وكالة الطاقة تتراجع عن «نهاية عصر الوقود الأحفوري»... «مصالحة مع الواقع»

تقريرها أكد رسالة «أوبك» بضرورة الاستثمار الشامل في الطاقة وعدم الاكتفاء بـ«التفكير بالتمني»

جناح «أوبك» في أرض مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي (د.ب.أ)
جناح «أوبك» في أرض مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي (د.ب.أ)
TT

وكالة الطاقة تتراجع عن «نهاية عصر الوقود الأحفوري»... «مصالحة مع الواقع»

جناح «أوبك» في أرض مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي (د.ب.أ)
جناح «أوبك» في أرض مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي (د.ب.أ)

أعلنت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، الأربعاء، أن وكالة الطاقة الدولية أجرت «مصالحة مع الواقع» بعد تراجعها عن توقعاتها لعام 2023 التي أعلنت فيها عن «بداية نهاية عصر الوقود الأحفوري».

يأتي موقف «أوبك» في بيان رسمي بعد صدور تقرير وكالة الطاقة الدولية الأخير، «توقعات الطاقة العالمية 2025»، الذي أظهر اعترافاً غير مسبوق بالدور المستمر والمهيمن للنفط والغاز. وشدّدت «أوبك» على أن التوقعات السابقة التي روجت لـ«ذروة» وشيكة للطلب كانت مدفوعة بـ«التفكير بالتمني» بدلاً من البيانات الواقعية، مؤكدة على رسالتها المستمرة بضرورة الاستثمار في جميع مصادر الطاقة لضمان الأمن والاستقرار العالميين.

وعد «الذروة الوشيكة»

بدأت «أوبك» بيانها بالإشارة إلى تصريح المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية في سبتمبر (أيلول) 2023، الذي قال فيه: «إننا نشهد بداية نهاية عصر الوقود الأحفوري، وعلينا أن نعد أنفسنا للعصر التالي». وأكدت «أوبك» أن هذا التصريح كان واضحاً وغير غامض، وكان يهدف إلى إيصال رسالة للعالم بأن النفط والغاز والفحم أصبحت في «مرآة الرؤية الخلفية». وعلى الرغم من أن «أوبك» أعلنت عن رأيها آنذاك، بناءً على قراءة موضوعية للبيانات، بأن هذه لم تكن الحال نفسها، فإن كلمات الوكالة في ذلك الوقت أشارت إلى عدم حاجتها إلى نقاش. وكانت مسألة «ذروة الطلب على الوقود الأحفوري» بالنسبة لها وشيكة وحقيقة واقعة لا تقبل الجدل، وفق البيان. إلا أنه وبعد ما يزيد قليلاً على عامين يبدو أن تأكيدات الوكالة الجريئة قد كان لها «لقاء مع الواقع».

اعتراف الوكالة

وقال البيان إنه في تحول مفاجئ وغير متوقع، أظهر أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية «توقعات الطاقة العالمية »، وتحديداً في «سيناريو السياسات الحالي» اعترافاً بنقيض ما صرحت به سابقاً. إذ ينص السيناريو على أن «الطلب على النفط والغاز لا يصل إلى الذروة» حتى عام 2050، وأن «النفط يظل الوقود المهيمن» طوال هذه الفترة. وعلى صعيد إجمالي الطلب على السوائل بحلول عام 2050، تشير توقعات النفط العالمية لــ«أوبك» إلى أقل بقليل من 123 مليون برميل يومياً، بينما يشير سيناريو السياسات الحالية للوكالة إلى ما يزيد قليلاً على 119 مليون برميل يومياً، مع حساب «أوبك» لإجمالي الطلب على السوائل في سيناريو الوكالة بأكثر من 121 مليون برميل يومياً على أساس حجم مكافئ.

أضاف البيان: «على الرغم من أن (أوبك) تقر بأن وكالة الطاقة الدولية قد نشرت سيناريوهات أخرى تعرض مسارات بديلة، فإن البيان أكد أن هذا يعد تراجعاً مدهشاً؛ لأنه يمثل المرة الأولى منذ سنوات كثيرة التي تعترف فيها الوكالة بأن النفط والغاز من المتوقع أن يلعبا دوراً كبيراً في مسارات الطاقة المستقبلية المتطورة».

