فتحت باكستان مساراً دبلوماسياً جديداً في شرق ليبيا إثر افتتاح قنصلية عامة لها في بنغازي، بعد نحو عشرة أشهر من تقارب متنامٍ مع قيادة «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، بدأ باتفاق للتعاون العسكري والأمني تزامن مع «صفقة تسليح»، ثم امتد إلى اتصالات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى.
وجاء افتتاح القنصلية، مساء الجمعة، امتداداً لهذا التقارب، الذي يتجاوز التعاون الدفاعي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، في خطوة عدّها مراقبون «تعزيزاً للتواصل المؤسسي بين إسلام آباد والسلطات في شرق ليبيا، وتفتح المجال أمام مسارات جديدة للتعاون الثنائي».
ووضع السفير الباكستاني ممتاز حسين سكرت افتتاح القنصلية في إطار تطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز التواصل المؤسسي، وتقديم الخدمات القنصلية لأبناء الجالية الباكستانية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون بين البلدين، في تصريحات خلال حفل أقيم بهذه المناسبة.

من جهته، ربط وزير الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، الخطوة بمرحلة جديدة من التعاون الثنائي، تشمل تعزيز التواصل الدبلوماسي والقنصلي، وتيسير الخدمات المقدمة للمواطنين، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري.
وتعود أبرز محطات التقارب بين البلدين إلى نهاية العام الماضي، حين زار قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بنغازي، والتقى خليفة حفتر ونجله صدام، نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، ووقّع الجانبان آنذاك اتفاقاً للتعاون العسكري والأمني.
وتزامنت هذه الخطوة مع صفقة تسليح تتجاوز قيمتها أربعة مليارات دولار، وفق مسؤولين باكستانيين نقلت عنهم وكالة «رويترز»، تشمل مقاتلات «JF-17» وطائرات التدريب «سوبر مشاق»، إلى جانب معدات للقوات البرية والبحرية والجوية، وترتيبات للتدريب والتصنيع المشترك.
وتواصلت الاتصالات العسكرية خلال العام الحالي؛ حيث التقى في فبراير (شباط) الماضي حفتر ونجله صدام قائد الجيش الباكستاني في إسلام آباد، لبحث التعاون الدفاعي والأمني، قبل أن تتجدد المحادثات في يونيو (حزيران) الماضي خلال لقاء صدام حفتر بعاصم منير في مدينة روالبندي الباكستانية.
وفي قراءة لهذه التحركات، يرى المحلل السياسي، عمرو بوسعيدة، أن التعاون مع باكستان وتعزيز حضورها يمنحان قيادة شرق ليبيا «الملاذ الآمن من الفيتوات الدولية».
وأوضح بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» أن «التعاون مع دولة بحجم وقدرات باكستان العسكرية يتيح توريد وتطوير المعدات والتدريب، مثل صفقات المقاتلات وطائرات التدريب وبرامج التأهيل المشتركة، بعيداً عن تعقيدات العقوبات الأممية الحادة أو التجاذبات الحادة بين المعسكرين الغربي والشرقي، التي غالباً ما تقيدها حسابات الناتو وروسيا».
ويخضع توريد الأسلحة إلى ليبيا لحظر أممي، فرضه مجلس الأمن عام 2011، في قرار صدر بعد ثورة السابع عشر من فبراير 2011، ويُلزم الدول بمنع بيع الأسلحة ونقلها إلى البلاد، مع استثناءات تخضع لموافقة لجنة العقوبات الأممية.
وعلى المسار الدبلوماسي، سبق أن بحث خليفة حفتر خلال زيارته باكستان في فبراير الماضي، افتتاح قنصلية باكستانية في بنغازي، قبل أن تتقدم الترتيبات نحو تدشينها رسمياً.
ويضيف افتتاح هذه القنصلية قناة مؤسسية إلى الاتصالات السياسية والعسكرية القائمة، ويهيئ المجال لتوسيع العلاقات خارج الإطار الدفاعي.
ويقرأ بوسعيدة الخطوة باعتبارها تتجاوز وظيفتها البروتوكولية، وتقديم الخدمات القنصلية للجالية الباكستانية، لتعكس اهتمام إسلام آباد بتعزيز علاقاتها مع مركز سياسي وعسكري مؤثر في شرق ليبيا. ومن شأن ذلك وفق تقديره «فتح المجال أمام الشركات الباكستانية للوصول إلى السوق الليبية، والاستفادة من الفرص المرتبطة بمشروعات الإعمار والتنمية».

ويطرح المحلل السياسي الليبي إمكانية تطوير برامج للتدريب العسكري والأكاديمي، وتبادل الخبرات في تأمين الحدود ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، إلى جانب التعاون في الصيانة الفنية ونقل التكنولوجيا، وفقاً لما تسمح به التفاهمات بين الطرفين والالتزامات الدولية.
وقد يمتد هذا التصور إلى المجالات الاقتصادية والهندسية، مع فرص محتملة أمام الشركات الباكستانية للمشاركة في مشروعات البنية التحتية والإعمار، التي يقودها صندوق إعمار وتنمية ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر والجهاز الوطني للتنمية، بحسب بوسعيدة.
وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين، الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهي حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وتستند أمنياً إلى مجموعات مسلحة في غرب ليبيا، فيما تحظى الحكومة الثانية، برئاسة أسامة حماد، بدعم مجلس النواب في شرق البلاد و«الجيش الوطني» بقيادة حفتر.




