيود على القطاع قد يعرقل قدرة الولايات المتحدة على المنافسة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن إبطاء تطوير التكنولوجيا الأميركية قد يمنح بكين ميزة استراتيجية.

وقال ترمب إن هناك «مؤامرة مريضة» ضد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مضيفاً أن «الصين هي الوحيدة السعيدة» إزاء هذه الانتقادات.

وتعكس تصريحات الرئيس الأميركي تصاعد الجدل في الولايات المتحدة حول كيفية الموازنة بين تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتوسيع البنية التحتية اللازمة له، وبين المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن والمسؤولية القانونية.


عائد السندات الأميركية لـ10 سنوات يتجاوز 5 % للمرة الأولى منذ 2023

متداولان في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولان في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عائد السندات الأميركية لـ10 سنوات يتجاوز 5 % للمرة الأولى منذ 2023

متداولان في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولان في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، الاثنين، للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في تطور قد يرفع تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأميركي ويضغط على جاذبية الأسهم، مع إعادة المستثمرين تسعير توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة.

وارتفع العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات 2.89 نقطة أساس إلى 5.004 في المائة، متجاوزاً مستوى 5 في المائة، الذي يعده المستثمرون عتبة نفسية مهمة في أسواق السندات.

وجاء صعود العوائد مع تزايد الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، في ظل عودة الضغوط التضخمية مع ارتفاع أسعار النفط.

وكانت أسعار النفط قد ارتفعت بصورة حادة، ما أعاد المخاوف من تجدد التضخم، في وقت لا تزال فيه ضغوط الأسعار أعلى بكثير من مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

ويمثل ارتفاع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 5 في المائة نقطة مهمة للأسواق، إذ يمكن أن يمتد أثره إلى تكلفة التمويل وقرارات الاستثمار، كما قد يقلص جاذبية الأسهم الأميركية مقارنة بالسندات، بما يهدد استمرار موجة الصعود في سوق الأسهم.


شركات تعود إلى الصين بعد رحلة الهروب من الرسوم

سياح داخل مطعم في أحد الأبراج بمدينة هونغ كونغ (رويترز)
سياح داخل مطعم في أحد الأبراج بمدينة هونغ كونغ (رويترز)
TT

شركات تعود إلى الصين بعد رحلة الهروب من الرسوم

سياح داخل مطعم في أحد الأبراج بمدينة هونغ كونغ (رويترز)
سياح داخل مطعم في أحد الأبراج بمدينة هونغ كونغ (رويترز)

بعد عام من اندفاع شركات ومصنعين إلى نقل الإنتاج ومصادر التوريد خارج الصين هرباً من الرسوم الجمركية الأميركية، بدأ بعض هذه الشركات العودة أدراجها، بعدما اكتشفت أن استنساخ منظومة التصنيع الصينية المتكاملة في دول أخرى أصعب وأعلى تكلفة مما كان متوقعاً.

وتشير تجارب شركات في قطاعات مختلفة إلى عودة تدريجية لبعض الطلبيات إلى الموردين الصينيين، مع ظهور مشكلات تتعلق بتوافر العمالة الماهرة والمعدات، والمكونات، واستقرار الكهرباء، في مراكز تصنيع بديلة. كما أدى تقلص الفارق بين الرسوم الأميركية المفروضة على الصين وتلك المفروضة على دول جنوب شرقي آسيا إلى إضعاف أحد أهم دوافع نقل الإنتاج.

* طلبيات تعود إلى الصين

كانت شركة «داوانغ ميتالز»، المختصة في صب المعادن ومقرها مدينة داندونغ شمال شرقي الصين، من الشركات التي خسرت أعمالاً العام الماضي بعدما نقل عميل أميركي كبير جزءاً من طلبياته إلى الهند، وفق تقرير من وكالة «رويترز».

لكن هيذر كوانغ، نائبة رئيس الشركة العائلية، قالت إن العميل، وهو شركة للآلات الزراعية لم تكشف عن اسمها، عاد لاحقاً بطلبيات جديدة بعدما واجه مشكلات في الهند. وكانت «داوانغ» نفسها قد درست نقل جزء من إنتاجها إلى الخارج، قبل أن تتراجع عن الخطة. وقالت كوانغ إن ميزة سلاسل التوريد الصينية لا تزال كبيرة للغاية، وإن محاكاة الإنتاج المحلي في دول أخرى ليست سهلة.

وتواجه بذلك استراتيجية «الصين زائد واحد»، التي تعتمد على الاحتفاظ بالإنتاج في الصين مع إنشاء قاعدة إضافية بدولة أخرى، اختباراً عملياً. ورغم استمرار الاستثمارات في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فإن شركات تقول إن المصانع خارج الصين لا تستطيع دائماً مجاراة شبكات الموردين الصينية، أو توافر العمالة الماهرة، أو استقرار إمدادات الطاقة.