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

الغاز النفطي المسال

أكدت «أوبك» أن هذا التقرير الجديد يسلط الضوء على الحاجة إلى «جميع مصادر الطاقة»، وهو ما يمثل محور التركيز الأساسي لأبحاث وتوقعات ورسائل «أوبك» في السنوات الأخيرة. وأشار البيان تحديداً إلى سيناريو الوكالة الجديد لتسريع خدمات الطهي والكهرباء النظيفة، الذي يوفر خريطة طريق لتحقيق الوصول الشامل إلى الكهرباء والطهي النظيف، حيث يشير هذا السيناريو إلى أهمية منتج نفطي حيوي هو الغاز النفطي المسال. وينص التقارب على أن الغاز النفطي المسال يدعم معظم سبل الوصول الجديدة إلى الطهي النظيف، مما يزيد من استخدامه إلى حوالي 3.4 مليون برميل يومياً في قطاع الطهي السكني بحلول عام 2040.

مخاوف «أوبك»

بالنسبة للنفط على وجه الخصوص، فإن حديث وكالة الطاقة الدولية السابق عن ذروة الطلب العالمي قبل نهاية هذا العقد كان مصحوباً أيضاً بدعوة لوقف الاستثمارات الجديدة في النفط، وهو ما عدّته «أوبك»، «تفكيراً بالتمني» كان يقود قصة استثمار الوكالة في النفط. لحسن الحظ، شهد عام 2025 انعطافات واضحة في هذا الموقف.

فقد أشار المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية في مؤتمر «سيرا ويك» في مارس (آذار) 2025 إلى وجود حاجة للاستثمار في حقول النفط والغاز لدعم أمن الطاقة العالمي. ثم ذهب أبعد من ذلك في سبتمبر (أيلول) عند إطلاقه لتقرير حول «تداعيات معدلات انحدار حقول النفط والغاز»، مصرحاً بأن «غياب الاستثمار في المنبع سيزيل ما يعادل الإنتاج المشترك للبرازيل والنرويج من ميزان السوق العالمية كل عام. الوضع يعني أن الصناعة يجب أن تعمل أسرع بكثير لمجرد البقاء في مكانها».

يؤكد سيناريو السياسات الحالية في تقرير الوكالة هذا التوجه بشكل قاطع، حيث ينص على أن المنبع النفطي والغازي يتطلب أكبر قدر من الاستثمار في العقد المقبل عند مقارنته بجميع أنواع الوقود الأخرى.

مطالبة بتحليل واقعي

انتقد بيان «أوبك» بشدة الترويج لخطابات محددة، مثل الحاجة إلى عدم ضخ استثمارات جديدة في النفط، والترويج لسيناريوهات مثل «سيناريو صافي الانبعاثات الصفرية بحلول 2050»، الذي وصفته بأنه سيناريو «معياري» وليس «استكشافياً»، حيث يبني مساراً عكسياً لتحقيق نتائج محددة على حساب السيناريوهات الأخرى. وعدّت «أوبك» أن هذا الترويج غير مفيد لرسم مسارات واقعية لمستقبل الطاقة، خصوصاً لضمان توفير الاستثمارات المستقبلية الضرورية، ليس فقط في الإنتاج لتلبية طلب المستهلكين، ولكن أيضاً في التقنيات الحيوية، مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه والتقاط الهواء المباشر، المطلوبة للمساعدة في خفض الانبعاثات.

وأكدت «أوبك» أن الواقع الحالي يظهر أن العالم يستهلك حالياً كميات أكبر من النفط، والفحم، والغاز، وفي الواقع، جميع مصادر الطاقة، أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يظهر في التوقعات قصيرة المدى لكل من «أوبك» والوكالة.

وكما دعت «أوبك» في مناسبات كثيرة، فإن تاريخ الطاقة كان دائماً يتعلق «بالإضافات». فمصادر الطاقة الرئيسية لم تختف أو تُترك في مرآة الرؤية الخلفية؛ بل تواصل تكملة بعضها بعضاً، بل وتعتمد على بعضها بعضاً. فمثلاً، ستكون مصادر الطاقة المتجددة جزءاً مهماً ومتوسعاً من مشهد الطاقة المستقبلي، لكن تطويرها يتطلب مجموعة متنوعة من المنتجات النفطية. وبتعبير بسيط: إن ماضينا في مجال الطاقة لم يكن سلسلة من أحداث الاستبدال، ولن يكون مستقبلنا كذلك.

