خلال لقاء تشاوري في مجلس النواب الليبي حول الأزمة الاقتصادية بالبلاد، دعا رئيس المجلس، الصالحين عبد النبي، إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي، تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».
وقال عبد النبي خلال اللقاء الذي استضافه مجلس النواب في مدينة بنغازي، الأربعاء، مع خبراء ومتخصصين في المجالات الاقتصادية والمالية، إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من تشخيص المشكلات، وتبادل وجهات النظر إلى «مرحلة العمل الجاد والمسؤول»، داعياً إلى وضع حلول تستند إلى أسس علمية ومهنية، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية.
وطالب عبد النبي في الاجتماع، الذي تم تنسيقه مع مجلس التخطيط الوطني، وبحضور محافظ مصرف ليبيا المركزي فوزي أبو خزام، بتشكيل فرق عمل ولجان مشتركة من الخبراء لإعداد تصورات عملية في أسرع وقت، على أن تتضمن مخرجاتها إجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة، مع تحديد الجهات المسؤولة عن كل إجراء والجداول الزمنية اللازمة لإنجازه.

ورسم عبد النبي صورة قاتمة للأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين، وحدد ترشيد الإنفاق العام وتعزيز الانضباط المالي، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية ضمن أبرز محاور الإصلاح، إلى جانب تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط وتنمية القطاعات الإنتاجية.
وفي إطار ضبط الاستيراد، دعا رئيس مجلس النواب إلى تحديد موازنة استيرادية ضمن الميزانية العامة للدولة، بسقف مالي محدد لا تتجاوزه الاعتمادات المصرفية، مع توجيهها إلى الاحتياجات الفعلية للبلاد، وفي مقدمتها الغذاء والدواء، والأعلاف والمواد الداخلة في التصنيع، ومراجعة أوجه الاستيراد الأخرى، واستبعاد السلع غير الضرورية والترفيهية من أولويات التمويل.
كما شدد على ضرورة دعم المصانع الوطنية، وتوفير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، وتوجيه الاعتمادات إلى المصانع، التي تمارس نشاطاً إنتاجياً حقيقياً، مع مراعاة احتياجات القطاع الصناعي عند إعداد الموازنات الاستيرادية، بما يساعد على زيادة الإنتاج المحلي وتلبية احتياجات السوق.
وفي ملف دعم المحروقات، طالب عبد النبي بإعداد دراسة متكاملة لإعادة تنظيم الدعم، ووضع آليات تضمن استفادة المواطنين المستحقين منه، وحصر الانتفاع به في الفئات المستهدفة، بما يحقق الأهداف التي خُصصت من أجلها موارد الدولة، ويسهم في تحسين إدارة الإنفاق العام.
كما طالب المسؤول نفسه بمعالجة التشوهات في سوق الصرف، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار ودعم القطاع الخاص، وخلق فرص عمل مستدامة، إلى جانب تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة على إدارة المال العام.
وتأتي هذه التحركات امتداداً لمواقف عبد النبي خلال جلسة مجلس النواب في سبها، الاثنين الماضي، حين أعلن أن «ميزانية العام المقبل ستكون موحدة، وتشمل الأبواب المقررة قانوناً، مع تخصيص الباب الأول للمرتبات فقط، وإلغاء البنود الأخرى منه، وتخصيص الباب الرابع للدعم والاحتياجات الضرورية».
وأعرب عبد النبي، الأربعاء، عن أمله في أن يسفر اللقاء التشاوري عن رؤية اقتصادية موحدة، وتوصيات ناجزة تشكل أساساً لخطة إصلاح شاملة قابلة للتنفيذ والمتابعة، مؤكداً أن ليبيا تمتلك من الموارد والإمكانات والكفاءات ما يؤهلها لبناء اقتصاد قوي ومستدام.

وتأتي هذه الدعوات وسط استمرار الضغوط على الدينار الليبي، وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد الجدل بشأن حجم الإنفاق العام وتوزيع الإيرادات النفطية والرقابة على المؤسسات المالية.
ورغم أن «توحيد الميزانية» يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الانقسام المالي والمؤسسي، فإن تنفيذ الإصلاحات المطروحة يظل مرتبطاً بالتوافق بين الأطراف الليبية على إدارة الإيرادات والإنفاق، وضمان استقلال المؤسسات المالية والشفافية والمساءلة، ومنع ازدواجية الصرف، في ظل استمرار الانقسام الراهن في البلاد، بحسب مراقبين.