ولا تتوافر حتى الآن بيانات شاملة تحدد حجم الطلبيات التي عادت إلى الصين، لكن مؤشرات تظهر في قرارات بعض الشركات الكبرى. فقد أعادت شركة التجزئة الأميركية «تارغت» بعض الطلبيات إلى موردين صينيين بسبب اضطرابات سلاسل التوريد وقيود الإنتاج، وفقاً لمصادر مطلعة. كما تقلص شركة «الأزياء السريعة» الشهيرة «شي إن» بعض عملياتها في فيتنام.

* التكلفة الكاملة تغير الحسابات

ويقدم جين تشاوفينغ، وهو مصدّر لأثاث الحدائق بمدينة هانغتشو، مثالاً على الصعوبات التي تواجه عمليات الانتقال. فقد أغلق هذا العام ورشة كان قد افتتحها في مدينة «هو شي مِنْهْ» الفيتنامية عام 2024، وأعاد الإنتاج إلى الصين. وقال إنه واجه صعوبة في العثور على المعدات المطلوبة، واضطر إلى استيراد مستلزمات أساسية من الصين، من بينها البراغي وقوالب حاملات الأكواب. وبعد احتساب النقل والمعدات والمكونات وبقية المصاريف، وجد أن التكلفة الإجمالية للإنتاج في فيتنام لم تكن مختلفة كثيراً عن الصين؛ مما أضعف الجدوى الاقتصادية من الانتقال.

وكان الفارق في الرسوم الجمركية الأميركية أحد أبرز أسباب توجه الشركات نحو جنوب شرقي آسيا. ووفق تقديرات «وحدة الاستخبارات الاقتصادية» في يوليو (تموز) الماضي، فقد واجهت الصين معدل رسوم أميركية فعلياً يبلغ نحو 20 في المائة، مقابل 6.1 في المائة لفيتنام، و13.4 في المائة لإندونيسيا، و4.5 في المائة لتايلاند.

لكن توسع واشنطن في فرض الرسوم على دول أخرى أدى إلى تضييق هذه الفجوة، ودفع بعض المصنعين الصينيين إلى إعادة تقييم خطط الاستثمار في الخارج.

* الطاقة تدخل المعادلة

ولم تعد الرسوم والأجور وحدهما يحددان موقع المصنع. فقد أصبحت موثوقية إمدادات الطاقة عاملاً متصاعد الأهمية، خصوصاً بعدما أدت أزمة الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط إلى اختبار قدرة مراكز التصنيع المختلفة على تحمل صدمات الطاقة.

وقال ستانيسلاف كريكون، الرئيس التنفيذي لشركة التغليف البولندية «دي إس تي باك»، إن شريكه الصناعي الصيني ساعد الشركة على تجاوز فترة ارتفعت خلالها تكاليف المواد البلاستيكية 15 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي نتيجة صعود النفط. وتحصل الشركة على 80 في المائة من إنتاجها من مصنع بمدينة شنتشن جنوب الصين، بينما تأتي النسبة المتبقية بالتساوي من مصانع احتياطية في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن تكلفة الوحدة من تلك المصادر البديلة تبلغ ما بين ضعفين و3 أضعاف تكلفة الإنتاج المعتادة.

وقال كريكون إنه استبعد الانتقال إلى جنوب شرقي آسيا بعدما شاهد شريكاً تجارياً يواجه مشكلات في فيتنام امتدت من التصنيع إلى التصدير، مشيراً إلى أن النظام الصناعي هناك لا يعمل بالسلاسة نفسها الموجودة في الصين. كما قال قوان باوكوي، وهو محام بمدينة تشينغداو الصينية يقدم المشورة للمصنعين، إن عدم استقرار إمدادات الكهرباء في فيتنام وإندونيسيا يمثل تحدياً إضافياً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة.

* التحوط لم ينته

ومع ذلك، فلا تعني عودة بعض الطلبيات نهاية استراتيجية التنويع. فما زالت فيتنام من أكبر المستفيدين من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتجتذب استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات. وقالت يو يانغ شيان، التي تعمل شركتها في بيع الخزائن الإلكترونية وآلات البيع الذاتي، إنها تحتفظ بنحو ثُمن طاقتها الإنتاجية في فيتنام بوصفها قاعدة احتياطية، وقد توسع عملياتها هناك مجدداً إذا ارتفعت الرسوم الأميركية على الصين بصورة حادة.

كما أن العودة ليست شاملة؛ إذ قالت سمر هو، وهي وكيلة مبيعات في نينغبو تعمل في منتجات الهدايا والمعدات الرياضية الخارجية، إن شركتها لم تشهد عودة في الطلبيات الأميركية، مشيرة إلى أن المنافسة لا تزال شديدة.

وتأتي هذه التحولات قبل اجتماع مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، تترقبه الشركات للحصول على وضوح أكبر بشأن مستقبل الحواجز التجارية. إلا إن المصدرين لا يعولون كثيراً على القمة لحل مشكلاتهم.

وتظهر التجارب الأخيرة أن إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية أصبحت أعقد من مجرد مقارنة الرسوم الجمركية. فبعد سنوات من بناء الصين شبكات كثيفة من المصانع والموردين والعمالة والبنية التحتية، اكتشف بعض الشركات أن الخروج منها قد يكون ممكناً، لكن استبدال منظومتها الصناعية بالكامل أشد صعوبة.