وقال البيان إن تثبيت المعلقين في الصناعة على «الذروات»، سواء كانت ذروة العرض أو الطلب، قد أعاق التحليل السليم، والسياسات الجيدة، وتطوير مناخ صديق للاستثمار. وعدّت «أوبك» أن «هوس الذروة» وميل وكالة الطاقة السابق إلى إعلان الذروات الوشيكة في كل فرصة لا يعدو كونه مجرد شعار وعنوان رئيسي، ولا يقدم أي قيمة بإطار عمل لتحليل مسارات الطاقة المستقبلية.

واختتمت «أوبك» بالدعوة إلى أساسيات التحليل الموثوق والحيادي: «صناعة الطاقة بحاجة إلى تحليل قوي يستند إلى البيانات. نحن بحاجة إلى حقائق، لا تخيلات. نحن بحاجة إلى نزاهة، لا آيديولوجيا»، معربة عن أملها في أن يمثل تقرير الوكالة الأخير «عودة إلى التحليل القائم على حقائق الطاقة»، وأن نكون قد «تجاوزنا ذروة المفهوم المضلل للذروة النفطية».


مقالات ذات صلة

الرياض تستضيف النسخة الثالثة من ندوة «أوابك»

الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في الندوة (واس)

الرياض تستضيف النسخة الثالثة من ندوة «أوابك»

انطلقت، اليوم، بالرياض النسخة الثالثة من ندوة «مسارات خفض الانبعاثات الكربونية في الصناعات البترولية اللاحقة»، التي تُنظمها «أوابك»، بالتعاون مع وزارة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة التُقطت في 2019 لناقلة نفط في ميناء رأس الخير شمال الدمام (رويترز)

السعودية تقود قفزة إنتاج «أوبك بلس» في سبتمبر رغم اضطرابات حرب إيران

ارتفع إنتاج تحالف «أوبك بلس» من النفط الخام بقوة في سبتمبر (أيلول) الماضي، مدفوعاً بزيادة الإنتاج السعودي، رغم استمرار الاضطرابات.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

«أوبك» ترفع توقعاتها لنمو الطلب العالمي إلى 2.5 مليون برميل يومياً في 2027

رفعت منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027، مستندةً إلى الحاجة لإعادة بناء المخزونات.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد أمين عام «أوبك» يتحدث في جلسة حوارية ضمن مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

أمين عام «أوبك»: الطلب المؤجل يدفع نمو الطلب على النفط لـ1.7 مليون برميل يومياً في 2027

قال الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، هيثم الغيص، إن المنظمة تتوقع ارتفاع نمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.7 مليون برميل يومياً في عام 2027.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد استعدادات لانعقاد الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط) p-circle 00:33

الرياض تطلق أسبوع الطاقة اليوم باجتماع وزاري لبحث أمن الإمدادات واستقرار الأسواق

تنطلق في الرياض (الأحد) أعمال الاجتماع الوزاري الـ17 لمنتدى الطاقة الدولي بمشاركة وزراء ومسؤولين وقادة في قطاع الطاقة، لبحث أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.

عبير حمدي (الرياض)

«ماستركارد» تطلق بوابة للمدفوعات الرقمية في سوريا لتعزيز ارتباطها بالأسواق العالمية

شعار «ماستركارد» (الشركة)
شعار «ماستركارد» (الشركة)
TT

«ماستركارد» تطلق بوابة للمدفوعات الرقمية في سوريا لتعزيز ارتباطها بالأسواق العالمية

شعار «ماستركارد» (الشركة)
شعار «ماستركارد» (الشركة)

أطلقت شركة «ماستركارد» بوابتها للمدفوعات الرقمية في سوريا، في خطوة تستهدف تطوير البنية التحتية المالية، وتسهيل المعاملات الإلكترونية للشركات والمؤسسات المصرفية، بما يعزز ارتباط السوق السورية بمنظومة المدفوعات العالمية بعد سنوات من العزلة.

ويأتي إطلاق «بوابة ماستركارد» عقب تنفيذ أول عملية دفع دولية باستخدام البطاقات المصرفية في سوريا منذ أكثر من عقد، سواء عبر نقاط البيع التقليدية أو وسائل الدفع الإلكترونية، في تطور يعكس الجهود الرامية إلى إعادة دمج البلاد في النظام المالي الدولي.

