أثارت شطيرة «شيك طاووق» (Chic Taouk) جدلاً واسعاً في لبنان، بعدما تحوّلت من وجبة تقدمها سلسلة مطاعم تواكب توجهات التغذية الصحية، إلى محور نقاش حول الفجوة المتزايدة بين اللبنانيين القادرين على الإنفاق بحرية وأولئك الذين يكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
«شيك طاووق»... شطيرة صحية بسعر يقارب 13 دولاراً
وأطلق مطعم «ذا غلو بارادايس» (The Glow Paradise)، المعروف باهتمامه بالأطعمة الصحية، شطيرة «شيك طاووق» (Chic Taouk)، وهي نسخة أكثر صحية من طبق الشيش طاووق الشامي الشهير، تستهدف الزبائن المهتمين بالسعرات الحرارية والتغذية.
لكن سعر الشطيرة، الذي يقارب 13 دولاراً، أثار انتقادات واسعة، إذ يعادل نحو ضعف ما يدفعه الزبائن عادةً مقابل شطيرة دجاج في بيروت.
ورغم الجدل الذي رافق إطلاقها على مواقع التواصل الاجتماعي، حققت الشطيرة مبيعات لافتة؛ إذ بيع منها أكثر من 20 ألف قطعة خلال 11 يوماً، وفقاً لما قاله هراغ جيغاليان، الشريك الإداري في المطعم، الذي وصف التفاعل عبر الإنترنت بأنه «تسويق طبيعي».
وفي مقابل الانتقادات، دافع بعض المستهلكين عن فكرة المنتج وسعره، معتبرين أنه موجّه إلى شريحة محددة تستطيع شراءه. ونقلت «رويترز» عن ناتالي أبو كروم، التي جرّبت الشطيرة، قولها إن المنتج يستهدف جمهوراً بعينه، وإن عدم قدرة البعض على شرائه لا يعني أنه غير مناسب لمن يستطيع دفع ثمنه.
«شيك طاووق» ليس الأول...
ولم تكن شطيرة «شيك طاووق» الحالة الوحيدة التي أثارت الجدل حول أسعار المأكولات في لبنان. ففي يوليو (تموز) 2025، أثار «إم شريف ديلي» نقاشاً واسعاً بعدما وصل سعر شطيرة الطماطم لديه إلى نحو 12 أو 13 دولاراً، رغم بساطة مكوناتها، التي تشمل الطماطم والثوم والسماق وزيت الزيتون والفلفل الأخضر والبصل الأخضر.
وتجدد النقاش في أغسطس (آب) 2026 مع تداول تقارير عن شطيرة من الحبش والجبن، استُبدل فيها الخبز بأوراق الخس، بسعر بلغ 19 دولاراً لدى «إم شريف ديلي».
وأعادت هذه الأسعار طرح أسئلة حول تحوّل المأكولات البسيطة إلى منتجات فاخرة تحمل قيمة العلامة التجارية وتجربة المطعم، في وقت يواجه فيه كثير من اللبنانيين صعوبة في تغطية نفقاتهم الأساسية.
وتعكس هذه الحالات مفارقة أوسع في السوق اللبنانية: فبينما تستهدف بعض المطاعم زبائن مستعدين لدفع أسعار مرتفعة مقابل منتجات مميزة أو تجربة طعام مختلفة، يرى منتقدون أن هذه الأسعار تُبرز حجم التفاوت الاجتماعي في بلد لا تزال تداعيات انهياره المالي تضغط على شرائح واسعة من السكان.
شطيرة بـ13 دولاراً في بلد يعاني أزمة معيشية
وقال الاقتصادي سامي نادر، من جامعة القديس يوسف في بيروت، إن الإقبال على المطعم يُخفي واقعاً آخر، مشيراً إلى أن 22 مطعماً أغلقت أبوابها خلال الشهر الماضي.
وانقسم مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان بين من اتهموا المطعم بالمبالغة في الأسعار، ومن رأوا أن الشطيرة موجّهة إلى أشخاص يستطيعون تحمّل تكلفتها.
في المقابل، تساءل آخرون عن جدوى التركيز على هذا الجدل في وقت يواجه فيه البلد أزمات أكثر إلحاحاً، من بينها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، إلى جانب أزمتي الكهرباء والمياه.
ويعود الانهيار المالي اللبناني إلى عام 2019، وسط اتهامات لسنوات من الفساد والإنفاق المفرط من جانب النخبة الحاكمة، فيما زادت الصراعات المتتالية من صعوبة التعافي الاقتصادي.
تراجع الاقتصاد وارتفاع الأسعار يضغطان على اللبنانيين
تراجعت قيمة الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بنحو 40 في المائة منذ عام 2019، فيما توقع البنك الدولي ارتفاع التضخم إلى 17.5 في المائة، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة والشحن عالمياً. ويزيد هذا المعدل بأكثر من أربعة أضعاف توقعات التضخم العالمي التي أشار إليها صندوق النقد الدولي في يوليو (تموز).
وفي سبتمبر (أيلول)، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن أربعة من كل خمسة أسر لبنانية تواجه صعوبة في تحمّل تكلفة الاحتياجات الأساسية.
ويرى نادر أن الطبقة الوسطى في لبنان «اختفت» بعد سلسلة من الأزمات، بدأت بالانهيار المالي عام 2019، مروراً بانفجار مرفأ بيروت عام 2020، وصولاً إلى حربين خلال أقل من عامين.
ولا تقتصر الضغوط على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، بل تشمل أيضاً تكلفة الكهرباء، التي يعتمد كثير من اللبنانيين فيها على المولدات الخاصة لتعويض النقص في التغذية من الشبكة العامة.
وارتفعت فواتير المولدات الخاصة بنحو 20 في المائة في أغسطس (آب) 2026، لتصبح الأسعار أعلى بنحو 60 في المائة مقارنةً بشهر فبراير (شباط)، وفقاً لأسعار الكيلوواط/ساعة التي أعلنتها وزارة الطاقة اللبنانية.
وبالنسبة إلى كثير من الأسر، قد تصل تكلفة تأمين الكهرباء على مدار الساعة إلى مئات الدولارات شهرياً، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور 400 دولار.
«كل شيء أصبح باهظاً»...
يعكس هذا الواقع حجم الضغوط التي تواجهها الأسر اللبنانية، في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وقال فؤاد فاخري الدين، وهو عامل في أحد المطاعم يبلغ 53 عاماً ويعيش في منطقة الحمرا ببيروت، إن «كل شيء أصبح باهظاً، والناس لم يعودوا قادرين على مواكبة ذلك».
وأضاف أن كثيرين يتقاضون رواتبهم، ثم يضطرون إلى الاستدانة لتغطية نفقاتهم ومواصلة حياتهم اليومية.
ووصف فاخري الدين واقع اللبنانيين بأنه ينقسم بين فئة لا تزال قادرة على العيش والإنفاق، وأخرى تواجه ظروفاً قاسية، قائلاً إن أفرادها «ليسوا أمواتاً وينتظرون الموت»، في إشارة إلى حجم المعاناة التي يعيشونها.
وهكذا، تجاوز الجدل حول شطيرة «شيك طاووق» سعر وجبة في مطعم، ليكشف عن انقسام أوسع في المجتمع اللبناني، حيث باتت القدرة على تحمّل تكلفة بعض السلع والخدمات مؤشراً على اتساع الفجوة بين من يستطيعون مواصلة الإنفاق، ومن يكافحون لتأمين أبسط احتياجاتهم.