وأوضحت الشركة في بيان أرسل لـ«الشرق الأوسط» أن البوابة الجديدة تتيح للمصارف والشركات معالجة المدفوعات الرقمية عبر قنوات متعددة، تشمل المتاجر التقليدية ومنصات التجارة الإلكترونية، من خلال بنية تقنية موحدة توفر حلولاً لقبول المدفوعات وإدارتها، إلى جانب أدوات للحماية من الاحتيال وتعزيز أمن المعاملات.

وتعمل البوابة من خلال منصة «ميرشانت كلاود» التابعة لـ«ماستركارد»، التي تجمع خدمات المدفوعات والتجارة الرقمية ضمن منظومة واحدة، تشمل تقنيات الترميز الرقمي، وتحليل البيانات، وحلول الدفع المستضافة، إضافة إلى أدوات تدعم توسع الشركات في الأسواق الدولية.

وقال آدم جونز، الرئيس الإقليمي لغرب المنطقة العربية في «ماستركارد»، إن إعادة ربط سوريا بمنظومة المدفوعات الدولية تمثل خطوة مهمة لدعم التعافي الاقتصادي، من خلال إتاحة فرص جديدة للأفراد والشركات للمشاركة في الاقتصاد العالمي.

وأضاف أن الشركة تتطلع إلى مواصلة التعاون مع شركائها في سوريا لتوسيع فرص النمو والابتكار، والمساهمة في تطوير قطاع المدفوعات الرقمية خلال المرحلة المقبلة.

ومن المتوقع أن يسهم إدخال البوابة الجديدة في تقليل الاعتماد على التعاملات النقدية، وتوسيع نطاق قبول المدفوعات الإلكترونية لدى التجار، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه تحديات مرتبطة بإتاحة وسائل الدفع الحديثة والوصول إلى العملاء خارج الأسواق المحلية.

ووفقاً لبيان «ماستركارد» تتيح المنصة للشركات الرقمية العالمية ومشغلي التجارة الإلكترونية الاستفادة من بنية تقنية تدعم دخول السوق السورية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تحديث خدماتها المالية وتطوير قنوات التجارة الرقمية.

من جانبه، قال غورانغ شاه، نائب الرئيس التنفيذي لحلول القبول التجاري والتجار في «ماستركارد»، إن البوابة الجديدة ستساعد المصارف السورية على تسريع اعتماد المدفوعات الرقمية لدى التجار، وتوفير وسائل دفع آمنة وموثوقة لمختلف فئات الشركات، بدءاً من مؤسسات التجزئة الكبرى وصولاً إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وأشار إلى أن هذه الحلول تستهدف مواكبة التغيرات في احتياجات المستهلكين، وتبسيط عمليات الدفع لدى الشركات والمؤسسات التجارية.

ويأتي إطلاق الخدمة ضمن جهود تطوير منظومة المدفوعات في سوريا، مع التركيز على توسيع الشمول المالي وتعزيز قدرة الشركات المحلية على الاستفادة من التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية.


برنت يتجاوز 111 دولاراً مع نفي إيران إحراز تقدم دبلوماسي وتراجع المخزونات الأميركية

سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
TT

برنت يتجاوز 111 دولاراً مع نفي إيران إحراز تقدم دبلوماسي وتراجع المخزونات الأميركية

سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)

قفزت أسعار النفط خلال تعاملات جلسة الأربعاء، بعد نفي إيران تحقيق أي تقدم دبلوماسي، فضلا عن تراجع مخزونات النفط الأميركية.

وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعا بأكثر من دولارين إلى أعلى مستوى خلال الجلسة عند 111.25 دولار للبرميل، بحلول الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش. كما ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي بأكثر من دولارين لتصل إلى أعلى مستوى لها خلال الجلسة عند 99.88 دولار للبرميل.

ودعم الارتفاع، تقارير أخرى عن تعرض ناقلة نفط عملاقة لحريق إثر اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز، وفقاً لما أعلنته البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، الثلاثاء، بحسب وسائل إعلام إيرانية.

وأفادت شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع السفن برصد ما لا يقل عن 18 هجوماً على سفن خلال أسبوعين.

وقال محللون لدى مجموعة بورصات لندن، إن الهجمات على ناقلات النفط امتدت إلى ما وراء مضيق هرمز، مشيرين إلى استهداف إيران سفناً في مناطق جنوبية تصل إلى خليج عُمان، بما يهدد عمليات تحميل النفط خارج الخليج العربي وعمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، التي أسهمت في استمرار تدفقات النفط من الشرق الأوسط مع امتداد الصراع.

وكانت أسعار النفط قد تراجعت في الجلسة السابقة، عقب مناقشة الرئيس الإيراني جهود الوساطة خلال اجتماع مع قائد الجيش الباكستاني في طهران. واستقرت عقود برنت، الثلاثاء، عند 108.79 دولار للبرميل، منخفضة 76 سنتاً، أو 0.69 في المائة، بعدما سجلت في وقت سابق أعلى مستوى لها في خمسة أشهر عند 111.99 دولار.

وفي الولايات المتحدة، أفاد مسؤولان في وزارة الطاقة بأن الوزارة تعمل مع شركات التكرير حول العالم لزيادة إنتاج الوقود، في ظل نقص في الديزل أدى إلى ارتفاع أسعاره.


التضخم يضيّق خيارات موازنة بريطانيا... وانضباط هيلي المالي تحت الاختبار

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
TT

التضخم يضيّق خيارات موازنة بريطانيا... وانضباط هيلي المالي تحت الاختبار

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)

تواجه بريطانيا اختباراً اقتصادياً ومالياً مع اقتراب موعد الموازنة الأولى لوزير الخزانة جون هيلي في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما تسارع التضخم في سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياته في 11 شهراً، بالتزامن مع ارتفاع الاقتراض الحكومي وتجاوز الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني. وتضع هذه التطورات الحكومة أمام معادلة صعبة: تخفيف الضغوط على الأسر جرّاء ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، من دون تقويض الانضباط المالي أو زيادة أعباء الدين، في وقت تتزايد فيه توقعات رفع أسعار الفائدة.

وتتجاوز أهمية البيانات الأخيرة انعكاساتها المباشرة على الأسعار والمالية العامة، إذ تأتي في وقت يراقب فيه المستثمرون قدرة الحكومة على الالتزام بقواعدها المالية، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً واضطرابات أسواق السندات. كما تثير عودة الضغوط التضخمية تساؤلات بشأن مسار السياسة النقدية، واحتمال أن يؤدي تشديدها إلى زيادة تكلفة التمويل على الأسر والشركات، بما يضغط بدوره على النمو الاقتصادي.

وزير الخزانة البريطاني جون هيلي (رويترز)

التضخم يعود إلى الارتفاع

ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في بريطانيا بنسبة 3.5 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر، مقارنة بـ3.1 في المائة في أغسطس (آب)، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.4 في المائة، وكذلك تقديرات «بنك إنجلترا» السابقة التي رجحت ارتفاعه إلى 3 في المائة. وسجل التضخم الشهري 0.4 في المائة.

وعزا مكتب الإحصاءات الوطنية الارتفاع بصورة رئيسية إلى زيادة أسعار البنزين والديزل، في ظل صعود أسعار الطاقة المرتبط بالحرب في إيران. وأعاد ذلك التضخم إلى أعلى مستوى له منذ أكتوبر 2025، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد البريطاني بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المستورد، ما يجعله عرضة لانتقال صدمات الطاقة الخارجية إلى تكاليف المعيشة والإنتاج.

لكن المؤشرات لا تقتصر على الوقود، فقد ارتفع تضخم أسعار الخدمات إلى 3.7 في المائة في سبتمبر، من 3.4 في المائة في الشهر السابق، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6 في المائة. كما صعد التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة والكحول والتبغ، إلى 2.8 في المائة من 2.6 في المائة.

وتعزز هذه الأرقام مخاوف «بنك إنجلترا» من انتقال الارتفاع في أسعار الطاقة إلى نطاق أوسع من الاقتصاد، خصوصاً إذا انعكس على الأجور وأسعار الخدمات وتكاليف الشركات. كما ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج لدى المصانع بنسبة 8.3 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ6.7 في المائة في أغسطس، متجاوزة توقعات السوق البالغة 7.2 في المائة. وزادت أسعار المنتجات عند بوابات المصانع بنسبة 4.6 في المائة، من 3.8 في المائة، مسجلة أكبر ارتفاع منذ أبريل (نيسان) 2023.

وقال الاقتصادي في «برايس ووترهاوس كوبرز» في المملكة المتحدة، آدم ديزي، إن اقتراب التضخم من 4 في المائة يجعل من الأصعب تجاهل صدمة الأسعار الحالية. وحذّر من أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة يزيد مخاطر تأثيره في سلوك تحديد الأجور والأسعار، بما قد يجعل احتواءه أكثر صعوبة.

رفع الفائدة يقترب... لكن تكلفته الاقتصادية حاضرة

تزيد بيانات التضخم، إلى جانب ارتفاع نمو الأجور الذي أظهرته أرقام صدرت الثلاثاء، من احتمالات رفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويتوقع المستثمرون وكثير من المحللين رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 4 في المائة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني).

وكان محافظ البنك أندرو بيلي ومسؤولون آخرون قد أشاروا إلى أن احتمال رفع الفائدة يزداد كلما استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، رغم محدودية أثر الصدمة في التضخم حتى الآن. كما قالت العضوة في لجنة السياسة النقدية والمؤيدة لرفع الفائدة، ميغان غرين، إن مخاطر انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم الأوسع أصبحت أكبر مما كان متوقعاً.

ويضع ذلك البنك أمام موازنة دقيقة بين منع ترسخ التضخم في توقعات الأسر والشركات، وتجنّب تشديد نقدي يزيد الضغط على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار. فارتفاع الفائدة قد يساعد على كبح الطلب والتضخم، لكنه يرفع في المقابل تكلفة الرهون العقارية والتمويل، في وقت تواجه فيه الأسر بالفعل فواتير طاقة أعلى.

وتمتد هذه المعضلة إلى الموازنة، إذ إن ارتفاع تكاليف التمويل يحد من قدرة الحكومة على تقديم دعم واسع للأسر، فيما قد يؤدي ضعف الاستهلاك والاستثمار إلى إبطاء النشاط الاقتصادي.

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)

الاقتراض والدَّين يضيّقان الهامش المالي

أظهرت بيانات منفصلة أن الحكومة البريطانية اقترضت 24.5 مليار جنيه إسترليني في سبتمبر، وهو مستوى تجاوز توقعات الاقتصاديين. كما تخطى الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني، بما يعادل نحو 4.01 تريليون دولار، في انعكاس لتراكم أعباء التمويل وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

وتزيد هذه الأرقام حساسية الموازنة المقبلة، خصوصاً أن معدل التضخم المسجل في سبتمبر يُستخدم تقليدياً أساساً لتحديد زيادات إعانات الرعاية الاجتماعية، وهو ما يرفع الضغوط لتقديم دعم إلى الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار، في حين تظل قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق مقيدة بقواعدها المالية.

وقال كبير الاقتصاديين المؤقت في مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن»، غريغ ثويتس، إن ارتفاع التضخم ومستويات الدين القياسية يجسّدان المعضلة المزدوجة التي تواجه وزير المالية: كيفية تخفيف ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر مع إبقاء الاقتراض الحكومي تحت السيطرة.

وترى نائبة كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، روث غريغوري، أن ارتفاع الاقتراض في الأشهر الأخيرة يعزز توقعات تقديم موازنة حذرة في 28 أكتوبر، ذات تأثير صافٍ محدود على الاقتصاد، مع إرجاء أصعب الخيارات المالية إلى العام المقبل.

ولا يقتصر الضغط على حجم الاقتراض، بل يشمل أيضاً تكلفة تمويله، فقد دفعت موجة بيع عالمية للسندات عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاماً إلى تجاوز 6 في المائة لفترة وجيزة خلال أكتوبر، ما قلّص الهامش المالي المتاح للحكومة، الذي كان يُقدّر بنحو 24 مليار جنيه إسترليني في مارس (آذار).

ويقدّر اقتصاديون أن هذا الهامش تراجع إلى ما بين 8.5 مليار و16 مليار جنيه إسترليني، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة أعباء خدمة الدين. ويعني ذلك أن أي تدابير جديدة لدعم الأسر أو زيادة الإنفاق ستحتاج إلى موازنة دقيقة مع مصادر تمويلها وتداعياتها على التوقعات المالية.

وقال مدير الاستثمار في أدوات الدخل الثابت لدى «أبردين إنفستمنتس»، لوك هيكمور، إن الموازنة تتمحور حول المصداقية، مضيفاً أن سوق السندات ستراقب مدى التزام هيلي بالانضباط المالي. وحذّر من أن الالتزام بالخطة قد يُسهم في خفض العوائد، في حين أن مفاجأة الأسواق بإجراءات غير متوقعة قد تفرض تكلفة سريعة ومرتفعة.

صورة لافتة «مركز التوظيف بلس» في نيوكواي جنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

البنوك وشركات الإسكان والمرافق تحت المجهر

تمتد حالة الترقب إلى القطاعات الأكثر تعرضاً للقرارات الضريبية والإنفاقية. ففي القطاع المصرفي، تتابع المؤسسات المالية احتمال فرض ضرائب إضافية على الأرباح، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى زيادة الإيرادات من دون اللجوء إلى زيادات واسعة في الضرائب.

وكان مسؤولون تنفيذيون في كبرى البنوك البريطانية قد التقوا هيلي في وقت سابق من أكتوبر، وسط تقارير لم تحسم ما إذا كانت الحكومة تعتزم زيادة الضريبة المفروضة على الأرباح الاستثنائية للقطاع. وتراجعت أسهم «إتش إس بي سي» و«نات ويست» و«لويدز» و«باركليز» بنسب تراوحت بين 3 و5 في المائة خلال الشهر، وإن كان هذا الأداء متماشياً إلى حد كبير مع أداء البنوك الأوروبية في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.

وفي المقابل، تترقب شركات بناء المنازل تفاصيل برنامج حكومي جديد لدعم المشترين للمرة الأولى، بعدما ارتفعت أسهم القطاع في أواخر سبتمبر (أيلول) عقب تأكيد الحكومة عزمها إطلاق البرنامج ضمن الموازنة. وجاء الإعلان في وقت يعاني فيه القطاع ضعف الطلب وتراجع القدرة على تحمّل تكاليف السكن، لكن ارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية بدد المكاسب التي حققتها الأسهم قبل الموازنة.

أما شركات المرافق فتواجه بدورها أسئلة بشأن توجهات الحكومة نحو الملكية العامة وتنظيم البنية التحتية. وكان رئيس الوزراء أندي بيرنهام قد صعّد لهجته بشأن احتمال اللجوء إلى الملكية العامة لشركات المياه ذات الأداء الضعيف، كما أعلن تأسيس شركة «غريت بريتش غريد» المملوكة للدولة لإدارة شبكات الكهرباء، بهدف خفض تكاليف الطاقة وتسريع عمليات الربط بالشبكة.

ومع ذلك، أبدى بنك «جي بي مورغان» تفاؤلاً بآفاق شركات المرافق البريطانية، معتبراً أن تأسيس الشركة الجديدة لا يشكل تهديداً كبيراً لأهداف النمو وخلق القيمة لدى شركات شبكات الكهرباء. وارتفع قطاع المرافق البريطاني بنحو 4 في المائة منذ تصريحات بيرنهام، في حين لم تشهد السوق الأوسع تغيراً يُذكر.

اختبار الموازنة: دعم محدود ومصداقية مالية

تدخل بريطانيا الموازنة المقبلة وسط ضغوط متزامنة من التضخم وأسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض، في وقت يتعيّن فيه على الحكومة تحديد حجم الدعم الذي يمكن تقديمه إلى الأسر، ومصادر تمويله، ومدى توافقه مع قواعدها المالية.

وستكون كيفية استجابة الموازنة لهذه الضغوط مؤثرة في تقييم المستثمرين لمسار المالية العامة، كما ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت الحكومة قادرة على احتواء تداعيات صدمة الطاقة من دون زيادة المخاوف بشأن الدين أو تعقيد مهمة «بنك إنجلترا» في إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة.

وبذلك، لا يقتصر اختبار هيلي على تقديم إجراءات تخفف أعباء المعيشة، بل يمتد إلى إقناع الأسواق بأن هذه الإجراءات لن تأتي على حساب مصداقية المالية العامة، في وقت قد تضطر فيه السياسة النقدية إلى اتخاذ مسار أكثر تشدداً.